الدراسة تكشف جانباً جديداً من براعة الدلافين في التواصل، إذ تمتلك "صفيراً تعريفياً" يشبه الأسماء، وتستخدم نبرات أعلى مع صغارها، كذلك تنتج أنماط صفير مشتركة قد تحمل معاني تحذير أو دهشة. الأبحاث توضح أن لغة الدلافين أعقد بكثير مما كان يُعتقد.
يعود افتتان البشر بالدلافين القارورية الأنف إلى آلاف السنين، بل إلى زمن الأساطير اليونانية في أقل تقدير.
بيد أن البحث المنهجي في تواصل الدلافين لم يبدأ إلا في ستينيات القرن العشرين، حين شرع علماء مثل جون ليلي والزوجان ميلبا وديفيد كالدويل، في إجراء تجارب متعددة بغية فك رموز الأصوات التي تصدرها هذه الكائنات البحرية.
نجح الزوجان كالدويل في إيجاد طريقة لتسجيل أصوات دلافين معزولة عن أقرانها تحت الرعاية البشرية، واكتشفا أن كل دلفين يتواصل غالباً باستخدام صافرة فريدة خاصة به، وأطلقا عليها اسم "الصافرة التعريفية" signature whistle [نوع صفير مميز لكل دلفين].
ويعلم الباحثون اليوم أن هذا الصفير يفصح عن هويات أصحابها تماماً كما تفعل الأسماء لدى البشر. وتستخدمها الدلافين للبقاء على اتصال بعضها ببعض في موئلها حيث تتسبب المياه العكرة بمحدودية الرؤية، وكأنك تعلن: "أنا هنا!" حين يتعذر على الآخر رؤيتك.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقد شكل هذا الاكتشاف حجر الأساس في بحثي. فمنذ منتصف ثمانينيات القرن العشرين، أعكف على دراسة تواصل الدلافين في بيئتها الطبيعية، حين انضممت إلى أستاذي المشرف بيتر تايك لتوثيق الصفير التعريفي لدى الدلافين الطليقة للمرة الأولى. وتركز عمل فريقنا على مجتمع مستقر من الدلافين القارورية الأنف التي تعيش بحرية في المياه المحيطة بساراسوتا بولاية فلوريدا الأميركية، حيث أواصل عملي حتى اليوم.
وتضم هذه الدراسة التعاونية، التي يقودها راندال ويلز من "برنامج أبحاث دلافين ساراسوتا" التابع لـ"حديقة بروكفيلد للحيوانات" في شيكاغو، عدداً كبيراً من الباحثين من مؤسسات متنوعة، يدرسون جوانب مختلفة من بيولوجيا الدلافين وصحتها وبيئتها وسلوكها. وقد انطلق المشروع عام 1970، علماً أنه المشروع البحثي الأطول المستمر في العالم على مجموعة من الحيتانيات، حيتان ودلافين وخنازير بحر، في بيئتها الطبيعية.
يعرف الباحثون عمر وجنس وصلات القرابة من جهة الأم لمعظم الدلافين البالغ عددها نحو 170 دلفيناً في مجتمع دلافين ساراسوتا المستقر. ويوفر هذا الكم الكبير من المعلومات فرصة غير مسبوقة لدراسة التواصل لدى نوع من الحيتانيات في بيئتها الطبيعية.
وتخضع الدلافين في "مشروع ساراسوتا" دورياً لعمليات تقييم صحي موجزة تعتمد مبدأ الإمساك ثم الإطلاق، وخلالها يعاين الباحثون، وأنا منهم، كل دلفين على حدة لفترة قصيرة.
يعمد فريقنا إلى تثبيت مجسات صوتية مائية (هيدروفونات) مزودة بكؤوس شفط مباشرة على "البطيخة"، كما تسمى، الموجودة في مقدمة الرأس [أمام الجمجمة تماماً وتؤدي دوراً حيوياً في توجيه وتركيز الموجات الصوتية لإصدار الأصوات وتحديد الموقع بالصدى] لدى كل دلفين. ثم نسجل أصوات الدلافين بشكل متواصل طوال فترة الفحوص الصحية، مع تدوين ملاحظات دقيقة حول هوية الدلفين المسجل وتوقيت التسجيل وسلوكياته أو الأحداث المصاحبة في تلك اللحظة.
بهذه الطريقة، تمكنت أنا وزملائي من تأكيد أن الدلافين الطليقة، شأنها شأن نظيرتها التي تعيش في الأسر، تصدر أعداداً كبيرة من الصفير التعريفي الذي يميز كل فرد منها عند عزلها لفترة وجيزة عن أقرانها. ومن خلال عمليات الرصد والتسجيل لدلافين معروفة تسبح بحرية، تأكدنا أيضاً من إصدارها هذا الصفير نفسه في سياقات طبيعية مستقرة.
وقد جمعنا هذه التسجيلات وصنفناها ضمن "قاعدة بيانات صفير دلافين ساراسوتا"، التي تضم الآن قرابة ألف جلسة تسجيل لـ 324 دلفيناً، علماً أن أكثر من نصف الدلافين الموجودة في القاعدة قد جرى تسجيل أصواتها في أكثر من جلسة تسجيل.
ونحدد صافرة التعريف الخاصة بكل دلفين استناداً إلى مدى شيوعها أو انتشارها: ففي سياق الإمساك ثم الإطلاق، يمثل صفير التعريف نحو 85 في المئة من الأصوات التي تصدرها الدلافين. ويمكننا تمييز هذا الصفير بصرياً باستخدام مخططات توضح العلاقة بين التردد والزمن، والمعروفة باسم "المخططات الطيفية" (سبيكتروغرام).
أثبتت "قاعدة بيانات صفير دلافين ساراسوتا" أنها مصدر غني لفهم تواصل الدلافين. فعلى سبيل المثال، اكتشفنا أن بعض صغار الدلافين تطور صفيراً تعريفياً يشبه صفير أمهاتها، بينما لا يفعل كثير منهم ذلك، ما يثير تساؤلات حول العوامل التي تؤثر في نشوء هذا الصفير.
كذلك وجدنا أن صفير التعريف، بمجرد اكتمال تشكله، يظل مستقراً إلى حد كبير طوال حياة الحيوان، لا سيما لدى الإناث. وغالباً ما يشكل الذكور روابط ثنائية وثيقة مع ذكر بالغ آخر، وفي بعض الحالات يصبح صفيرهما أكثر تشابهاً مع مرور الوقت. ولكننا ما زلنا نسعى إلى معرفة متى ولماذا يحدث ذلك.
وتلجأ أمهات الدلافين إلى تعديل صفير التعريف الخاص بها عند التواصل مع صغارها عبر رفع التردد الأقصى، أي جعل نبرة الصوت أكثر حدة. وهذا يشبه لجوء مقدمي الرعاية من البشر إلى استخدام نبرة صوت حادة عند مخاطبة الأطفال، في ظاهرة تُعرف بـ"لغة الأمومة" أو "لغة مخاطبة الصغار".
وكما الحال لدى البشر، تبدأ الدلافين التواصل مع أقرانها عبر تقليد صافرة التعريف الخاصة بتلك الأقران، وهو ما نسميه "محاكاة صافرة التعريف". وتشبه هذه الطريقة استخدام اسم الشخص عند مناداته.
ويهتم فريقنا بدراسة ما إذا كانت الدلافين تقلد أيضاً صفير دلافين غائبة، بما قد يشير إلى أنها تتحدث عنها بطريقة ما. وقد لاحظنا دلائل على ذلك في تسجيلاتنا خلال التقييمات الصحية، التي توفر فرصة نادرة لتوثيق هذه الظاهرة بشكل مقنع. ومع ذلك، لا يزال أمامنا الكثير من العمل للتأكد من أن هذه التشابهات الصوتية ليست مجرد مصادفات.
ومن التطورات اللافتة الأخرى اكتشافنا أخيراً وجود أنماط صفير مشتركة، أي صفير تستخدمه دلافين عدة وليس صفير تعريفي. نطلق عليها اسم "صفير غير مميز".
لم أصدق ما سمعته حين اكتشفت للمرة الأولى نمطاً متكرراً من الصفير المشترك غير المميز أو التعريفي، تصدره دلافين عدة استجابة لأصوات نبثها عبر مكبر صوت تحت الماء. فقد كنا نعتقد سابقاً أن هذا الصفير غير المميز عشوائي إلى حد ما، ولكنني كنت أسمع حينها دلافين مختلفة تصدر نمطاً متماثلاً من الصفير.
وكان فريقنا قد استخدم هذه التسجيلات في الأساس لمحاولة تحديد ما إذا كانت الدلافين تعتمد "مؤشرات صوتية" للتعرف إلى بعضها بعضاً، على غرار قدرتنا على تمييز أصوات أشخاص نعرفهم. ومع أننا وجدنا أن الدلافين لا تستخدم هذه المؤشرات الصوتية، فإن اكتشاف أنماط الصفير المشترك غير المميز قادنا إلى مسار بحثي جديد بالكامل.
وحتى الآن، حددت في الأقل 20 نمطاً مختلفاً من الصفير المشترك غير المميز، ولا أزال أعكف على توسيع قائمة تصنيفنا لها. ونأمل في أن تساعدنا تقنيات الذكاء الاصطناعي في تصنيف هذه الأنماط مستقبلاً.
وبغية فهم كيفية عمل هذه الأنماط من الصفير المشترك غير المميز، نخوض مزيداً من تجارب البث الصوتي، مع تصوير استجابات الدلافين باستخدام طائرات الدرون. وقد وجدنا أن أحد هذه الأنماط يؤدي غالباً إلى تجنب تلك المسيرات، ما يشير إلى احتمال أن يكون إشارة تحذير. كذلك وجدنا أن نمطاً آخر من الصفير ربما يكون تعبيراً عن الدهشة، إذ شاهدنا الدلافين تصدره عند سماعها مؤثرات غير متوقعة.
حتى الآن، تشير الخلاصة الأساسية لتجاربنا إلى أن عملية تواصل الدلافين عملية معقدة، وأنه لا توجد استجابة واحدة ثابتة تنطبق على جميع أنواع الصفير غير المميز. وليس هذا أمراً مفاجئاً، إذ إن لهذه الحيوانات، شأنها شأننا، علاقات اجتماعية معقدة ومتشابكة تؤثر في كيفية استجابتها لمختلف أنواع الأصوات.
مثلاً، حين تسمع شخصاً ينادي اسمك، ربما تختلف استجابتك إذا كنت وسط مجموعة عما إذا كنت بمفردك، أو إذا كنت قد خضت لتوك مشادة مع شخص ما، أو حتى إذا كنت جائعاً وفي طريقك إلى تناول الطعام.
وما زال أمام فريقنا الكثير من العمل، لجمع بيانات من أكبر عدد ممكن من الدلافين وفي سياقات متنوعة، مثل اختلاف الأعمار والجنس وتركيبة المجموعات والأنشطة.
لذا أجد عملي أكثر صعوبة، إنما أيضاً أكثر إثارة وتشويقاً. وأشعر بالامتنان كل يوم لأنني أستطيع تكريس وقتي لدراسة هذا العدد الهائل، غير المتناهي، من الأسئلة البحثية الشيقة حول تواصل الدلافين، والتي لا تزال تنتظر إجابات.
لايلا صايغ هي اختصاصية أبحاث أولى في مجال تواصل الحيتانيات في "معهد وودز هول لعلوم المحيطات".
صدر هذا المقال أساساً في مجلة "ذا كونفرسيشن" The Conversation وأعيد نشره بموجب رخصة المشاع الإبداعي. يمكنك الاطلاع على المقال الأصلي هنا.