ما أقسى يد الأقدار حين تصفع أهلَ أرضٍ فيدورون حول أنفسهم سبع سنينٍ، كطيرٍ يرقص مذبوحاً من الألم على أنغام صرخات طفلٍ فقدَ أمَّه، أو طفلة نصفها خرج للحياة، ونصفها الآخر دُفن تحت الأنقاض، وهي تنادي على من ينقذ دميتها.

تلك الحرب لوت ذراع القلب ببكاء الأطفال والرجال، الرجال الذين لا يبكون إلا إن تعاظم الهمّ وفاق حمله قدرة الجبال، والأطفال الذين تبكي السماء لبكائهم إن تألموا.

ها قد جفّت ينابيع اللغة، وتمردت المعاجم قبل أن تتكرم علينا باسمٍ للصراع الدائر على أرضنا، أهو أزمةٌ إنسانية أو موت للضمائر، أو لعلها حربٌ في إحدى شاشات السينما حتى جلس مشاهدوها في أصقاع الأرض مكتوفي الأيدي بانتظار أولي الأمر أن يأمروا بإسدال الستارة، وإنهاء مشاهد العذاب التي تداهم مخيلتنا حتى ولو أسدلنا الجفون.

هلّا سألنا أنفسنا: لماذا بات صوت صرخاتهم وصدى استغاثاتهم كنغمة منبهٍ نكره سماعه، وعند أول تنبّهٍ لأسماعنا نسكتهم؟

هل المشهد بات اعتيادياً لهذا الحد؟! أم أننا لا نريد أن نعكر صفوة صباحاتنا أو نقلق سكون أمسياتنا!

فنبتعد عن نشرات الأخبار.. نغضّ الطرف عن حوارات السياسيين البائتة وحلولهم المعقدة التي لا تناسب واقعنا ولا معطياته وأشبه بخطط خمسية لوطنٍ لا نعرف ملامحه أو ربما لم يُعمّر بعد.

نهرب إلى هواتفنا المحمولة، نتوه بين صور المطاعم الفاخرة وآخر صيحات الأزياء، وإن تسلّلت إلى عيوننا صيحة من وجوههم الناطقة بألف لعنةٍ وحرب، تتسابق الأصابع لتنزلق بها إلى وادٍ غير ذي قلب أو ضمير، بحجة أننا لم نعد نحتمل.

وهل يحقّ لنا أن نتكلم عن التحمّل والصبر وهم أهل المصاب وما نحن إلا مراقبون من أبراجنا الآمنة؟

لكن وإن خانتنا الأصابع ولم تُرجع المشهد خلف ستارة الضمير، فما هي تبعات مشهدٍ كهذا؟ دمعتان أو ثلاث من حجر العيون على صخر القلوب، ومن ثم يعود كل شيء كما كان، ويبقون هم على جمر أوجاعهم يتقلّبون، وكأننا أصبحنا نشبه تلك الحرب بقسوتنا وموت قلوبنا، ليتها قاصصتنا نحن وتركت الأطفال، ليت نيرانها التهمت حقدنا، تفرّقنا، جبننا، تخاذلنا، هروبنا، خوفنا، ألسنتنا، أسلحتنا، إلا الأطفال ليتها تركتهم لألعابهم، لدفاترهم، لمدارسهم.

فما هو الذنبُ الذي اقترفته الطفولة لتحصد نيران الحرب ابتسامتهم، هم الذين لم يرموا في تلك النار ولا حتى علبة حليبٍ فارغة أو قشرة حلوى من عيدٍ لم يزُرهم إلا ناقص فرح وكامل حسرة، قلوبهم أصغر بكثير من أن تحتمل لسعة أنملة، أصواتهم أحنّ بكثير إن غنوا للعصافير والأشجار بدلاً من أن يستغيثوا من لظاها.

لكنهم صرخوا بكل لغات العالم: "أعطونا الطفولة أعطونا السلام"، طلبوا برجاء المحروم حقهم المسلوب ناشدوا، أنشدوا، توسلوا، استغاثوا لكن ما من مجيب، وكأنهم يخاطبون أهل الأجداث، ولن تُسمعهم إلا صيحةً واحدةً من فم السماء.

يا ملائكة الله في الأرض، كم كنتم بحاجة إلى مدينة ألعابٍ عازلة أكثر من حاجتكم إلى منطقة عازلة ما زالت حبراً على ورق، تلعبون فيها ريثما تنتهي الدول من لعبتها على أرضكم!

ماذا أهديناكم غير دعائنا وضعفنا، ويا ليت العمر يُهدى لكنّا أهدينا نصف أعمارنا لمن يجعلكم تبتسمون، والنصف الآخر تصدّقنا به على فقراء الفرح منكم، فبئس النصر إن كنتم أنتم ثمنه.

كيف سوّلت لهم أنفسهم أن يصنعوا نصراً مزيّفاً من استشهادكم، ويحرروا مدناً من خطواتكم، وأنتم زهرها ونسيانها؟!

يا لَقسوتهم أمام براءتكم فلو سمحوا لضحكاتكم أن تُنثر على الأرض لجاء الربيع قبل الربيع، ولكن شاء الله أن تُغرّدوا في السماء، وتتركوا أرضاً ما استطاعت أن تهديكم سوى الموت، وأنتم أحباب الله، وسينتصر الله لأحبابه وينتقم ممن آذاكم، فالطفولة ورد، والورد لا يُؤذى، لكنّ أكثرهم لا يعلمون، أو ربما يعلمون، ولكن لا يشعرون وسيُجزون بما كانوا يفعلون.