بافتراض إطلاقها في أواخر عام 2028 ستصل مركبة "روزاليند فرانكلين" إلى المريخ في عام 2030، سالكة مساراً أطول من المُعتاد لتجنب الهبوط خلال موسم العواصف الترابية العالمية على الكوكب.

ظن كثيرون أن أوروبا ضلت طريق النجوم ربع قرن من الزمن بسبب مهمتها الملحمية "روزا" المتجهة مباشرة نحو المريخ، حتى أمكن القول إنها خرجت خاسرة من سباق النجوم العالمي المحتدم اليوم بين أميركا وروسيا والصين ودول أخرى، لكن القارة العجوز عادت أخيراً إلى المنافسة بمشروع له خاصية علمية فريدة، ويُعرف اختصاراً باسم "روزا" (ROSA). "روزا" هو أول مركبة أوروبية جوالة إلى المريخ، وإذا نجحت في الهبوط على سطح الكوكب الأحمر في عام 2028، فإن رحلة "روزا" الأوروبية إلى المريخ ستكون بمثابة الحصان الأسود في هذا السباق الشاق والطويل. وتعبر "روزا" عن شغف أوروبا العلمي، إذ يكمن سر "روزا" في أنها حافظت على أهميتها العلمية على رغم أن التخطيط لها استمر لأكثر من ربع قرن.

على رغم طول فترة الانتظار، تؤكد وكالة الفضاء الأوروبية أن قدرات المركبة "روزا" وأهدافها العلمية "لا تزال ذات أهمية" لاستكشاف المريخ. فـ"روزا" التي  بهذا لقبت بهذا لاسم تيمناً بالكيميائية البريطانية الراحلة ورائدة أبحاث الحمض النووي روزاليند فرانكلين، ستكون أول مهمة تستخرج وتحلل عينات من التربة من عمق يصل إلى مترين (6 أقدام) داخل قشرة المريخ.

ومثلما ذكر علماء "ناسا" في ورقة بحثية عام 2022، "على هذا العمق، من المفترض أن تكون الجزيئات العضوية التي تحمل دلائل على وجود حياة قديمة على المريخ، محمية من مليارات السنين من التعرض للإشعاع، الذي قد يدمر المؤشرات الحيوية العضوية القديمة بطرقة لا رجعة فيها". ولذلك تقول وكالة الفضاء الأوروبية في نشرة حقائق حول المهمة: "لا توجد مهمة أخرى مُخطط لها حتى الآن لمواجهة هذا التحدي التقني"، وتضيف "تعد قدرات المركبة الجوالة على الحركة، ولا سيما التوجيه بست عجلات والمشي على العجلات، مبتكرة أيضاً".

رسم_توضيحي_فني_يُظهر_مركبة_روزاليند_فرانكلين_الجوالة_وهي_تغادر_منصة_هبوطها_على_سطح_المريخ_الصورة_لإيرباص.jpg

الأهم هو أن "روزا" تدخل السباق حالياً" إلى الكوكب الأحمر بصورة مباشرة. فالاختيار الحكيم لوجهة الرحلة، وهي المريخ منذ 1992، أسهم كثيراً في إعطاء الرحلة زخماً، ومنح الرحلة بعداً زمنياً مهماً. فالسباق الى القمر، على رغم أهميته، أصبح سباقاً نمطياً، لأن البشر وطئوا الكوكب الرومانسي سابقاً. وترجع نقطة انطلاق سباق القمر زمنياً إلى خمسينيات القرن الماضي. وفي حين أن سباق القمر أصبح ذا طابع تنافسي ربحي يهيمن عليه بقوة الفضاء التجاري، لا يزال السباق إلى المريخ عِلمياً، وما زال الكوكب الأحمر كوكباً "بِكراً" وغير موطوء بشرياً. ولذلك تأتي "روزا" عبر بوابة العلوم وليس عبر بوابة الصراع الجيوسياسي الشرس بين أميركا والصين وروسيا، إذ يمكن القول إن أوروبا، مُمثلة بوكالة الفضاء الأوروبية، ما زالت متماسكة وتعمل بتعاون على رغم دخولنا حقبة "رجال الأعمال". في المقابل وصفت "روزا" بكونها "المهمة الأوروبية المشؤومة"، وذلك لأن وكالة الفضاء الأوروبية اضطرت لتأجيلها مرات عدة.

قالت وكالة الفضاء الأوروبية في نشرة حقائق حول المهمة إن "روزا" حافظت على أهميتها العلمية طوال ربع قرن. وذلك لأنه "لا توجد مهمة أخرى مخطط لها حتى الآن لمواجهة هذا التحدي التقني". وتضيف الوكالة: "تعد قدرات المركبة الجوالة على الحركة، ولا سيما التوجيه بست عجلات والمشي على العجلات، مبتكرة أيضاً". وفي محاولة لشرح كثير من ملابسات رحلة "روزا" كتب ستيفن كلارك، وهو مراسل متخصص في شؤون الفضاء قبل أيام قليلة في موقع علمي أميركي تحت عنوان "يبدو المستقبل واعداً لـ(روزا)"، مبيناً أنه و"بعد سلسلة من الوعود الكاذبة، أخيراً تنطلق مركبة أوروبية جوالة إلى المريخ"، وأن "أول مهمة أوروبية لمركبة جوالة إلى المريخ تنطلق الآن على متن صاروخها الرابع ‘فالكون هيفي‘ التابع لشركة ‘سبيس إكس‘". وقال كلارك في مطلع المقالة "أكدت وكالة ‘ناسا‘ أن شركة ‘سبيس إكس‘ ستطلق مركبة ‘روزاليند فرانكلين‘ التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية لاستكشاف المريخ، ربما في أواخر عام 2028، على متن صاروخ ‘فالكون‘ الثقيل من مركز كينيدي للفضاء في فلوريدا".

وفي سياق التناقضات الخاصة بالرحلة، تساءل الكاتب "لماذا تختار ‘ناسا‘ الصاروخ الذي سيحمل هذه المهمة الأوروبية الرائدة إلى المريخ؟"، وأجاب "إنها قصة طويلة تتضمن البحث عن حياة خارج كوكب الأرض، وخلافات سياسية حادة، والهجوم الروسي على أوكرانيا". ووفق ستيفن فإنه "يمكن تتبع تاريخ مهمة ‘روزاليند فرانكلين‘ الأوروبية إلى ما يقارب ربع قرن. فبعد بضعة أعوام من هبوط أول مركبة جوالة تابعة لـ(ناسا) على سطح المريخ عام 1997، وضعت وكالة الفضاء الأوروبية خطة لإرسال روبوت متنقل خاص بها إلى الكوكب الأحمر. وكانت المركبة الأوروبية جزءاً من برنامج ‘أورورا‘، وكان المسؤولون يأملون في إطلاقها عام 2009. كذلك كان من المقرر أيضاً أن تزود روسيا المركبة بصاروخ ‘سويوز‘".

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتحت عنوان فرعي هو توقفات وبدايات يضيف كلارك "كتب مسؤولون في وكالة الفضاء الأوروبية (ESA) في نشرة حقائق عام 2016 حول المهمة: حدثت تأخيرات وتغيرت الخطط. وبذلك أصبح هذا الوصف أقل من الواقع بكثير. فما كان في الأصل مشروعاً أوروبياً في مُعظمه، أُعيدت تسميته إلى ‘إكسومارس‘، وتحول إلى محور مبادرة مشتركة مع الولايات المتحدة في عام 2009، عندما وقعت ‘ناسا‘ ووكالة الفضاء الأوروبية اتفاقية لاستكشاف المريخ معاً".

ووفق كلارك أيضاً، فقد كان من المقرر أن تنطلق المركبة الجوالة الأوروبية إلى المريخ بالتزامن مع مركبة جوالة أميركية مماثلة في الحجم عام 2018. كذلك كان من المفترض أن يقوم نظام هبوط يعتمد على تصميم الرافعة السماوية التابع لمختبر الدفع النفاث (JPL) بإنزال المركبتين الجوالتين إلى سطح المريخ في الوقت ذاته. وكان من المقرر أيضاً إطلاق مركبة مدارية أوروبية مصممة للكشف عن آثار غاز الميثان في الغلاف الجوي للمريخ عام 2016، أي قبل عامين من إطلاق المركبتين الجوالتين. ويلفت كلارك إلى أن "ناسا" وافقت على إطلاق مهمتي 2016 و2018 على متن صاروخين من طراز "أطلس 5" تابعين لتحالف الإطلاق المتحد (UNAL).

لكن وكالة "ناسا" انسحبت من الاتفاقية بعد أقل من ثلاثة أعوام، إذ ألغت إدارة أوباما معظم مشاركة "ناسا" في مهمة "إكسومارس" في عام 2012، معللة ذلك بضيق الموازنة، لا سيما تجاوزات الكلف المتعلقة بتلسكوب "جيمس ويب" الفضائي، إذ كانت وكالة الفضاء الأوروبية تعاني بدورها قيوداً تمويلية، ولم يكن بمقدورها تحمل كلف استبدال مساهمات "ناسا" في أنظمة الإطلاق والهبوط بمفردها. وبدلاً من ذلك، لجأت الوكالة إلى روسيا لإطلاق المركبة المدارية والمركبة الجوالة على متن صاروخين من طراز "بروتون"، وتوفير نظام الهبوط لإيصال المركبة الجوالة إلى المريخ.

كذلك وافقت وكالة الفضاء الأوروبية حينها على إضافة أجهزة علمية روسية إلى مهمتي المركبة المدارية والمركبة الجوالة. وشكل هذا مكسباً كبيراً للمؤسسات العلمية الروسية، "إذ لولا شراكة دولية مثل مشروع ‘إكسومارس‘، لما كانت لديها أية فرصة واقعية لإرسال حمولات بحثية خاصة بها إلى الكوكب الأحمر". فروسيا نجحت في إطلاق المركبة المدارية "إكسومارس" لتتبع الغازات المصنعة أوروبياً على متن صاروخ "بروتون" في عام 2016. ولا تزال هذه المركبة المدارية تعمل حول المريخ حتى اليوم، وترسل بيانات علمية وتعمل كحلقة وصل للاتصالات بين مركبتي "ناسا" الجوالتين "كيوريوسيتي" و"بيرسيفيرانس".

لاحقاً، تغير كل شيء مرة أخرى بالنسبة لـ"روزا"، وذلك عندما بدأت حرب روسيا أوكرانيا في فبراير (شباط) 2022. فقطعت وكالة الفضاء الأوروبية معظم علاقاتها مع وكالة الفضاء الروسية، منهية الشراكة في مهمة "إكسومارس" بعد بناء جميع عناصر المهمة، وأصبحت "روزا" جاهزة للتجميع النهائي بما في ذلك الصاروخ الروسي ومرحلة الهبوط على المريخ.

ومن المعلومات التي نقلتها مواقع علمية بهذا الشأن، أن وكالة الفضاء الأوروبية استبعدت جهازين علميين روسيين من المهمة، إذ تدخلت الحكومة الأميركية مرة أخرى لإنقاذ المركبة، وأبرمت وكالة "ناسا" ووكالة الفضاء الأوروبية اتفاقية جديدة في عام 2024، فالتزمت الولايات المتحدة بتوفير مركبة الإطلاق، ومحركات الكبح اللازمة للهبوط، وسخانات صغيرة تعمل بالطاقة النووية للحفاظ على دفء الإلكترونيات الحساسة للمركبة الجوالة، كذلك سلمت "ناسا" مِطياف كتلة للمركبة الجوالة الأوروبية، والذي سيحلل تربة المريخ بحثاً عن مؤشرات للجزيئات العُضوية.

تعمل دول وكالة الفضاء الأوروبية بصورة مُتكاملة لضمان نجاح "روزا". وتوفر الوكالة المركبة الجوالة والمركبة الفضائية الحاملة لنقلها إلى المريخ، وكذلك تتولى أوروبا مسؤولية التجميع الكامل لمنصة الهبوط وتشغيل المركبة الجوالة على سطح المريخ. وقامت شركة "إيرباص" ببناء المركبة الجوالة في المملكة المتحدة، وهي تُوفر الهيكل الرئيس للمركبة الهابطة، التي ستستقر على سطح المريخ. أما شركة OHB الألمانية، فقامت بتصنيع المركبة الفضائية الحاملة لنقل المركبة الجوالة من الأرض إلى المريخ. وتتولى شركة "تاليس ألينيا سبيس" الإيطالية مسؤولية تجميع الأجزاء وتجهيز المهمة للإطلاق.

تشمل مساهمة "ناسا" في هذه المهمة صواريخ كبح مجربة لمنصة الهبوط التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، كذلك ساعد خبراء مختبر الدفع النفاث التابع لـ"ناسا" المهندسين الأوروبيين بحل مشكلة في نظام المظلة الخاص بالمركبة، والذي يبطئ سرعتها إلى ما دون سرعة الصوت قبل تشغيل صواريخ الكبح لإتمام عملية الهبوط. وبافتراض إطلاقها في أواخر عام 2028، ستصل مركبة "روزاليند فرانكلين" إلى المريخ في عام 2030، سالكة مساراً أطول من المُعتاد لتجنب الهبوط خلال موسم العواصف الترابية العالمية على الكوكب.

"روزا" الأوروبية تحمل القارة العجوز إلى المريخ
"روزا" الأوروبية تحمل القارة العجوز إلى المريخ
"روزا" الأوروبية تحمل القارة العجوز إلى المريخ
"روزا" الأوروبية تحمل القارة العجوز إلى المريخ
"روزا" الأوروبية تحمل القارة العجوز إلى المريخ
"روزا" الأوروبية تحمل القارة العجوز إلى المريخ
"روزا" الأوروبية تحمل القارة العجوز إلى المريخ
"روزا" الأوروبية تحمل القارة العجوز إلى المريخ
"روزا" الأوروبية تحمل القارة العجوز إلى المريخ
"روزا" الأوروبية تحمل القارة العجوز إلى المريخ
"روزا" الأوروبية تحمل القارة العجوز إلى المريخ
"روزا" الأوروبية تحمل القارة العجوز إلى المريخ
"روزا" الأوروبية تحمل القارة العجوز إلى المريخ
"روزا" الأوروبية تحمل القارة العجوز إلى المريخ
"روزا" الأوروبية تحمل القارة العجوز إلى المريخ
"روزا" الأوروبية تحمل القارة العجوز إلى المريخ
أعلن في شمرا