بحث متقدم
ترتيب حسب
فلترة حسب
شعريَّة نصٍّ هي ما يمنحه صفة الأدبيَّة, و شعريَّة مكوِّنٍ بنائيٍّ هي ما يمنحه سمة القيادة بين المكوِّنات الأخرى, و لذلك يهتمُّ الدَّارسون -عند محاولة تحديد سمة الشِّعريَّة- بالبحث عن التِّقنيَّة الَّتي يعني حضورُها الفعَّالُ, و علاقاتها بنظيرتها من ا لمكوِّنات الأخرى, اتِّسامَ النَّصِّ المدروس بصفة الشِّعريَّة, فكلَّ أداةٍ تعبيريَّةٍ تمتلك أهميَّةً في توجيه دلالة النَّصِّ هي أداةٌ شعريَّةٌ, و هذا هو المنطلق الَّذي يتَّكئ عليه البحث لإظهار أهمِّيَّة التَّضادِّ معتمداً على جملةٍ من التَّنظيرات الَّتي ينتمي بعضها إلى مجال الألسنيَّة, لكنَّه يمتلك أصولاً في الفكر اللُّغويِّ و البلاغيِّ العربيِّ, و هي تعين الباحث على تحصيل نتائجَ بلاغيَّةٍ من دراسة النُّصوص, أمَّا في القسم التَّطبيقيِّ, فسيلجأ البحث إلى تطبيق المنطلقات النَّظريَّة على نصٍّ من نصوص المتنبِّي, و هي نصوص ثريَّةٌ بالتَّضادِّ, و لاسيَّما ثراؤها على مستوى النَّصِّ كاملاً؛ إذ استخدمه المتنبِّي لنسج شبكةٍ من العلاقات بين الدَّوالِّ, يكون التَّضادُّ الرَّابط الأوَّل بينها, و المُتَحَكِّم الأوَّل في توجُّهها, مُخرجاً النَّصَّ بناءً شعريَّاً متماسكاً .
التّأويل فنّ قرائيّ ، يستند إلى الانتقال من المعنى المباشر في النّسق الظّاهر إلى المعنى غير المباشر في النّسق المضمر ، و يتجلّى في الدّوالّ اللّفظيّة ، و الصّور ، و التّراكيب المحمّلة إيحاءات قويّة . لقد أغنى نقّاد الشّعر الجاهليّ الأدب القديم ؛ بما أضافوا إليه من أبعاد قرائيّة ، و ما تضمّنت تأويلاتهم من معانٍ نفسيّة و دلاليّة عميقة ، مبيّنين ما وراء المستويات النّصّية الظاهرة ، وصولاً إلى دلالات تفسيريّة متنوّعة ، أعطت المضمون النّصّي الشّعريّ الجاهليّ شعريّة أخرى هي شعريّة التّلقّي . قدّمت تأويلات النّقّاد مقاصد متنوّعة ، استناداً إلى الشّرح اللّغويّ حيناً ، و إرادة الشَّاعر حيناً آخر ، و قد يتدخّل في هذا الموقف رأي القارئ و قناعاته ، و لكنّها تأويلات _ أيّاً كانت درجة مصداقيّتها أو إقناعها _ قدّمت فكراً معاصراً ، و فتحت آفاقاً نصّيّة جديدة ، و أوحت بمشروعيّة التّفاعل مع الشّعر الجاهليّ برؤية مختلفة .
يرمي هذا البحث إلى تبيان أثر الطّاقة النّصّيّة في جماليّات النّصّ الشّعريّ ، و دلالاته ، و أبعاد هذا الأثر في ضوء القراءة النّفسيّة لنصوص شعريّة جاهليّة ، رغبة منّا في تجلية أثر النّصّ في المتلقّي الّذي يُعمل أدواته النّفسيّة لسبر ذات المبدع ، مستعين اً بطاقة التّوتّر الّتي حفل بها النّصّ الشّعريّ الجاهليّ ، معتمداً شعريّة الصّورة الجاهليّة ؛ بغية الحصول على ذاك الأثر الجماليّ الّذي يجذب المتلقّي ، و يبيّن جماليّات النّصّ الشّعريّ الجاهليّ و ثراءه . لم يكن الشّعر الجاهليّ مجرّد صياغة فنّيّة ، إنّما كان موقفاً و فكراً و تعبيراً عن أعماق الشّاعر الجاهليّ ، ففيه يعوم الدّال ، و ينزلق المدلول ، فنحصل على بعدٍ نفسيٍّ جماليٍّ مرنٍ ، إنّه بُعْدٌ يكشف أنّ الشّعر الجاهليّ تجاوزٌ و تخطٍّ ؛ إذ لم يكتفِ الشّعراء الجاهليّون بإثارة انفعالنا ، بل تضمّنت أشعارهم رؤية خاصّة صادرة عن حالتهم النّفسيّة.
ربما لا نستطيع أن نجد من يعترض على عملية التأويل و ربما ضرورتها، و لكننا سنجد الكثير ممن يعترضون على مستويات التأويل و أماكنه أو ربما طريقة ممارسته. سنقف في هذا البحث عند واحدة من مشكلات التأويل الأساسية و هي مشكلة حدود التأويل، و نعني بها المستوي ات يمارس بها التأويل فيختلف باختلافها المفهوم في الحد الذي يبدأ به و ينتهي عنده، و على هذا الأساس كان لدينا خمسة حدود لممارسة التأويل أولها الترجيع إِلى الأصل، و ثانيها تجاوز المعنى الظَّاهِر، و ثالثها الدخول إِلى المعنى الباطن، و رابعها تفجير النَّص بالدلالات، و خامسها هو الممارسة التأويلية التي تتجاوز ما يمكن أن يقوله النص إلى ما لا يمكن أن يقول و لذلك أسميناها من التَّأوِيل إِلى التقويل. ثم عرضنا بعد ذلك أنموذجاً لحدود التأويل هو الذي قدمه الغزالي و اعتمد فيها على مستويات اعتماد المنقول و المعقول و العلاقة بينهما.