سهير زكي... راقصة في بلاط السياسة

المصدر : INDEPENDENT | الجمعة , 08 أيار | : 98

ودّعت الجماهير العربية الفنانة الاستعراضية المصرية سهير زكي التي فارقت الحياة بعد اختفاء طويل عن الساحة، إذ اعتزلت في أوج عطائها الفني، وشكّلت مسيرتها منعطفات ترصد علاقة الفن بالسياسة بالتغييرات المجتمعية، إذ لقبت براقصة الملوك والزعماء وحظيت بمكانة كبيرة جعلتها تغير نظرة العامة لهذا الفن

يشكل اسم سهير زكي علامة فارقة في تاريخ الرقص الشرقي بمصر، إذ تتقاطع مع سيرتها مواقف ومحطات سياسية وثقافية ومجتمعية، الفنانة التي توفيت في الـ81 من عمرها، بعد نحو خمسة أشهر من تدهور حالتها الصحية إثر متاعب تنفسية وأخرى متعلقة بالشيخوخة، لم تكن حالة عابرة في هذا المجال، وعلى رغم أنها اختارت الابتعاد عن الوسط بصورة عامة منذ نحو 35 عاماً، فإن اسمها ظل يحظى ببريق وهالة جاءت من ارتباط مشوارها بمفارقات وحكايات يحضر فيها مشاهير من كل أنحاء العالم، من أم كلثوم إلى ريتشارد نيكسون وإليزابيث تايلور والحبيب بورقيبة وشاه إيران الراحل محمد رضا بهلوي.

وعلى ما يبدو فإن النجمة الراحلة كانت حريصة للغاية في قرار ابتعادها عن الوسط الفني، لدرجة أن نبأ وفاتها جرى تداوله بين أقاربها ساعات عدة، فيما لم تكن المؤسسات الفنية الرسمية بمصر أو أي من النجوم على علم بما يجري، إذ كشفت الأسرة في تدوينات عدة توقيت الوفاة وموعد صلاة الجنازة، مكتفين بوداعها بكلمات مؤثرة تتحدث عن صفاتها الطيبة كأم وجدة وصديقة، بعدما لحقت أخيراً بزوجها المصور محمد عمارة الذي فارق الحياة قبل نحو أربعة أعوام.

لكن الحقيقة أن الجمهور تكفل باسترجاع أرشيف سهير زكي الحافل، كفنانة استعراضية مثلت رقماً صعباً في هذا الفن، وباتت معياراً للتقييم مثالاً ونموذجاً، فيما هي ظلت خارج دائرة المقارنة، فبصمتها قسمت المجال إلى نصفين أحدهما ما قبل ظهور سهير زكي والثاني بعد ظهورها.

إرث زكي على الشاشة ووراءها يشير إلى أنها كانت تطمح من خلال عملها بالرقص الشرقي أن تؤسس مدرسة فنية خاصة بها، إذ كان المدخل لهذه المهنة هو عشقها الموسيقى، فقد أشاد محمد عبدالوهاب وبليغ حمدي وأم كلثوم بأذنها الموسيقية وقدراتها الملحوظة على الانسجام مع النغمات بشكل راقٍ، وحرصت سهير زكي أيضاً على أن توثق لمحات من مشوارها من خلال السينما والتلفزيون كوسيلة مضمونة للحضور في وجدان الجمهور العريض من المحيط إلى الخليج، إذ بدأت ظهورها على الشاشة الساحرة عام 1963 في الفيلم الشهير "عائلة زيزي" بطولة سعاد حسني وأحمد رمزي وفؤاد المهندس وإخراج فطين عبدالوهاب.

إذاً هي منذ اللقطة الأولى تشاركت الكادر مع أسماء كبيرة ملء السمع والبصر، وإن كان ظهورها روتينياً بشكل عام، ويقتصر على مشاهد الرقص فإنها مشاهد لم تمر مرور الكرام، وفي حين صنعت الفنانة تحية كاريوكا مجداً تمثيلياً لا يضاهى على رغم كونها دخلت المجال من الأساس راقصة، فإن سهير زكي حققت تفردها باستمراريتها أعواماً طويلة كنجمة استعراض من طراز خاص والحرص على أن تشتبك مع الكبار دوماً.

ابنة مدينة المنصورة شمال مصر المولودة في الرابع من يناير (كانون الثاني) عام 1945، صاحبة الأصول الصعيدية التي انطلقت مسيرتها من الإسكندرية ثم القاهرة حيث تألقت في برنامج "أضواء المسرح"، وجابت عواصم العالم حتى موسكو التي قدمت فيها عروضاً بدعوة الجنرال السوفياتي أندريه غريتشكو، وحظيت بتكريمات وإشادات لم تكن تتوقعها، ولكن من خلال لقاءاتها التلفزيونية القليلة يتضح أنها تمتلك فكراً منظماً وخططاً غير تقليدية كانت تطمح من خلالها أن لا تصبح مجرد رقم في طابور راقصات الفن الشعبي، بل ارتبط لونها الاستعراضي بأناقة في الحركات وفي الملابس والأكسسوارات أيضاً التي كانت تشرف على تصميمها وتصنيعها بنفسها.

أبرز معالم شخصيتها يظهر جلياً في قصتها مع الرقص على ألحان أغنيات أم كلثوم، إذ بدأتها في منتصف الستينيات بوصلة ذاع صيتها في الأوساط الفنية والثقافية لتعرف بأنها أول راقصة تقدم على الاقتراب من موسيقى أغنيات كوكب الشرق، تحديداً نغمات "إنت عمري" ذات الطابع الدرامي الحاد التي لحنها موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب، مشيرة إلى أنها كانت ترغب في أن يبتعد اللون الذي تقدمه عن المسار الشائع الذي يربط الرقص الشرقي بالأغنيات الشعبية أو الموسيقى الهابطة، فلم يجرؤ أحد غيرها حينها على تقديم استعراضات من هذا النوع على أغنية كلاسيكية، ناهيك بأن تكون صاحبة الأغنية أم كلثوم المعروفة عنها اعتدادها الشديد بأعمالها وشخصيتها القوية التي تصل إلى حد السطوة.

مما يكتمل بإرسال كوكب الشرق مجموعة من أصدقائها مثل بليغ حمدي ومحمد عبدالوهاب إلى النادي الذي تؤدي فيه سهير زكي وصلتها يومياً لمشاهدة هذا العرض الذي أصبح حديث الساعة، وعلى رغم تأكيدات المعارف لثومة أن الفقرة شديدة الرقي وتنم عن حس فني عالٍ، فإنها لم تقتنع لتنظم هي حفلاً خاصاً، وتدعو فيه سهير زكي للرقص من دون أن تكشف عن هويتها كصاحبة الدعوة، ومن هنا نشأت علاقة مودة حين اعترفت لها أم كلثوم بموهبتها غير العادية، وفيما بعد تطور الأمر لصداقة ومزاح، فالتقتها أم كلثوم وطلبت منها وهي تضحك أن تحصل هي الأخرى على حق أداء علني نظراً إلى أن أغنياتها سبب في تحقيقها شهرة وانتشاراً.

اللافت هنا أن اللقاء كان في منزل الرئيس الراحل جمال عبدالناصر الذي اختارها لتحيي حفلات زفاف ابنته منى في القصر الرئاسي، بل إن فقرتها في الحفل عرضت ضمن نشرات الأخبار في التلفزيون، لتكون سابقة تصبح أحاديث الناس، ولتؤكد عمق علاقة فنانة اللوحات الاستعراضية الأيقونية بصفوة المجتمع.

أن تقنع سهير زكي شخصاً عنيداً وشامخاً مثل أم كلثوم بفكرتها هذا أمر غير هين، لكنه ليس الشيء الوحيد في مسيرة الفنانة التي لقبت براقصة الملوك والأمراء، التي كانت بمقاييس هذا العصر لديها طريقة في الترويج لنفسها تشبه ما تفعله وكالات إدارة الأعمال المتخصصة هذه الأيام، ففي نهاية سبعينيات القرن الماضي أيضاً حرصت على أن تلتقي بالنجمة العالمية إليزابيث تايلور التي كانت في مصر لحضور وقائع الدورة الرابعة لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، وعلى رغم عدم وجود أي صلات تجمعهما، فإن سهير زكي كانت تأمل في أن يسهم لقاؤها الذي تضمن منحها لصاحبة دور كليوباترا هدية تعبر عن التراث المصري، في أن تكون حديث الصحافة والإعلام حينها وهو ما حدث، مشددة على أنها بأمور بسيطة للغاية تمكنت من أن تخطف الأنظار.

المفارقة أنه في ما يتعلق بالتمثيل بدت سهير زكي مستسلمة تماماً لنوعية أدوار لا تضيف إليها كثيراً، على رغم تجاوز عدد ما قدمته في هذا الصدد الـ70 عملاً، من بينها أفلام شهيرة ذات طابع اجتماعي خفيف مثل "حديث المدينة، وحكاية جواز، والمجانين الثلاثة، وألو أنا القطة، وبالوالدين إحساناً"، لكن على الجانب الآخر كانت شديدة الإخلاص لرسم هوية خاصة لها كفنانة استعراض، فمشاهدو التلفزيون الرسمي في سبعينيات وربما ثمانينيات القرن الماضي يتذكرون جيداً كيف أن سهير زكي تقريباً الراقصة الوحيدة التي كانت تخصص لها فقرات مطولة، وكانت عادة على ألحان كبار الموسيقيين في العالم العربي.

لكن الأمر أيضاً مرتبط بحكايات متداولة شعبياً عن أنها ربما كانت إحدى أدوات خطة السادات للخداع الاستراتيجي قبيل نصر أكتوبر، حين كان التلفزيون الرسمي يكثف من عروض رقصاتها لإيهام العدو الإسرائيلي وقتها بأن البلاد لا تستعد للحرب، وأن الأجواء ترفيهية تماماً، وبعيداً من مدى دقة المعلومة بحذافيرها، فإن سهير زكي اسمها يحضر برواية أخرى مؤكدة وهي أنها الراقصة الوحيدة التي اختيرت ضمن فقرات الحفل الفني الذي صاحب زيارة الرئيس الأميركي الراحل ريتشارد نيكسون وزوجته إلى مصر عام 1974، حيث دعاهما الرئيس الراحل محمد أنور السادات احتفالاً بانتصارات السادس من أكتوبر واسترداد شبه جزيرة سيناء، بل تجاوزت وصلتها الوقت المحدد بنحو 10 دقائق كاملة، إذ أعجب الرئيس الأميركي الراحل بأدائها، وبدا مبتهجاً بأصوات الزغاريد التي صاحبت الموسيقى.

سهير زكي صاحبة الشهرة الواسعة عربياً تعرف بأنها أشهر راقصة في مصر، فعلى رغم وجود عشرات الراقصات الشرقيات البارزات، فإنها حققت شعبية على أكثر من مستوى وارتبطت مسيرتها بصناع القرار من العيار الثقيل، كما أنها تتمتع بمحبة كبيرة لدى الجماهير، نظراً إلى أنها لم تكن تشبه إلا نفسها، إذ تعتبر من قليلات غيرن وجهة نظر العامة في فن الاستعراض، لا سيما الرقص الشرقي، كما أنها كانت من قليلات في تلك الفترة اللاتي اعتزلن الفن بعيداً من أي ضغوط متعلقة بتوجهات وأجندات معينة، لا سيما تلك المتعلقة بالدين، إذ كانت ترغب في أن تحافظ على صورتها رافضة الأفكار التي عادت للانتشار والتي توصم الراقصات أخلاقياً، ففضلت التفرغ لأسرتها ولابنها الوحيد، وذلك على رغم الإشاعات القوية التي أشارت إلى أن سهير زكي اعتزلت الرقص لأسباب دينية، وأنها كانت ضمن قافلة الفنانات المحجبات اللاتي نادين بحرمانية الفن، إلا أن المقربين منها ينفون هذا الأمر تماماً، إذ على العكس كانت غاضبة من الوصمة السلبية التي باتت تحيط براقصات العصر الحديث، كما أنها ظهرت في لقاءات نادرة بعد أعوام طويلة من غيابها الفني بمنظرها المعتاد.

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الحقيقة أن سهير زكي التفتت مبكراً إلى نبرة الاستهانة والوصم التي أصبحت تلاحق الفنانات الاستعراضيات، التي تفشت في المجتمع المصري، بعدما تعالت الأصوات التي تستبيحهن وتسيء بصورة عامة للعاملات في هذا المجال لمجرد المهنة لا أكثر، فانتشار تلك الثقافة ارتبط بصعود جماعات سياسية ذات شعارات دينية مما أثر مباشرة في نظرة قطاعات كبيرة للفنون بصورة عامة وليس نجمات فن الاستعراض وحدهن، وهو أمر مختلف تماماً مقارنة بالفترة التي تألقت فيها الراحلة.

لكن المفارقة الكبيرة أن التعليقات التي تتغنى ببهجة وتميز وفرادة سهير زكي كفنانة استعراضية ليس لها مثيل لم تتوقف منذ أن أعلن نبأ وفاتها ظهر أمس الثاني من مايو (أيار)، إذ لا تزال تتمتع بتلك الطلة الأيقونية في ذاكرة الجماهير. وهو أمر يليق تماماً بشخصيتها التي لا تشبه غيرها، والتي لا تحب الصخب إنما الحضور بثقة، فحتى خلال الأعوام الأخيرة التي عانت فيها تدهوراً تدرجياً في حالتها بسبب متاعب في الرئة لم ترغب في أن تشارك تلك التفاصيل مع الجماهير، بل إن الفنانة نجوى فؤاد ناشدتها علانية بأن تعود لتتصل بها كما كانت، لكن على ما يبدو أن حالتها كانت لا تسمح، فانسحبت تماماً في صمت حتى أسلمت الروح.