الأشياء المتراكمة بصرياً ومادياً أمامك، ربما أنها دعوة لإشباع فضولك بما هو أكثر من ذلك لزيارة الحي العتيق في المدينة العتيقة، الدرعية، موطن الدولة السعودية الأولى، التي جاءت من وحي القرون الثلاثة بعبق طينها ونخيلها، وقبل هذا ما خلفته سيوف ورماح فرسانها.
للوهلة الأولى تبدو القطع التي أمامك أنها مجرد "مهملات"، لكنها ليست كذلك، إذ جسد "فنانون" عالميون من "الحطام وأشيائهم المهملة" لغة عالمية، بأدوات في متناول كل البشر تقريباً.
ربما هذه ما تبدو بارزة في المعرض المصاحب لفعاليات النسخة الثالثة من بينالي الدرعية للفن المعاصر، والذي انطلق تحت عنوان "الحل والترحال".
من بين الأعمال ثمة عمل لافت للفنانة الصينية يو جي (مواليد 1985) بعنوان "أضلاع واهنة"، وهو واحد من أكثر الأعمال إثارة للتأمل في علاقة الإنسان بالبيئة الحضرية والتحولات العمرانية المتسارعة.
والعمل الذي تبدو أشياؤه بسيطة جداً يتكون من أرجوحة عملاقة مصنوعة من البلاستيك الأسود المهدب وشبكات صيد، معلقة بأسلاك معدنية مشدودة تعطي شعوراً بالتوتر والثقل في آن.
والأرجوحة السوداء مليئة بـ"حطام" فعلي جمع من مواقع البناء، قوالب من الأسمنت ورغوة العزل وقطع الخشب وجالون ماء وأجزاء معدنية صدئة، وأشياء أخرى ربما بقايا جبسية أو رخام.
عمل الفنانة الصينية يو جي ويحمل اسم "أضلاع واهنة". (اندبندنت عربية)
تكمن قوة العمل في التضاد بين فكرة "الأرجوحة" التي توحي بالخفة واللعب، و"الحطام" الذي يمثل الثقل والدمار والنفايات الصناعية.
تعتمد يو جي في ممارستها الفنية على "الأبحاث الميدانية"، فهي تقضي وقتاً طويلاً في استكشاف مواقع البناء والمناطق الصناعية المهمشة في شنغهاي ونيويورك ولندن.
ترى يو جي أن هذه المخلفات وإن كانت مجرد نفايات فهي أيضاً "أرشيف مادي" للمدينة. فكل قطعة أسمنت تحمل بصمة زمنية لنمو حضري هائل أدى إلى تغيير معالم الأرض.
ويظهر في خلفية عملها سلسلة من اللوحات وهي عبارة عن "رسومات خطية" تجسد أشكالاً بشرية "واهنة" وغير مكتملة، مما يعزز رسالتها حول مدى هشاشة الكائن البشري أمام جبروت الكتل الخرسانية التي يبنيها بيديه.
العمل يدعو زوار البينالي للتساؤل عن "ماذا نترك وراءنا؟"، ونحن نتجه نحو المستقبل، ذلك لأن حطام الماضي يظل معلقاً فوق رؤوسنا كأضلاع واهنة تذكرنا بجذورنا المادية.
لا يجب أن نغفل حقيقة أن المكان أيضاً، حي جاكس، في الدرعية يحمل دلالة رمزية عميقة، إذ إنه كان منطقة مستودعات ومصانع قديمة، وإعادة تأهيله كمركز فني يعكس نفس فكرة "التحول" و"إعادة تدوير الذاكرة" التي تطرحها يو جي.
ويهدف بينالي الدرعية إلى خلق حوار بين الفنانين المحليين والعالميين حول قضايا الاستدامة والبيئة والتراث.
عمل "أضلاع واهنة" يترجم هذه الأهداف من خلال إظهار "الوجه الآخر" للنمو الحضري السريع.
ثمة عمل آخر في السياق نفسه، سياق "فن تجميع الأشياء"، وهو للفنان البورتوريكي دانيال ليند-راموس، الذي لقبته الصحافة العالمية بلقب "ساحر المواد المهملة" بسبب قدرته الاستثنائية على "إحياء" الأشياء التي يرميها الناس أو تتركها الطبيعة خلفها.
وعمل الساحر الذي جاء من أقاصي الأرض، عمل تركيبي ضخم يحمل اسم "كونغونتو" (Conjunto) (والتي تعني "المجموعة" أو "الجوقة" بالإسبانية)، وعمله ذروة فلسفة "فن التجميع" التي تدمج بين الذاكرة الفردية والتاريخ الجماعي للشعوب.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وينتصب عمل الفنان الذي ولد عام 1953 كشاهد بصري على صمود الثقافة. وهو تجسيد حي لتاريخ مجتمعه في مدينة "لويزا" الساحلية ببورتوريكو، إذ تتقاطع الجذور الأفريقية مع التأثيرات الاستعمارية والكاريبية.
يعتمد ليند-راموس في هذا العمل على فلسفة "صون الذاكرة من خلال الحطام، إذ استخدم الفنان أدوات زراعية بسيطة وأجزاء من قوارب صيد وأواني طبخ قديمة، وسعف نخيل جافاً ومعدات موسيقية مهملة.
كل قطعة في هذا العمل لا يراها حائكها الساحر بفنه مجرد "قطع خردة"، لكنها في نظره قطع "مهداة" أو "مستعادة" تحمل قصة إنسانية خلفها.
وتأخذ القطع شكل كائنات أسطورية أو حراس يرتدون أقنعة، في إشارة إلى المهرجانات التقليدية في موطنه، إذ يتحول "الشيء اليومي" إلى "رمز مقدس".
يبرز اللونان الأصفر والأحمر مع الألوان الترابية للخشب والخيش، مما يعكس حرارة الروح الكاريبية والارتباط بالأرض والزراعة، وهي ثيمات تتقاطع بصورة مدهشة مع بيئة الدرعية التاريخية.
تنبع قوة أعمال ليند-راموس من خلفيته كأستاذ جامعي وفنان قضى حياته في توثيق التاريخ الاجتماعي لمجتمعه، وهو بذلك يرفض "صمت" الجمادات، ويؤمن بأن الأشياء التي نستخدمها في حياتنا اليومية تنطوي على "روح" وتاريخ خاص بها.
لذا، فإن تجميعها في عمل فني هو محاولة لمنع التاريخ من الاندثار.
وفي الجوار غير بعيد يبرز عمل آخر للفنان ذاته القادم من ضفاف الكاريبي، وهو عمله الآخر ("أمبرلانسيا") الذي يربط بين كوارث البيئة والأوبئة (مثل كوفيد-19) وبين صمود المجتمعات المهمشة، مستخدماً اللون الأرجواني المرتبط بطقوس الجنازات لديهم.
وعلى رغم أن مواده من بورتوريكو، فإن رسالته في الدرعية تخاطب الجميع، وهي أن جذورنا تكمن في الأشياء البسيطة التي نصنعها بأيدينا، وأن "الحطام" يمكن أن يصبح "نصباً تذكارياً" إذا ما اعتُني به.
دانيال ليند-راموس فنان نال درجة الماجستير من جامعة نيويورك وحصل على زمالة "ماك آرثر" المرموقة.
يتحول عمل "كونغونتو" في فضاء الدرعية إلى جسر ثقافي، حيث يرى الزائر السعودي في الخشب والخيش وسعف النخل مفردات وأشياء مألوفة في تراثه، لكنها في "جاكس" تنطق بلهجة كاريبية، لتؤكد أن الإبداع الإنساني لغة عالمية واحدة مهما اختلفت الجغرافيا.
ثمة عمل آخر في سياق "فن التجميع"، وهو للفنانة الإماراتية عفراء الظاهري بعنوان "تناول الطعام على الطريقة الشرقية أم الغربية؟" ويبرز كأحد أكثر الأعمال إثارة للجدل البصري والفلسفي في بينالي الدرعية للفن المعاصر.
وللوهلة الأولى يبدو مجرد حجر أسمنتي وطاولة من الزجاج، لكنه في فلسفة الـ"عفراء" ليس كذلك، وليس مجرد أشياء مُلقاة على الأرض، لكنها "تشريح" فني للتحولات الاجتماعية التي عاشتها المنطقة العربية، وصراع الهوية المعلق بين تقاليد "الأرض" وحداثة "الأسمنت".
يعود تاريخ جذور هذا العمل إلى عام 2016، إذ بدأ من تجربة فنية دقيقة قامت بها الظاهري (مواليد أبوظبي 1988) في استوديو لنحت الزجاج. وتمثلت العملية الإبداعية في صب الزجاج المنصهر داخل أكواب شاي مكسورة، والنتيجة كانت أكواباً متماسكة على رغم تصدعها، في استعارة بليغة لهوية مجتمعاتنا التي تحاول الصمود والتلاحم على رغم التغيرات العاصفة التي طرأت عليها.
تعتمد الظاهري في فلسفتها على مفهوم "التراكم". فكل قطعة في العمل هي نتيجة لفعل سابق، وكل مادة تحمل ذاكرة معينة.
يرتكز العمل على طاولة من الأكريليك والزجاج، مثبتة بصورة غير مستقرة فوق قوالب أسمنتية (بلك).
وهذا الارتفاع يمثل في فلسفة الفنانة "الانفصال" عن الجلسة العربية التقليدية على الأرض والتحول نحو النمط الغربي، مما يخلق نوعاً من "الاضطراب الثقافي" في أبسط طقوسنا اليومية كالأكل وشرب الشاي.
يمثل الأسمنت الطفرة العمرانية والبنى التحتية المعاصرة التي غيرت وجه المدن، بينما يمثل الزجاج حال "السيولة" وعدم اليقين.
وتجميد هذه العناصر معاً يخلق مشهداً تصفه الفنانة بأنه "مشهد تخيلي لجلسة شاي معلقة"، إذ توقف الزمن فجأة ليتأمل الحاضرون في مآل هويتهم.
تؤكد الظاهري أن العمل هو "تراكم للإيماءات والقطع"، مما يعني أن رسالة الفن تكمن في "العملية الإبداعية" ذاتها وليس فقط في المنتج النهائي.
ويأتي عرض هذا العمل في بينالي الدرعية 2026 تحت عنوان "في الحل والترحال"، وهو سياق يعزز من قيمة العمل، فالتجهيز يعكس حال "الترحال الثقافي" الذي نعيشه بين الشرق والغرب.
التصميم الداخلي الذي أبدعه استوديو "فورمافانتاستا"، بألوانه السماوية الهادئة، جعل من عمل الظاهري يبدو وكأنه يطفو في فضاء من التساؤلات، مما يعمق تجربة الزائر في فهم التحولات البيئية والاجتماعية للمنطقة.
عبر "طاولة" و"أسمنت" و"أكواب مكسورة"، استطاعت عفراء الظاهري أن تحول تجربة شخصية في استوديو زجاج إلى قضية هوية جماعية.
في الختام، هذه الأشياء المتراكمة بصرياً ومادياً ربما أنها دعوة لإشباع فضولك بما هو أكثر من ذلك لزيارة الحي العتيق في المدينة العتيقة، الدرعية، موطن الدولة السعودية الأولى، التي جاءت من وحي القرون الثلاثة بعبق طينها ونخيلها، وقبل هذا ما خلفته سيوف ورماح فرسانها.