“هل أنت جاد في ما تقوله”؟!!..

ربما، ولمرة نادرة، يتفق أغلب المحللين والمراقبين، باختلاف مواقعهم، على جملة ترامب التي قالها لأردوغان في معرض حديثهما عن الباتريوت: “هل أنت جاد في ما تقوله؟!”، لاستخدامها ضدهما معاً فيما تفوها به، بالأمس، حيال القضايا الإقليمية التي تفاقمت وتعقّدت بسبب الأوهام السلطانية لأحدهما والأطماع “الشايلوكية” للآخر.

والحال فإن المشهد المتفجّر والمتحرّك باضطراد والمترافق مع وضوح القضايا العالمية والإقليمية وكمّ الرياء الذي يتشدّق به الفاعلون بها، أساسيين وثانويين، هو ما يدفع لاستخدام هذه الجملة، فأردوغان الذي دفعته أوهامه بالصلاة فاتحاً في “الأموي” إلى فتح حدود بلاده لكل إرهابيي العالم لا يمكن الركون إلى جديته التي أبداها في مكافحة الإرهاب، ومن استخدم المهجّرين كورقة سياسية ومالية ضد سورية وأوروبا معاً، لا يمكن تصديقه وهو يتحدّث عن عودتهم لبلادهم دون اكتمال استفادته منهم، ومن يدفع بجنوده كل يوم لاحتلال أراض جديدة في سورية، لا يمكن الاطمئنان إلى موافقته بوتين وروحاني على محاربة التدخلات الأجنبية فيها، كما يجب النظر بحذر وريبة إلى “ودائعه” في اللجنة الدستورية العتيدة، خاصة وأن “مآثره” الدستورية، وويلاتها، مازالت ماثلة في الجسد السياسي التركي، وبالتالي لم يكن الرجل، الذي نادى بمشاكل صفر مع الجوار، وأوصلته أوهامه بالخلافة إلى علاقات صفر مع العالم كله، جاداً فيما قاله، بل مازال، كعادته، يشتري الوقت بعد أن ضاقت على رقبته أنشوطة الداخل من تراجع الاقتصاد وخسائر الانتخابات والنزيف المتواصل في الرفاق، علّه يجد في انتصار خارجي منفذاً منقذاً من مصيره المحتوم، متجاهلاً أن للحقائق الباردة سطوتها وجدارها الذي يصطدم به كل مكابر أو متجاهل.

وإذا كان هذا حال أردوغان، فإن “ترامب” ليس بأفضل منه، فالرجل ليس جدياً في التهديد بعقاب من يقف خلف عملية “أرامكو” المدوّية، لأن الدولة العظمى، كما عوّدتنا، لا تنتظر تحقيقاً – أين أقماره الاصطناعية لتحديد الفاعل – فيما المنفذون يعلنون عن أنفسهم بكل فخر باعتبار عمليتهم رداً مشروعاً على العدوان السعودي الأمريكي المتواصل على بلادهم منذ سنوات عدة، كما لا ينتظر موقف السعودية، وهي التي صرّح سابقاً أنها لن تبقى أسابيع لولا حمايته – أين “الباتريوت” وترسانة الأسلحة التي باعها لها – ليتكشّف ترامب، بهذين الانتظارين، عما هو فعلياً: تاجر لا يريد سوى بيع الأسلحة لمشايخ الخليج الثرية و”استهداف الضرع الحلوب حتى يجفّ”، والحكم من خلال الفوضى التي يحاول تعميمها في أنحاء العالم سعياً منه للمزيد من الابتزاز، للحلفاء والخصوم على حد سواء، وسياسي لا يجرؤ على الحرب الشاملة خوفاً من انعكاساتها على وضعه الداخلي في سنة انتخابية من جهة، ومقرّ ضمنياً، من جهة أخرى، بالحقائق الباردة الجديدة التي تفرض هنا أيضاً سطوتها وجدارها الذي كتب عليه ما قالته مراكز بحوث أمريكية هامة “بأن التغييرات الجارية في موازين القوى على صعيد عالمي، بفعل صعود “منافسَين تحريفيَين”، أي روسيا والصين، للولايات المتحدة، قد أدت الى تراجع نسبي في قدراتها الرادعة”.

وبالمحصلة، “العالم يتحوّل إلى ما هو أشد قتامة من المعتاد”، خاصة وأننا عالقون بين ساسة من طينة هؤلاء: تاجر يتحكّم، ليس وحده طبعاً، بقرار دولة عظمى تمارس مهامها بأسلوب البلطجة و”الحكم من خلال الفوضى”، و”حكام دون رؤية”، كما وصفهم الراحل محمد حسنين هيكل، يديرون بأوهام “السلطنة” و”الحزم” دولاً إقليمية هامة، وبالتالي لا يمكن أخذ ما يقولونه على محمل الجد، وإذا كانت السياسة ودهاليزها تتطلب “قمم” ولقاءات وبيانات ختامية، فإن “النافع” وما يبقى في الأرض الحقيقية لا يترسّخ إلا بما يقوله أصحاب الأرض من سوريين ويمنيين – لا ما يقوله سواهم – بلغة ما هو “أصدق إنباء من الكتب”، وإلا فالمستنقع ينتظر الجميع.. ويسعهم أيضاً.

بقلم: أحمد حسن

أعلن في شمرا