من اللحظات الأولى لاندلاع الحرب، عاش المواطنون اللبنانيون هواجس تتركز بصورة أساس حول الأمن الغذائي والدوائي. ففي كل مرة، تعيد هذه الظروف القاسية تجربة حرب عام 2006 لذاكرتهم، بما فرض فيها من حصار جوي وبحري على البلاد. في كل الحالات، ترافق الحرب دائماً مخاوف تتعلق بالغذاء والدواء مع ارتفاع مستويات القلق، على رغم التطمينات بتوافر الدواء بكميات كافية، وبصورة خاصة تعتبر مخاوف انقطاع الأدوية أشد وطأة على من يعانون أمراضاً مزمنة أو أمراضاً مستعصية.
يتحمل قطاع الأدوية تبعات الحروب والنزاعات، لا بل قد يكون من أول القطاعات الحيوية التي تتأثر بها، كما يحصل حالياً في ظل الحرب على إيران. أيضاً في ظروف مماثلة، تزيد الهواجس والمخاوف من انقطاع الأدوية بسبب عرقلة حركة الملاحة. وقد يكون مرضى السرطان ومن يعانون أمراضاً مزمنة الأكثر تأثراً في هذه الحالات، فتزيد الهواجس لديهم من انقطاع أدويتهم التي من المفترض أن يتناولوها بانتظام، ويتخوفون من عدم القدرة على تأمينها في وقت من الأوقات، لذلك منذ بداية الحرب ثمة تساؤلات كثيرة حول ما إذا كان مخزون الأدوية في لبنان كافياً أو ما إذا كان التخوف من الانقطاع مبرراً لما يشكله الأمر من خطر على حياة كثير من المرضى؟
حصل طلب متزايد على الأدوية خصوصاً المزمنة منها في الأسبوع الأول من الحرب (رويترز)
من اللحظات الأولى لاندلاع الحرب، عاش المواطنون اللبنانيون هواجس تتركز بصورة أساس حول الأمن الغذائي والدوائي. ففي كل مرة، تعيد هذه الظروف القاسية تجربة حرب عام 2006 لذاكرتهم، بما فرض فيها من حصار جوي وبحري على البلاد. في كل الحالات، ترافق الحرب دائماً مخاوف تتعلق بالغذاء والدواء مع ارتفاع مستويات القلق على رغم التطمينات بتوافر الدواء بكميات كافية، وبصورة خاصة تعتبر مخاوف انقطاع الأدوية أشد وطأة على من يعانون أمراضاً مزمنة أو أمراضاً مستعصية. ففي مثل هذه الحالات، يهدد وقفها حياتهم، فيغلبهم القلق في ظروف الحرب أكثر من أي شخص آخر. من اللحظات الأولى لاندلاع الحرب، كانت هناك تأكيدات من المسؤولين على توافر مخزون من الأدوية يكفي أشهراً البلاد. على رغم من ذلك، تملك كثيرون الخوف من انقطاع الأدوية، وسارعوا إلى الصيدليات لشراء كميات كافية منها لأشهر خشية انقطاعها.
واليوم بعد مرور نحو شهر على بداية الحرب، أشار الصيدلاني دانيال إلى أن الطلب على الأدوية زاد بالفعل في الأيام الأولى من الحرب، وكان هناك ضغط أكبر تماماً كما يحصل في كل أزمة أو حرب، مؤكداً أن الطلب زاد بصورة خاصة على الأدوية المزمنة، "إذ سارع المرضى الذين يتناولون هذه الأدوية، ولا يمكنهم وقفها في أي ظرف، إلى شراء حاجتهم منها لأشهر إلى الأمام. ولعل ارتفاع الطلب في ظروف كهذه من الأسباب الرئيسة وراء ما يحصل من انقطاع في الأدوية، كما حصل في بداية الأزمة الاقتصادية في لبنان"، وأضاف "في الأسبوع الأول إلى 10 أيام من بداية الحرب زاد الطلب بالفعل، وكان من يعانون أمراضاً مزمنة أكثر من كانوا يعملون على تخزين الأدوية، ونحن لا نحدد الكميات التي يمكن بيعها لهم، لكن نحاول قدر الإمكان عدم بيع الشخص الواحد كميات لا تتخطى حاجته لشهرين إلى الأمام لا أكثر، حفاظاً على الكميات المتوافرة لدينا في هذه الظروف ولتأمين احتياجات جميع المواطنين، إنما في الوقت نفسه الإمكانات المادية ليست متوافرة لدى جميع المواطنين حالياً كما في السابق، مما يشكل عائقاً بالنسبة إلى كثيرين أمام شراء الأدوية بكميات زائدة وتخزينها. أيضاً بعد مرور أسبوعين على بداية الحرب، اطمأن المواطنون وخف الضغط والطلب على الأدوية. وبعكس كل ما يشاع وعلى رغم الهواجس في شأن انقطاع الأدوية، فالأدوية متوافرة كالعادة، ووحدها تلك التي كانت مقطوعة بقيت كذلك في فترة الحرب، أما تلك التي كانت متوافرة أصلاً فليس هناك أي انقطاع فيها، ويؤمن الوكلاء الأدوية بالوتيرة نفسها، أو ربما بوتيرة أخف بقليل مقارنة بفترة ما قبل الحرب".
والأمر نفسه أكده صيدلاني آخر في منطقة المتن (جبل لبنان)، مشيراً إلى زيادة الضغط والطلب في الأيام الأولى من الحرب، لكن سرعان ما هدأت الأمور. أما لجهة توافر الأدوية فليس هناك انقطاع في أي منها، على حد قوله، وكلها متوافرة بصورة طبيعية، وليس على الناس القلق بهذا الشأن بما أن الأدوية تسلم في مواعيدها وما من مشكلة في ذلك.
يبدو الوضع مختلفاً بالنسبة إلى مرضى السرطان، فبحسب رئيس إحدى الجمعيات الداعمة لمرضى السرطان، بدأ يسجل انقطاع في أدوية مرضى السرطان ومنهم من يجدون صعوبة في تأمينها بعد انقضاء ثلاثة أسابيع على اندلاع الحرب. وكأن بوادر أزمة الدواء بدأت تعاود كما حصل خلال الأزمة الاقتصادية عام 2019، فبدأ هؤلاء المرضى يعيشون الهواجس نفسها بعد التجربة المريرة التي مروا بها قبل سنوات، وهم يدركون مدى صعوبتها إذ كانوا يعالجون منذ ذاك الوقت.
في السياق، أكد نقيب الصيادلة عبدالرحمن مرقباوي حصول انقطاع في أدوية محدودة للسرطان لاعتبارها تصل إلى لبنان عبر الإمارات العربية المتحدة، "وكان هناك قرار بوقف التوريد بصورة موقتة، حرصاً على تأمين احتياجات البلاد بالدرجة الأولى. وكان شحن هذه الأدوية متوقفاً، لكن جهوداً ومساعي مثمرة بذلت للتعامل مع الوضع انتهت بتسهيل وصول هذه الأدوية الأسبوع الجاري إلى المرضى، كما جرت العادة". وفي ما عدا ذلك "الأدوية كافة متوفرة وثمة مخزون يكفي لمدة أربعة أشهر للأدوية المستوردة، ولمدة ثمانية أشهر للأدوية المحلية الصنع، وما من تخوف من حصول انقطاع في الأدوية ما دام أن حركة الملاحة الجوية والبحرية طبيعية ولو طالت الحرب، وما دام أن المطار مفتوح، فحتى الآن تعتبر الأمور تحت السيطرة بما أن الدواء يدخل بطريقة طبيعية إلى البلاد، على رغم أنه كان يسجل بعض البطء في عملية التسليم وفي وصول الشحنات عبر البحر، فيما لا مشكلة في تلك التي تصل بالشحن الجوي".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لا ينكر مرقباوي أنه في الفترة الأولى كان هناك تقصير في تسليم الأدوية إلى الصيدليات وبطء إلى حد ما، "لكن عادت الأمور لتتخذ المسار الطبيعي خصوصاً بعد أن طالب وزير الصحة العامة ركان ناصر الدين بإعطاء الأولوية في الشحن للأدوية في طيران الشرق الأوسط، حتى لا يحصل نقص في الأدوية"، وأشار إلى أنه في الفترة الأولى للحرب "زاد الضغط على الصيدليات بسبب مخاوف الناس من انقطاع الدواء، لكن في مرحلة لاحقة، طالبت النقابة الصيدليات بتسليم أدوية الأمراض المزمنة للمرضى بما يكفي لمدة شهر واحد لا أكثر لتبقى الأدوية متوفرة لجميع المواطنين بإنصاف، وتجنباً لانقطاعها بسبب ارتفاع الطلب والتخزين كما يحصل في الأزمات".
في المقابل، في المناطق المستهدفة بخاصة في جنوب لبنان والبقاع (شرق)، يضطر الصيادلة إلى التوجه إلى بيروت لتأمين الأدوية بسبب مخاوف الوكلاء من التوجه إليها حيث القصف مستمر، لكن هناك مطالبة ومساعي بمعاودة التسليم في هذه المناطق لتوفير احتياجات المواطنين وتسهيل عمل الصيادلة.
أما نقيب مستوردي الأدوية جوزف غريب فأوضح "أنه تم إحصاء مخزون الأدوية في لبنان صنفاً صنفاً ما بين المستشفيات والصيدليات، وتبين أنه يكفي لمدة ثلاثة أشهر أو أربعة"، وبالاستناد إلى تجارب الحروب السابقة أكد أنه ما دام أن خطوط الإمداد مفتوحة لن تكون هناك مشكلة في توفر الدواء، على رغم البطء في التسليم بسبب ظروف الحرب، ولأن شركة واحدة أصبحت تعمل على شحن الأدوية، بعد أن كان هناك ما لا يقل عن 20 شركة، "إنما بعد أن أصبحت الخطوط الجوية التابعة لطيران الشرق الأوسط تعطي الأولوية لشحن الدواء بطلب من وزير الصحة عادت الأمور لتتخذ مسارها الطبيعي"، كما أن هناك جهوداً لأن تعمل شركة أخرى على التركيز على شحن الأدوية في طائراتها، مما يؤكد أن الوضع تحت السيطرة لجهة توافر الأدوية "حتى أن التهافت على الدواء لم يؤثر في مستوى توافر الأدوية، سواء في جائحة كورونا، أم في الحرب، أم في بقية الأزمات التي شهدتها البلاد، أثبتنا على نسبة جاهزية عالية ولم يحصل انقطاع في الأدوية إلا عند انهيار سعر الصرف. تسير الأمور حالياً بصورة طبيعية وقد وضعنا أوامر الشراء كافة كما جرت العادة، على رغم ظروف الحرب، لأن أوامر شراء الأدوية لا توضع عادة شهرياً بل مع بداية العام".