عمره 68 عاماً.. مسودة لتغيير قانون الجمعيات أحد أقدم القوانين السورية
تتجه سوريا نحو تغيير واحد من أقدم القوانين في البلاد والذي يتجاوز عمره 68 عاماً، حيث شارفت وزارة الشؤون الاجتماعية على الانتهاء من إعداد مسودة قانون المنظمات غير الحكومية لإرساله إلى مجلس الشعب لمناقشته.
أعلنت لجنة صياغة وتعديل قانون المنظمات غير الحكومية أنها اقتربت من إعداد مسودة القانون، وذلك بعد اجتماعات مكثفة وجلسات حوارية شارك فيها نحو 1000 خبير.
وقالت اللجنة إنها عملت على صياغة مقاربات وحلول لمعالجة نقاط الخلاف التي طُرحت خلال مراحل التشاور، تمهيداً لعرض المسودة الأولية على منظمات المجتمع المدني والوزارات المعنية لإثرائها ومراجعتها، قبل رفع الصيغة النهائية إلى مجلس الشعب لإقرارها.
وينظم عمل الجمعيات في سوريا القانون رقم 93 لعام 1958 والذي حوّل الإطار الناظم للعمل الأهلي من إطار لتنظيم المبادرات المدنية إلى أداة تحكم بها، عبر التدخل في مراحل التأسيس والإشهار، ثم في عمل الجمعية ونشاطها، وصولاً إلى إجراءات الوقف والحل والدمج والعقوبات.
اللجنة غيرت اسم القانون من قانون الجمعيات إلى قانون المنظمات غير الحكومية، إلا أن المهم ليس الاسم بل الفلسفة التي سيحملها. فالقانون المنتظر مطلوب منه نقل العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني من منطق الترخيص والوصاية إلى منطق الحق والتنظيم والشراكة.
قانون عبد الناصر يَحكم المجتمع المدني السوري مُنذ 64 عاماً
أعضاء في لجنة صياغة القانون الحالي سبق لهم أن شاركوا في إعداد دراسات سابقة قبل إسقاط نظام الأسد، بالإضافة لورش عمل نظمها المجتمع المدني أو رعتها الأمم المتحدة، وقد خلصت هذه الدراسات والورش إلى جملة من المطالب التي تحدد ملامح القانون المناسب.
وفي مقدمتها تبسيط إجراءات الترخيص واعتماد مبدأ الإخطار أو التسجيل المرن بدلاً من التعقيد الإداري، وتقليل ارتباط عملية الترخيص بأكثر من جهة حكومية، وإنشاء سجل وطني موحد للمنظمات، بما يسمح بتكوين بيئة قانونية مفهومة ومستقرة، لا تخضع لاجتهادات متغيرة من جهة إلى أخرى.
كما طالبوا أن يعترف القانون بتنوع أشكال العمل المدني، فلا يتعامل مع جميع الكيانات بالطريقة ذاتها. فالمبادرات والفرق التطوعية واللجان والمنظمات والمؤسسات لا تمتلك الحجم نفسه ولا الموارد نفسها ولا طبيعة العمل ذاتها، وبالتالي فإن إجراءات تسجيلها ورقابتها يجب أن تكون متناسبة مع حجمها ودورها.
ويشدد فاعلون بالمجتمع المدني السوري على ضرورة حماية استقلالية المنظمات في وضع أنظمتها الداخلية وتعديل أهدافها وتصنيفها وطبيعة عملها دون إجراءات معقدة، بما يمنحها القدرة على التطور والاستجابة لحاجات المجتمع. كما تدعو إلى منع التدخل الإداري في انتخاب مجالس الإدارة أو تعيين أعضاء فيها، لأن ذلك يمس جوهر استقلال المنظمة وحق أعضائها في اختيار ممثليهم.
ولا يكتمل أي قانون حديث للمنظمات غير الحكومية من دون حماية قضائية واضحة. فالدراسات والنتائج السابقة تقترح أن يكون القضاء هو المرجع في النزاعات بين المنظمة والجهة الإدارية، وفي النزاعات داخل المنظمة أو بينها وبين أطراف أخرى، وأن يكون للمنظمات حق الطعن بقرارات الإدارة أمام الجهات القضائية المختصة. كما تؤكد أن حل المنظمة أو وقف عملها يجب ألا يكون بقرار إداري منفرد، بل بقرار ذاتي من المنظمة أو بحكم قضائي.
قانون من أيام “عبد الناصر” يضع الجمعيات تحت سلطة الشؤون والجهات المختصة!
وتبرز قضية التمويل باعتبارها واحدة من النقاط المركزية في أي قانون جديد. فالقانون المنتظر يجب أن يضع قواعد شفافة للحصول على التمويل، من دون أن يحوّل التمويل المحلي أو الخارجي إلى باب للمنع أو التعطيل. واقترحت دراسات سابقة تسهيل شروط حصول مؤسسات المجتمع الأهلي على مصادر تمويل مستقلة، والسماح لها باستثمار مواردها في أنشطة تنموية، والتعاقد مع الوزارات والهيئات والمؤسسات لتنفيذ مشاريعها.
كما تدعو الرؤية الإصلاحية إلى توسيع دور المنظمات خارج الإطار الخيري أو الإنساني الضيق، بحيث يشمل بناء السلام، وصون حقوق الإنسان، ومناصرة الفئات المستضعفة، والمشاركة في تقييم الاحتياجات المجتمعية، وإعداد الدراسات والأبحاث والاستبيانات، والوصول إلى المعلومات والبيانات، والمساهمة في مناقشة القوانين والخطط التنموية ذات الصلة بالشأن العام.
قرار يقيّد عمل المجتمع المدني .. التواصل مع الخارج عبر مديرية التخطيط حصراً
رؤية المجتمع المدني السوري الغالبة كانت تدور حول أن تكون المنظمات جزءاً من لجان مناقشة القوانين والمراسيم والدستور التي تخص الشأن العام، وأن تشارك في رسم الخطط التنموية وتقييم القرارات التنفيذية ومتابعتها.
واقترح فاعلون مدنيون بينهم أعضاء في اللجنة الحالية تضمين القانون مواد تراعي العدالة الجندرية، سواء عبر ضمان مشاركة النساء في المناصب الإدارية داخل مجالس إدارة الجمعيات، أو عبر إدراج الحساسية الجندرية في أنشطة وبرامج المنظمات. وهي نقطة أساسية في سياق الحديث عن قانون يفترض أن يعكس تنوع المجتمع وحق مختلف فئاته في المشاركة.
وعليه، فإن مسودة القانون الجديدة لا يفترض أن تكتفي بمعالجة الخلافات الإجرائية التي ظهرت خلال الجلسات التشاورية، بل أن تؤسس لبيئة قانونية تضمن حرية العمل المدني واستقلاليته وشفافيته ومساءلته. فالمطلوب قانون يحدد علاقة واضحة بين الإدارة والمنظمات، ويمنع العبارات المطاطة التي تفتح الباب للتأويل، ويضع التعريفات والمصطلحات بدقة، ويجعل القضاء لا السلطات الحكومية المرجع النهائي في النزاعات والقيود والعقوبات.
الشؤون تقيد المجتمع المدني السوري: لا تمويل من دون موافقة