تتقلب مستويات الأسعار وعمليات التسعير مع كل صعود وهبوط في سعر الدولار، و10 آلاف ليرة اليوم قد تكفي لكيلو غنم و4 كيلو خضار، بينما غداً قد لا تكفي لشراء هذه البضائع، تتبخر قيمة الليرة مع ارتفاع الأسعار، ويهدد هذا وظيفتها كنقد ويطرح جدياً إزاحتها واستبدالها من التعاملات نحو الدولرة، وهو ما قطعنا أشواطاً به... فما هي وظيفة النقد، وأين الليرة من هذه الوظائف اليوم؟

ما الدور الذي تلعبه الليرة اليوم؟ وهل تستطيع الحفاظ عليه؟

للنقد وظائف أساسية: أولها وأهمها أنه مقياس للقيم، ووسيلة للتداول، ويشتق منها أيضاً أنه أداة للاكتناز، ووسيلة للدفع، إضافة إلى دور النقد العالمي. والوظائف الأربع الأولى هي ما تهمنا هنا، وتحديداً الوظيفة الأولى.

النقد هو مقياس القيم، أي إنه أداة التسعير وهي وظيفته الأساسية التي يقوم من خلالها بكل الوظائف الأخرى، فهو المعبّر عن قيمة السلعة التي تقاس بنهاية المطاف بالوقت الضروري لإنجازها. فلكي تنزل سلعة إلى السوق ينبغي أن تسعّر، أي أن يعبّر عن قيمتها بعامل مشترك مع السلع الأخرى حتى يمكن مداولتها بيعاً وشراءً.
من الصعب اليوم في السوق السورية تسعير كل شيء بالليرة، لأنك إن وضعت للبضاعة سعراً وليكن كنزة بـ 10 آلاف ليرة، فإن الليرة بقيمتها غير المستقرة لن تستطيع أن تعبر فعلياً عن كلفة إعادة تجديد إنتاج هذه البضاعة، وقد لا تكون الـ 10 آلاف التي تحصّلها كمُنتج لهذه البضاعة قادرة على إعادة إنتاج الكنزة ذاتها وتحقيق الربح منها، فمكوناتها البضاعية سترتفع أسعارها: قد ترتفع تكاليف الطاقة، أو أسعار المكنة واهتلاكها، أو المادة الأولية من خيط مستورد أو صباغ أو غيرها... لذلك يميل المنتج (ليريح رأسه وجيوبه) ويقول: (كلفتها 8 دولارات وربحي دولاران) ويغير سعر الكنزة بالليرة حسب تغير سعر الليرة مقابل الدولار.
فجزء كبير من كلفه لا تتحدد بالليرة بل بالدولار: أسعار الطاقة وأسعار المكنة وأسعار المادة الأولية بمجملها مستوردة. وكلَّما زاد وزن الاستيراد كلما تحول الدولار إلى المقياس الفعلي لقيم البضائع.
ولذلك نرى أن البضائع المستوردة مباشرة كالغذائيات من أرز وسكر وزيوت نباتية وغيرها تتغير أسعارها بالليرة وفقاً لسعر الدولار، ما يعني أنها عملياً مدولرة. وكذلك الكثير من المواد المنتجة محلياً، فتربية الدواجن ترتبط بالأعلاف المستوردة بنسبة تفوق 40% لذلك فإن الفروج والبيض مدولر بهذه النسبة تقريباً، والصناعات تختلف حسب وزن الاستيراد في تكاليفها، فالكهربائيات المجمعة محلياً على سبيل المثال مدولرة السعر، لأن كل مكوناتها مستوردة، أما صناعة الألبسة والمنسوجات فهي أيضاً تعتمد على تكاليف دولارية ومستوردة، ولكنها صناعة كثيفة العمالة، ولذلك فإنها أقل تقلباً وتعتمد على العامل السوري رخيص الأجر وبالليرة السورية، وبجزء كبير على صناعة الأقمشة محلياً، لذك فإن أسعار الألبسة المحلية أقل تقلباً من غيرها، وكذلك المنتجات الغذائية ذات المكونات المحلية وغيرها.

إذا ما كان الدولار هو مقياس لجزء كبير من القيم المتداولة محلَّياً، فإن هذا بذاته يجعل دور الليرة في التداول (البيع والشراء) أضعف، وهو ما يجري في القطاعات المدولرة بالكامل وتحديداً على مستوى مبيعات الجملة، فالإلكترونيات مثلاً تسعّر يومياً وفق تبدلات الدولار، ويتم التداول بالدولار في الكثير من الحالات بين كبار المستوردين والموزَّعين. أما التداول بالليرة فيبدو أن القانون يحميه، ولكن عملياً ما يحميه هو الكتلة الكبرى من المستهلكين أصحاب الأجور الذين يحصلون على دخولهم بالليرة ويستهلكون البضائع النهائية.

وأخيراً، وظيفتا النقد الأخيرتان: الاكتناز والدفع، وهي وظائف مرتبطة بقطاع الأعمال، فالاكتناز أو الادخار يتطلب وجود فوائض مالية، والدفع الآجل وظيفة أصبحت ترتبط بالإقراض والائتمان والاستثمار ومجمل أشكال الدفع الآجل والاسترداد التي يلبيها النقد.
وفي الحالة الأولى، أي الاكتناز فإن أحداً لن يدخّر فوائضه بالليرة مع التراجع في قيمتها، بل يتحول الدولار إلى وسيلة ادخار أساسية حتى لدى ما تبقى من شرائح متوسطة الدخل. والليرة أيضاً لم تعد وسيلة إقراض وائتمان، لأن أحداً لن يقرض بالليرة وبسعر فائدة 10-15% طالما أنَّ التضخم السنوي لا يزال يقارب 25% أي إنه سيخسر قيمة أمواله، وإن أقرض 100 فإنه سيستردها 110 ليرة ولكن قيمتها الفعلية ستكون 82 ليرة نهاية العام!
إن وظائف الليرة الفعلية مهدّدة، والعامل الأول الذي يهددها وزن الدولار نتيجة وزن الاستيراد في العمليات الاستهلاكية والإنتاجية. والذي يشكل نسبة تتعدى 30% من الناتج المحلي المقدّر في 2018، والمفارقة، أن هذه النسبة هامة وهي تفسر مسار تراجع قيمة الليرة واعتماد التسعير على الدولار، ولكنها ليست كبيرة للحد الذي يفسّر التدهور السريع في قيمة الليرة وعدم استقرارها كما في الأشهر الخمسة الأخيرة... ما يجعل العامل الحاسم في مراحل التدهور السريع: هو اعتماد شريحة النخب المالية على طلب الدولار لاكتنازه وتهريبه إلى الخارج الأمر الذي يزيد الطلب على الدولار. ويبدو أن الطلب على الدولار للاكتناز والتهريب هو نسبة مؤثرة ويضيف إلى تأثير نسبة الـ 30% للاستيراد ليرفع الدولار ويخفّض الليرة.

إن الدفاع عن الليرة يتطلب إبقاء وظائفها الأساسية، كمقياس لأكبر قدر من القيم المنتجة والمتداولة محلياً، وكأداة دفع واستثمار، وحينها تبقى أداة تداول أساسية حتى دون حماية القانون، ولهذا ثلاثة محاور مرتبطة ببعضها البعض:
أن يتم تقليص نسبة الاستيراد 30% كوزن من إنتاج البضائع المحلية، بأن يتم توطين الكثير من التكاليف، وهذا يتطلب بدائل صناعية وزراعية فعلية للمستوردات الكبرى وتثبيت أسعار الطاقة عند كلف منخفضة وعدم تقلُّبها مع تقلب الأسعار العالمية والدولار.
أن تتم زيادة نسبة الليرة من الناتج المحلي عن 70%، وذلك بتوسيع الاستثمار بالليرة، الأمر الذي يتطلب جهة مقرضة أو مستثمرة مستعدة لتحمل هامش خسائر محتمل مقابل توسيع المرابح الاقتصادية والاجتماعية الأوسع المضمونة لاحقاً، وهذا لا يمكن أن يتم إلا بالمال العام، عبر استخدامه في الاستثمار الإنتاجي.
أن تتغير العلاقة بين الليرة والدولار، وهذا يعتمد على زيادة الطلب على الليرة عبر الاستثمار والإنتاج المحلي بها، وتقليص الطلب على الدولار عبر تقليص الاستيراد وتهريب الأموال... كما أنه يرتبط بتنويع عملات التداول الخارجي وإزاحة الدولار نهائياً، عبر استيراد الضروريات بالعملة الصينية أو الروسية أو عملات الدول القابلة لتجاوز العقوبات باتفاقيات وعقود رسمية لآجال متوسطة.

عشتار محمود

أعلن في شمرا