بحث متقدم
ترتيب حسب
فلترة حسب
يعتبر مبدأ السببية من أهم المبادئ الفلسفية و العلمية التي لعبت دوراً أساسياً في تطور عملية البحث العلمي و المعرفي ، فمنذ بداية التفكير الفلسفي حاول الفلاسفة الأوائل البحث عن العلل الأولى للكون و عن الأسباب الحقيقية الكامنة وراء الظواهر و الحوادث في ا لكون ، و بالتالي ساعد مبدأ السببية على تقديم رؤية عامة و شاملة عن الكون حيث أقر أن الطبيعة تخضع لقوانين ثابتة و أن الظواهر تنتظم وفق نظام معين و إن تتابع هذه الظواهر يرتبط بأنظمة ذات قوانين و ارتباطات سببية محددة . و مع تطور العلم و المعرفة في العصر الحديث أصبح واضحاً للعلماء و المفكرين أن العقل لا يصل إلى القوانين إلا من خلال مجموعة من المبادئ و منها مبدأ السببية ، فالتجربة العلمية تدل على أن الظواهر ترتبط ببعضها ارتباط العلة بالمعلول ، و هذا ما يعبر عنه قانون العلية و على أساسه يتم الوصول إلى القوانين العامة التي تحكم العلاقات بين الظواهر المترابطة ، و في ظل النظرية السببية نشأت العديد من المفاهيم الفلسفية و العلمية ذات الارتباط الوثيق بمبدأ السببية كمفهوم الضرورة و الحتمية و اللاحتمية التي أدت إلى نشوء العديد من المذاهب الفلسفية و التيارات العلمية التي قدمت إسهامات علمية و معرفية متعددة من خلال النظريات و الإشكاليات التي بحثت فيها .
يدور هذا البحث حول مفهوم السببية في الفكر الرافدي القديم محاولاً أن يقدم الإجابة عن السؤال الجوهري: هل يؤمن الفكر الرافدي بمفهوم السببية و يقوم على أساسه؟ بمعنى: هل تحمل الأساطير الرافدية التي تعرفنا من خلالها على المجتمع و الفكر الرافدي إرهاصات لهذ ا المفهوم؟ و إذا كانت الإجابة: نعم، فهل يمكننا الإقرار بأن معنى السببية في الفكر الرافدي هو نفسه كما يُعرف اليوم في الأبحاث العلمية التي تسعى للوصول إلى قوانين عامة تحكم الكون و العالم بحيث يكون بمقدورها أن تفسر اختلاف الحالات و الظروف. أم أنَ مفهوم السببية له – في الفكر الرافدي- خصوصية فريدة هي ما نخمن أن البحث سيعمل على الوقوف عليها و فهمها. من هنا سنحاول- قدر المستطاع- أن نجيب عن هذه الأسئلة بالاعتماد على فهمنا للكون الرافدي و محتوياته الزاخرة التي كانت تتفاعل مع بعضها البعض, فتؤثر و تتأثر بحيث تشكل مجتمعاً رافدياً ينطلق فهم الإنسان فيه من وجهة نظر ترى في الشخصيات محركاً أساسياً للكون و العالم, و تغض الطرف عن أحداثه و ظواهره فيما هي كذلك. و هو ما ينقلنا للإجابة على سؤال جوهري يتلخص في المدى الذي يستطيع فيه الإنسان – بموجب هذا الفهم الرافدي للكون- أن يخلق مصيره بذاته في ذات الوقت الذي يخلق فيه مصير الموجودات من حوله.
يناقش هذا البحث أهم البراهين التي ساقها مفكرو التيار الأشعري حول مسألتين في غاية الأهمية هما: (حدوث العالم، و فكرة السببية) مبرزين أهم مواطن التفكك و الضعف في الاستدلالات العقلية التي قدموها، مستعينين بقراءة ابن رشد الذي يعد رائداً للنزعة العقلية في الفلسفة العربية الإسلامية، خاصة و أن معالجة الأشاعرة لهاتين المسألتين مثلت عائقاً أبستمولوجياً واجه العقل العربي الإسلامي، و حال بينه و بين الفهم السببي للطبيعة و الكون، و قد استشعر الفيلسوف ابن رشد خطورة غياب الوعي الموضوعي للكون و الطبيعة و الوجود في الفلسفة العربية الإسلامية و حاول التأسيس لرؤية تعتمد على العقل في محاولة لنقل المجتمع من حالة التسليم اللاهوتي إلى حالة التيقن العلمي.