بحث متقدم
ترتيب حسب
فلترة حسب
التّأويل فنّ قرائيّ ، يستند إلى الانتقال من المعنى المباشر في النّسق الظّاهر إلى المعنى غير المباشر في النّسق المضمر ، و يتجلّى في الدّوالّ اللّفظيّة ، و الصّور ، و التّراكيب المحمّلة إيحاءات قويّة . لقد أغنى نقّاد الشّعر الجاهليّ الأدب القديم ؛ بما أضافوا إليه من أبعاد قرائيّة ، و ما تضمّنت تأويلاتهم من معانٍ نفسيّة و دلاليّة عميقة ، مبيّنين ما وراء المستويات النّصّية الظاهرة ، وصولاً إلى دلالات تفسيريّة متنوّعة ، أعطت المضمون النّصّي الشّعريّ الجاهليّ شعريّة أخرى هي شعريّة التّلقّي . قدّمت تأويلات النّقّاد مقاصد متنوّعة ، استناداً إلى الشّرح اللّغويّ حيناً ، و إرادة الشَّاعر حيناً آخر ، و قد يتدخّل في هذا الموقف رأي القارئ و قناعاته ، و لكنّها تأويلات _ أيّاً كانت درجة مصداقيّتها أو إقناعها _ قدّمت فكراً معاصراً ، و فتحت آفاقاً نصّيّة جديدة ، و أوحت بمشروعيّة التّفاعل مع الشّعر الجاهليّ برؤية مختلفة .
يخوض البحث في علاقة العمل الأدبيّ بالعالم الدّاخليّ للشّاعر الجاهليّ إحساساً بانفعالٍ خاصّ ، و يجسّد شعوراً موّحداً ينبثق من داخل النّصّ الشعري ؛ إذ تحمل نصوص جاهليّة كثيرة خيطاً نفسيّاً يجمعها ، و تتمحور حوله إيحاءات الجزئيات النّصّيّة الّنفسيّة ، م ا يجعل القارئ أمام وحدة نفسيّة يتفاعل فيها الشّعور مع اللّاشعور ، و تستمدّ هذه الوحدة الّنفسيّة طاقتها من النّظائر المحمّلة بالإيحاءات الانفعالية الّتي تعمّق أفق التّوقّع ، و تجعل المتلقّي منسجماً مع الحالة الشّعوريّة لمبدع النّصّ .
يرمي هذا البحث إلى تبيان أثر الطّاقة النّصّيّة في جماليّات النّصّ الشّعريّ ، و دلالاته ، و أبعاد هذا الأثر في ضوء القراءة النّفسيّة لنصوص شعريّة جاهليّة ، رغبة منّا في تجلية أثر النّصّ في المتلقّي الّذي يُعمل أدواته النّفسيّة لسبر ذات المبدع ، مستعين اً بطاقة التّوتّر الّتي حفل بها النّصّ الشّعريّ الجاهليّ ، معتمداً شعريّة الصّورة الجاهليّة ؛ بغية الحصول على ذاك الأثر الجماليّ الّذي يجذب المتلقّي ، و يبيّن جماليّات النّصّ الشّعريّ الجاهليّ و ثراءه . لم يكن الشّعر الجاهليّ مجرّد صياغة فنّيّة ، إنّما كان موقفاً و فكراً و تعبيراً عن أعماق الشّاعر الجاهليّ ، ففيه يعوم الدّال ، و ينزلق المدلول ، فنحصل على بعدٍ نفسيٍّ جماليٍّ مرنٍ ، إنّه بُعْدٌ يكشف أنّ الشّعر الجاهليّ تجاوزٌ و تخطٍّ ؛ إذ لم يكتفِ الشّعراء الجاهليّون بإثارة انفعالنا ، بل تضمّنت أشعارهم رؤية خاصّة صادرة عن حالتهم النّفسيّة.