خسر الوسط الفني العربي اليوم الأحد موهبة غير قابلة للتعويض، إذ كان هاني شاكر حلقة وصل حقيقية بين زمنين في الموسيقى، ويمثل إرثه نموذجاً للغناء الكلاسيكي المتمسك بعناصر الطرب والعذوبة، ولم يكتفِ شاكر بدوره على المسرح بل كان نقيباً للموسيقيين لفترة سبعة أعوام، وعلى رغم الجدل الذي صاحب أداءه حينها كان يحاول ألا يؤثر المنصب في إنتاجه الفني الذي استأنفه بنشاط لم يدُم طويلاً، ففارق الحياة وهو في خضم مشاريع وجدول حفلات مزدحم.

لم يكن النبأ الحزين مفاجئاً بالمرة، ومع ذلك جاءت عبارة "وفاة هاني شاكر" مدوية، هذا الرجل الذي كان قبل نحو شهرين يحتفل بموسم الحب في العاصمة الفرنسية باريس، ويتغنى بالرومانسية وسط جماهير غفيرة، تشاء الأقدار أن يسافر إليها مرة أخرى، ثم يعود في صندوق، مفارقة شديدة الأسى في حياة فنان شكلت مسيرته ذاكرة أجيال وأجيال، فلم يكُن مفاجئاً أن متلقي أعماله فور سماعهم الخبر دخلوا في نوبات تدوين هيستيرية، وكأنهم ينعون عمرهم وقصصهم التي ارتسمت فصولها على وقع أغنيات مطرب الحب والحزن والذكرى والوطنية كذلك.

وضع هاني شاكر بصمة في كل بيت عربي، إذ كان همزة وصل حقيقية وليس مجازاً بين زمن الطرب الكلاسيكي ومستمعي هذا العصر، وبوفاته في الـ74 من عمره تغلق الستارة على مشهد حافل وحالم من زمن بات الفنانون يتساقطون يوماً بعد يوم كورق الشجر، ليدرك الجمهور بالطريقة الأشد قسوة كم كان لدينا مبدعون استثنائيون سنبحث كثيراً عمن يمكنه أن يسد فراغهم.

AFP__20110625__Nic588731__v2002__MidRes__EgyptMusicShaker.jpg

بوداع هاني شاكر الذي عاصر في مستهل مشواره عبدالحليم حافظ، واعتبره كثرٌ امتداداً له، تطوى صفحة مهمة من رومانسية الطرب العربي بصورته الكلاسيكية، وهذه الأوصاف التي عدّها بعضهم في فترة من الفترات انتقاصاً من مقدرة هاني شاكر وموهبته، معتقدين بأن التجريب المبالغ فيه هو هدف الموسيقى والغناء في حد ذاته، لكن الحقيقة أن المطرب الذي عمل في بداية حياته معلماً للموسيقى، كان نموذجاً مخلصاً للغناء وللمسرح وللحضور بين الجمهور ولتلبية توقعات محبيه، مثلما كان نموذجاً دمثاً ومدهشاً في حياته الشخصية كذلك.

لم يتأخر هاني شاكر يوماً عن جمهوره، فكان يقابلهم في الدول العربية وخارج القطر أيضاً، ولم يغِب حتى عن الحفلات التي تنظمها المؤسسات الرسمية مثل مهرجان القلعة بالموسيقى والغناء المعروف بأسعار تذاكره البسيطة وبأنه منفذ لمن لا يتمكنون من حضور الأمسيات الباهظة، كذلك لم يتأخر جمهوره عنه منذ إعلان دخوله في حال حرجة بدأت منذ الثلث الأخير من أبريل (نيسان) الماضي، فلم تنقطع الدعوات التي تحولت إلى أنين بصوت عالٍ مع إعلان نجله شريف الوفاة رسمياً، واصفاً الفنان الراحل بفقيد الوطن العربي وبالأب والسند والصديق. النجم الذي دلل شريكته وانتحب كثيراً، وقدم جرعات غنائية مكثفة عن الخداع والمآسي وخطايا الحب وخساراته، لا يدري كم خسر جمهوره برحيله بعيداً من الوطن.

بعد نحو 15 عاماً من وفاة ابنته الكبرى دينا في ما شكل حينها صاعقة كبرى حلت على هاني شاكر ظلت تلازمه من يومها، إذ لم يفوّت لقاء إعلامياً إلا ويحكي عن حياته المريرة بعدها، ومكرراً أنه كان ينوي الاعتزال، لكنه تمسك باستكمال مسيرته فقط لأن ابنته التي اختطفها السرطان وهي شابة أوصته بذلك، ليغني ويصدح مستعيناً على الحياة بابنيها التوأم اللذين تركتهما صغاراً، فكانا يعوضانه عنها.

واحتفلت الصفحات الرسمية لهاني شاكر في نهاية فبراير (شباط) الماضي بعودته من العاصمة الفرنسية باريس، وتحقيقه نجاحاً لافتاً في حفل بمناسبة عيد الحب، بمشاركة عدد من النجوم بينهم مروان خوري، وعلى رغم التعب الواضح على ملامحه حينها فإنه أسعد جمهوره بصوته شديد العذوبة الذي لم يتأثر بعوامل التقدم في العمر أبداً، بل ازداد شجناً وحناناً.

AFP__20010323__APP2001032327611__v1__MidRes__UaeEgyptHaniShaker.jpg

لكن المتابعين ينتظرون هذه المرة أنباء وصول جثمانه من أحد مستشفيات باريس أيضاً، لكن ليواري الثرى، وكان ذهب إليها قبل أسابيع قليلة في رحلة كان من المفترض أن تكون رحلة تعافٍ وعلاج طبيعي، لمحاولة استعادة قدراته الحركية، بعدما أنهكت الجراحات والنزيف جسده إثر تفاقم جيوب القولون لديه التي أدت في النهاية إلى استئصال العضو بالكامل خلال جراحة وصفت بالناجحة تماماً أجريت له في مصر، فمرحلة التأهيل الباريسي سارت في الأيام الأولى على نحو جيد ومطمئن قبل أن يصاب المطرب الملقب بـ"أمير الغناء العربي" بانتكاسة صحية اعتبرها الفريق المعالج غير مبررة طبياً سببت له فشلاً تنفسياً كاملاً، فقضى الأسبوعين الأخيرين، وهو على أجهزة التنفس الاصطناعي والأجهزة المعينة على الحياة قبل أن تعلن وفاته، وغادر الحياة وإلى جواره زوجته السيدة نهلة توفيق التي رافقته منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وكذلك نجله، وأيضاً حفيداه وأرمل ابنته الراحلة الذي كان آخر من تحدث مع هاني شاكر قبل غيبوبته الأخيرة.

هاني عبدالعزيز مصطفى شاكر (مواليد 21 ديسمبر -كانون الأول 1952) بدأ محاولات احتراف الفن منذ أن كان طفلاً، فكان يظهر ضمن برامج الصغار بالتلفزيون المصري، وفي ما بعد تخرج في كلية التربية الموسيقية، لكن ظهوره الأهم كان عام 1972 بأغنية "حلوة يا دنيا" من تلحين محمد الموجي، وهي الأغنية التي شكلت أول مناوشة بينهما وبين جمهور عبدالحليم حافظ، إذ اختلط على المستمعين حينها الأمر، وظنوا أنها أغنية جديدة بصوت "العندليب"، ومن هنا ارتبط شاكر فنياً ووجدانياً بعبدالحليم في الأقل لدى الجمهور، كما أنه كان شارك ضمن فرق الكورال وراء "العندليب" بالفعل في أعمال عدة،  وشارك أيضاً في بعض الحفلات التي أحياها أيضاً حليم وفي ما بعد أعاد تقديم عدد من أغنياته، بينها "نعم يا حبيبي نعم".

AFP__20000506__APP2000050608328__v1__MidRes__EgyptPeopleShaker.jpg

قد يكون جزء من شخصية هاني شاكر الفنية متعلقاً بصورة أو بأخرى بأنه نشأ في كنف الكبار، ووضع في خانة واحدة مع عبدالحليم حافظ لبعض الوقت، وبوفاة الأخير عام 1977 أي بعد خمس سنوات فقط من ظهور شاكر الاحترافي، أصبح عن قصد أو غير قصد مثل حارس تراث الأغاني الكلاسيكية، ولم ينجرف وراء تغيرات الذوق الموسيقي، وظل على عهده في حديثه مع حبيبته حتى في اللوم والعتاب فلم ينجرف وراء موجة التعبيرات القاسية والعنيفة والبطش بالشريك التي اكتسحت الغناء، وفيما أن بعضهم اعتبر هذا جموداً ومحدودية فإن القدرة على جذب الجمهور وسلب لبه ليست أمراً هيناً أبداً، ونجح فيها شاكر بجدارة وبدلائل مثبتة لازمته حتى حفله الأخير.

وهذا التمسك لم يمنع هاني شاكر من التنوع أبداً، فقدم أنماطاً غنائية لاذعة ومشاكسة أحياناً، بل أغنيات شعبية بينها "ديو" قبل أربعة أعوام مع الفنان أحمد سعد بعنوان "يا بخته"، فمشواره الذي امتد لأكثر من نصف قرن يحمل رصيداً من نحو 30 ألبوماً وما يزيد على 500 أغنية مليء بالأعمال الأيقونية التي زينتها أسماء كبار الملحنين والشعراء من كل الأجيال، كذلك كان يجرّب الغناء باللهجات، وقدم أغنيتين باللهجة اللبنانية بينهما "يا ويل حالي" التي صدرت كفيديو كليب قبل أشهر، وكان يستعد لإطلاق أغنية ثالثة أيضاً هي "إلا أنا وياك"، مما يشير إلى أنه كان يمتلك أجندة مزدحمة، حتى إنه تعاقد على حفلات عدة بيعت تذاكرها بالفعل قبل أن يعتذر منظموها إلى الجمهور إثر تدهور الحال الصحية للراحل.

وبالحديث عن الأغنيات، فإنه كان يغني للوطن وللحبيبة بالإحساس نفسه، وشهدت أمسيته في احتفالات ذكرى انتصار أكتوبر (تشرين الأول) عام 2025 إعادة اكتشاف أغنيته الشهيرة "بلدي" التي أدّاها على المسرح مجدداً مع زميله النجم محمد ثروت، إذ أعادا للجمهور ذكريات هذه الثنائية، وكانت المفاجأة أن جمال الصوتين لا يزال كما هو وبريق الحضور ازداد أضعافاً، وكان يطمح كثرٌ إلى أن يتكرر هذا التعاون على المسرح مجدداً، لكن كانت للقدر كلمة أخرى، فيما تبدو تجربته في الغناء العاطفي متشعبة ومركبة للغاية، بأعمال كثير منها يصلح كعنوان لنهاية قصة حب عاصفة، وكعنوان لرحلة ألمه أيضاً ومن بينها "حكاية كل عاشق" و"أصاحب مين" و"معقول نتقابل تاني" و"جرحي أنا" و"يا ريتني" و"نسيانك صعب أكيد" و"الحلم الجميل".

AFP__20010323__APP2001032327606__v1__MidRes__UaeEgyptHaniShaker.jpg

تاريخ هاني شاكر الغنائي الذي يضم أيضاً أعمالاً مثل "غلطة" و"تخسري" و"مشتريكي ما تبعيش" و"بحبك أنا" و"لسه بتسألي" و"كده برضه يا قمر" و"ولا كان بأمري" و"بعشق ضحتك" و"ليه ما نحلمش" و"المفروض"، يغلب عليه الطابع الدرامي، لكن المفارقة أن هاني شاكر أيضاً هو صاحب أشهر أغنية تتغنى بالضحك "علّي الضحكاية"، بل إنه هو شخصياً على رغم كل ذلك كان أكثر نجوم جيله بشاشة ولم تكُن الابتسامة تفارق وجهه في ظهوره بالكواليس وعلى المسرح، كذلك كان من أكثر النجوم مجاملة ووداً في تعامله مع الآخرين، ومن اقترب منه يعلم هذا جيداً أنه لم يكُن يتصنع الترحيب بمن يعرفه ومن لا يعرفه، فكان يحب أن يحتفي بالمحبة، إضافة إلى أن ظهوره البرامجي ينم عن امتلاكه حساً حقيقياً للفكاهة.

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن مشوار هاني شاكر جرى اقتطاع سبع سنوات منه لمصلحة العمل العام الذي بدا مرهقاً وضاغطاً، وأثر سلباً في إنتاجه الفني، فعام 2015 انتخب نقيباً للموسيقيين على مدى دورتين، وحاول مراراً أن يتنحى عن المنصب لكنه كان يعود تحت الإلحاح إلى أن ترك المهمة باستقالة رسمية خلال صيف عام 2022، وبدا واضحاً أن هذا النوع من المناصب ليس مناسباً لمطرب لا يزال في عز عطائه مثل شاكر، وظهرت أيضاً الفجوة الواضحة بين القدرات الإدارية والصوتية، ففخامة الموهبة الفنية لا تعني أبداً المقدرة على حل الخصومات الشرسة، ولا التعامل مع الإدارات والإجراءات، ومن هنا استنفد هاني شاكر طاقاته في معارك جانبية كثيرة أبرزها مشكلته مع مطربي المهرجانات الذين دخلوا في صراع معه واتهموه بمحاربتهم، على خلفية منع كثرٍ منهم من الغناء، وإيقاف تصاريحهم بسبب عدم استيفائهم شروط عضوية النقابة وغيرها من الأزمات.

AFP__20080730__Nic284085__v1__MidRes__EgyptEntertainmentMusicShaker.jpg

وارتباط هاني شاكر الوثيق بالكلاسيكية جعله أيضاً يتجه مبكراً إلى السينما، باعتبارها بوابة انتشار مهمة وتوثيق للظهور، فظهر مراهقاً في فيلم "سيد درويش" 1966، ثم خلال السبعينيات قدم أعمالاً مثل "عندما يغني الحب" وعايشين للحب" و"هذا أحبه وهذا أريده"، وفي المرحلة نفسها تقريباً شارك في عروض مسرحية وأوبريتات، لكنه أدرك أيضاً مبكراً أن التمثيل ليس ملعبه، وأن من غير المجدي أن يهدر طاقته في مجال بعيد من الغناء.

اسم هاني شاكر كان رقماً صعباً في الغناء وحفلاته دوماً كانت كاملة العدد، وحصد تكريمات مهمة عدة على مستوى رفيع في تونس والمغرب وفلسطين، وعلى رغم تكريمه في مهرجانات عدة ومن قبل مؤسسات فنية مصرية، فإن الجمهور كان ينتظر حصوله على إحدى جوائز الدولة في الفنون تقديراً لمسيرته المهيبة، لكن هذا لم يحدث، على رغم أنه كان الاسم الحاضر دوماً في الاحتفالات القومية ومهرجان الموسيقى العربية والمناسبات الوطنية.

هاني شاكر... الغناء العربي يفقد أميره
هاني شاكر... الغناء العربي يفقد أميره
هاني شاكر... الغناء العربي يفقد أميره
هاني شاكر... الغناء العربي يفقد أميره
هاني شاكر... الغناء العربي يفقد أميره
هاني شاكر... الغناء العربي يفقد أميره
هاني شاكر... الغناء العربي يفقد أميره
هاني شاكر... الغناء العربي يفقد أميره
هاني شاكر... الغناء العربي يفقد أميره
هاني شاكر... الغناء العربي يفقد أميره
هاني شاكر... الغناء العربي يفقد أميره
هاني شاكر... الغناء العربي يفقد أميره
هاني شاكر... الغناء العربي يفقد أميره
هاني شاكر... الغناء العربي يفقد أميره
هاني شاكر... الغناء العربي يفقد أميره
أعلن في شمرا