أصبح الذكاء الاصطناعي اليوم قادراً على أتمتة ما يقارب 57% من ساعات العمل الحالية بحسب تقديرات شركة "ماكنزي" لعام 2025، لكن القدرة على الأتمتة شيء والحكمة في توظيفها شيء آخر.
تشير تقديرات حديثة إلى أن ما يقارب 30 في المئة من ساعات العمل في الاقتصاد الأميركي قد تصبح قابلة للأتمتة بحلول عام 2030، وبحسب معهد "ماكنزي"، بحلول العام ذاته ستتبنى نحو 70 في المئة من الشركات ثورة الذكاء الاصطناعي وفي الأقل نوعاً واحداً من تقنياته.
وأصبح الذكاء الاصطناعي اليوم قادراً على أتمتة ما يقارب 57 في المئة من ساعات العمل الحالية بحسب تقديرات شركة "ماكنزي" لعام 2025، لكن القدرة على الأتمتة شيء والحكمة في توظيفها شيء آخر، فمفهوم الأتمتة باستخدام الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على مجرد استبدال الآلات بالعمال، بل هي إعادة هيكلة جذرية للطريقة التي ينجز بها العمل، وفهم الأعمال المرشحة للأتمتة يستدعي أولاً تحديد الخصائص المشتركة بين المهام القابلة للأتمتة، إذ لم يعد السؤال اليوم هل يمكن الأتمتة؟ بل ما الذي ينبغي أتمتته؟ ومتى؟ وما الذي يجب تركه للبشر؟
يجب أن نعلم بداية أن ليس كل ما يمكن أتمتته يجب أتمتته بصورة كاملة، وهنا تبرز أهمية الأتمتة الجزئية التي تهدف إلى تطبيق التكنولوجيا على أجزاء محددة من العمل، بينما تظل الخطوات الأخرى معتمدة على التدخل البشري، ويستخدم هذا النوع عندما لا يكون من الممكن أو العملي أتمتة العملية بأكملها، مما يسهم في تحسين الكفاءة في مهام معينة من دون تكبد كلف الأتمتة الشاملة، إذ تكون الأتمتة الجزئية أكثر كفاءة اقتصادياً عندما تكون الدقة المطلوبة متوسطة، على سبيل المثال تحليل المستندات القانونية باستخدام الذكاء الاصطناعي مع الاعتماد على المراجعة البشرية، كما يتفوق الذكاء الاصطناعي في المهام القائمة على اللغة والمعرفة مثل كتابة التقارير وتلخيص المعلومات، وعندما تكون السرعة عاملاً حاسماً مثل تحليل البيانات الضخمة واكتشاف الاحتيال، ويمكن اعتبارها خياراً مفضلاً عندما تكون الكلفة التشغيلية عالية أو العمل متكرراً ومملاً.
وبذلك تتلخص معايير اختيار المهمة المثالية للأتمتة بوجود قواعد محددة وقابلة للصياغة، أو حجم عال، وتكرار منتظم، أو بيانات رقمية أو نصية منظمة، أو عتبة خطأ متسامحة، أو غياب الحاجة إلى السياق الاجتماعي والعاطفي في المخرجات النهائية.
والسؤال ما الأعمال التي يعد تفويض الذكاء الاصطناعي للقيام بها هو الخيار الأفضل؟
تعد الأعمال المتكررة والروتينية القائمة على قواعد واضحة، التي تتبع خطوات محددة وقابلة للتكرار، المرشحة الأولى للأتمتة، وهي المهام التي تتسم بقواعد ثابتة وخوارزميات يمكن تمثيلها رياضياً مثل إدخال البيانات ومعالجتها وأعمال المحاسبة الروتينية وتصنيف البريد الإلكتروني والرد الآلي على الاستفسارات المتكررة وإعداد التقارير الدورية.
أما الأعمال العالية الحجم وهي مهام تتسم بالتكرار والكميات الكبيرة والحاجة إلى السرعة والدقة العالية، فعادة ما يتم معالجتها بفاعلية أكبر باستخدام الأتمتة والذكاء الاصطناعي بدلاً من التدخل البشري، إذ كلما زاد حجم العمليات ازدادت الجدوى الاقتصادية للأتمتة، فنحو 84 في المئة من المعاملات الحكومية المعقدة المتكررة يمكن أتمتتها.
وكذلك الأعمال المعتمدة على البيانات المنظمة مثل التحليل المالي القياسي والتنبؤ بالمبيعات والتقارير الدورية، والأعمال الفيزيائية المتوقعة مثل خطوط الإنتاج والعمليات اللوجيستية، وأخيراً المهام البحثية، فالذكاء الاصطناعي قادر اليوم على استيعاب آلاف الأوراق البحثية في ساعات واستخراج خلاصات منها، وهذا يحرر الباحث من مهمة البحث الطويلة ويفرغ وقته لمهام أخرى مثل التحليل النقدي.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في مارس (آذار) عام 2025 نشرت باحثتان في معهد "ماساتشوستس" للتكنولوجيا ورقة بحثية طورتا فيها نموذجاً يحدد القدرات الإنسانية الخمس الأساسية التي تعجز أنظمة الذكاء الاصطناعي عن تقليدها، وحددت الباحثتان خمس مجموعات من القدرات البشرية، ممثلة بالاختصار، المجموعة الأولى هي التعاطف والذكاء العاطفي، ففي حين قد يتمكن الذكاء الاصطناعي من رصد المشاعر، إلا أن البشر قادرون على بناء علاقة ذات معنى والمشاركة الفعالة مع الآخر، وهذا ما يظهر بوضوح في مهن مثل العمل الاجتماعي والتعليم وبناء الثقة يجسدها المتخصصون الاجتماعيون والمعالجون النفسيون.
والمجموعة الثانية هي الحضور والتواصل وبناء العلاقات، فللحضور المادي أهمية لا يستهان بها في بناء العلاقات وتعزيز الابتكار والتعاون مع الزملاء، بشكل خاص في مهام مثل التمريض والصحافة، أما المجموعة الثالثة فتضمن الرأي والحكم والأخلاق مثل مهنة المحاماة والصناعة العلمية، وتتصدر المجموعة الرابعة قدرات بشرية فريدة هي الإبداع والخيال والفكاهة والارتجال، وتصور الاحتمالات التي تتجاوز الواقع، والتي تعد ذات قيمة خاصة في مجال التصميم والعمل العلمي، والمجموعة الأخيرة هي الأمل والرؤية والقيادة، التي تحتاج إلى عزيمة ومثابرة ومبادرة تجسد الروح الإنسانية.
من هنا يمكننا تلخيص المهام التي يجب تجنب أتمتتها بالذكاء الاصطناعي وهي قرارات الفصل من العمل والاستغناء عن الموظفين، والإرشاد النفسي والصحة العقلية، وصياغة الأحكام القضائية والتفاوض في النزاعات ذات الأبعاد العاطفية والثقافية المعقدة، وقرارات الرعاية الصحية ذات البعد الأخلاقي، والإبداع الأصيل ذو المعنى الثقافي، والقيادة في الأزمات والقرارات الاستراتيجية ذات الغموض العالي.
وأخيراً تحدد الأسئلة الأربعة التالية، التي يمكن طرحها قبل أي قرار تفويض، إطار قرار التفويض للذكاء الاصطناعي، هل المهمة قابلة للوصف بقواعد دقيقة أو بيانات تدريبية كافية؟ وهل عواقب الخطأ يمكن تحملها في حال فشل الأتمتة؟ وهل حجم المهمة أو تكرارها يبرر الكلفة والوقت اللازمين للتطوير؟ وهل غياب السياق العاطفي والاجتماعي مقبول في هذه المهمة؟