مداخلات الحلقة النقاشية "تحسين سبل العيش في سورية – البدائل والاستراتيجيات"  ضمن فعالية رواق دمشق

عقد مركز دمشق للأبحاث والدراسات – مداد، يوم الأحد الموافق لـ 13 أيار/مايو 2018 في مقره، ورشة عمل حول "تحسين سبل العيش في سورية"، وهو عنوان العدد الثاني من سلسلة "قضايا التنمية البشريّة في سورية" الذي أعدَّه الدكتور مدين علي الأستاذ في كلية الاقتصاد في جامعة دمشق وعضو المجلس الاستشاري لمجلس الوزراء، بحضور جمع من الشخصيات الرسمية والأكاديمية المعنية بموضوع التنمية البشرية بعامّة، وبالجانب الاقتصاديّ منها بخاصّة، وهم السيدات والسادة:
الدكتور أكرم القش، الدكتور رسلان خضور، الدكتور عابد فضلية، الدكتور حازم قرفول، الدكتور زياد عربش، الدكتور كنان ياغي، الدكتور منير الحمش، الدكتور عامر خربوطلي، الدكتورة رشا سيروب، الدكتور جهاد ناقولا، المهندسة إيمان بزازة، المهندس محمود ببيلي، الأستاذة نغم الحناوي، وحضر من مداد كلٌّ من الدكتورة إنصاف حمد، الدكتور كريم أبو حلاوة، العميد تركي حسن، إضافة لكوادر المركز البحثية وبعض الإعلاميين.
أدار الحوار الأستاذ هامس زريق مدير عام مركز دمشق للأبحاث والدراسات، وافتتحه بالترحيب بالحضور والتعريف بسلسة "قضايا التنمية البشرية في سورية"، مؤكداً على أهمية مفهوم "تحسين سبل العيش" وضرورة التصدي لتحدياته ونقل مضامينه إلى حيز التنفيذ في المرحلة الراهنة، كما قدّم للدكتور مدين علي الذي عرض بدوره الدراسة التي أعدها والمنشورة على موقع المركز على الرابط: http://bit.ly/2wBkaHf
تَبِعَت العرض مجموعة من المداخلات والنقاشات المكثفة والعميقة من قبل السادة الحضور، وشهد الحوار توافقاً في وجهات النظر حول العديد من القضايا المرتبطة بتحسين سبل العيش، واختلافاً حول بعضها، إذ طرح الحضور الأفكار والآراء الآتية:
تتحدد ملامح الوضع الاقتصاديّ الاجتماعيّ في سورية اليوم في جملة من النقاط، أهمها: تزايد نسبة اقتصاد الظلّ؛ الندرة النسبية لعناصر كثيرة من مستلزمات العملية الإنتاجية؛ ارتفاع معدل التضخم؛ ارتفاع عدد من هم دون خط الفقر؛ موجات النزوح والهجرة؛ تراجع مستوى الأداء الاقتصادي؛ تراجع مستوى الشعور بالأمن والأمان؛ تراجع القدرة الشرائية... وغيرها.
تحسين سبل العيش مفهوم مركب، ولا يقتصر على الجانب الاقتصادي؛ بل يتخذ طابعاً مركباً وديناميكياً متغيراً يخضع لتأثير اللحظة التاريخية. فهو يختلف في وقت السلم عن وقت الحرب، إذ ينكمش في زمن الأزمات ليقتصر على تأمين الحد الأدنى للوجود البيولوجي للإنسان، ويبتعد عن مستوى مضمونه المعياري الحقوقي والمرتبط بالحريات. وتحسين سبل العيش يُعنى بتحسين أوضاع المجتمع السوري برمته.
نعيش اليوم في سورية مزيجاً من الحالات الثلاث لاقتصاد الأزمة (اقتصاد الحرب، اقتصاد حالتي اللاحرب واللاسلم، اقتصاد السلم)، ذلك بحسب المناطق.
سورية بلد زراعي، والمجتمع السوريّ بتكوينه التاريخيّ هو مجتمع زراعيّ، ويجب عدم تجاهل ذلك. وقد تعرّض قطاع الزراعة للكثير من التخريب، ما أثّر في إنتاجيته، لكنه بقي القطاع الوحيد الثابت في العملية الإنتاجية والداعم للاقتصاد السوري.
ضرورة تنشيط الزراعة وتشجيع الصّناعة الزراعية، وإعادة برمجة القطاع الزراعي ليصبح قطاعاً رابحاً، أي عدم التمسك بمحاصيل غير مجدية اقتصادياً (مالياً وبيئياً) واستبدالها بما تسمّى "المحاصيل النقدية" التي تزيد من ربحية الدولة والفلاح.
من الهام جداً تفعيلُ دور المراكز البحثية والجهات الفنية المتخصصة، ودعمها بالحوافز والمكافآت، وإعطاؤها مساحة حرية كافية لتكون أكثر جرأة وفعالية في تحديد أسباب المشكلة، ومن ثم تنفيذ الخطط والبرامج التي تضعها.
تعد المشاريع الصغيرة والمتناهية في الصغر المحرك الرئيس للنمو الاقتصادي في كثير من دول العالم التي عانت من الأزمات، كألمانيا مثلاً. ومن الضروري أن تكون القوانين والتشريعات داعمة وميسرة لوجود وعمل هكذا مشاريع، بدل أن تكون معرقلة.
إن وجود بيئة محوكمة وانتشار الشركات المساهمة أمور تزيد من الثقة بالاقتصاد الوطني، وتعد عامل جذب للاستثمارات الداخلية والخارجية. والشركات المساهمة تتفعّل عندما يتم إعطاء أسهم في الشركات العامة للعمال فيها، بحيث يحصلون على أرباح تزيد بدورها من الطلب الفعال. وهذا شكل من أشكال التشاركية الحقيقة ووسيلة لإصلاح القطاع العام.
يجب التصدي للقضايا الراهنة والمستقبلية في سورية من منظور تنموي يحافظ على التحليل الاجتماعيّ وعلى الجدوى الاقتصاديّة. فالتهديدات الاجتماعية تصبح بلحظة ما تهديدات أمنية (سياساتية وتنموية). والموضوع السكاني من أهم الأمثلة على ذلك، فهنالك مصادر تشير إلى أنَّ نسبة النمو السكاني في سورية بلغت نحو 3%، وهذه النسبة قادرة على استهلاك كلّ نموّ في القطاع الاقتصادي، وبالتالي تصبح السياسات السكانية حاجة وضرورة.
لا يمكن اختصار تحسين سبل العيش بموضوع رفع الرواتب والأجور، فهنالك الكثير من الأمور الأخرى الواجب معالجتها، مثل تحسين نوعية الخدمات (النقل والسكن) التي بات المواطن السوري ينفق عليها جزءاً كبيراً من دخله على حساب لقمته.
أهمية تمكين المرأة، تحديداً لدى الأسر التي باتت تعيلها النساء، ففي الدول التي عانت من أزمات مشابهة للأزمة السورية، كانت المرأة هي الرافعة الاقتصادية والاجتماعية في تلك البلدان. وتمكين المرأة ليس ترفاً بالنسبة للدولة؛ بل بات مصلحة محضة وفرصة حقيقية.
الاستمرار بدعم الأسر المهمّشة التي تقع تحت خط الفقر، إذ تراجع هذا الدعم رغم استمرار المعاناة.
يجب الوصول إلى استراتيجية للتنمية، فالوضع الذي يعيشه الاقتصاد السوري اليوم ليس منقطع الجذور، بل أسهمت السياسات الاقتصادية والاجتماعية المتبعة قبل الحرب وطوال مدّتها في الوصول إليه، ومنها ما زال مستمراً حتى الآن.
تحسين سبل العيش يتطلب حسم خياراتنا الاقتصادية وعلى رأسها موضوع "الهوية الاقتصادية لسورية"، والأزمة تخلق فرصة سانحة للإجابة عن هذا السؤال.
بلورة شكل واضح للاقتصاد أمر مفتاحي ويحل مشكلة القطاع الخاص الذي أسهم رغم كل ما عليه من ملاحظات في التخفيف من حدة الأزمة. فنحن بحاجة إلى قطاع خاص قوي ومتين وذي خبرة.
من غير المجدي اقتصادياً إعادة استيلاد النموذج الاقتصادي القديم الذي ليس لديه هوية، بداعي مواكبة حاجات المواطنين.
صمد المجتمع السوريّ اقتصاديّاً ونحن الآن في مرحلة انتقالية، لذا يجب مكافأة المواطن السوري، لأنه رغم قلة الأجور عمل بكفايةٍ وإنتاجية عالية.
يوجد اليوم في سورية نمط من الترف لا نجده في أكثر الدول المتقدمة غنى، إذ بات لدينا اليوم تفاوت مركب في الثروات والدخول، ينبغي على الدولة إيجاد حلٍّ له، وهذا لا يعني مصادرة الثروات، ففي فرنسا مثلاً فرضت بعد الحرب ضريبة 20% لمرة واحدة على الثروات التي تشكلت أثناء الحرب، والدولة السورية قادرة على إيجاد الحلول. ينبغي علينا فقط أن نختار كيف نريد أن نكون بعد الحرب مثل أوروبا أم مثل لبنان.
ضرورة توجيه برامج سبل العيش إلى الفئات الأكثر هشاشة وفقراً وتضرراً من الظروف الراهنة؛ بحسبان أن الأكثر تضرراً من الحرب هم ذوو الشهداء وجرحى الحرب وسكان المناطق المدمرة جزئياً أو كلياً، والمرأة التي أصبحت المعيل الرئيس للعديد من الأسر.
ختم الدكتور مدين عليّ الجلسة بالقول: "سورية القديمة لم تمت، وسورية الجديدة لم تولد"، ونحن نعيش الآن مرحلة انتقالية فيها الكثير من المتغيرات، وهنالك الكثير من المفاعيل والمفرزات ستظهر في المرحلة القادمة. القضية في سورية بنيوية والفالق شاقولي، وبالتالي نحن بحاجة إلى جهود جبارة وإلى مقاربات تنموية مختلفة واستراتيجيات شاملة ومتكاملة.
 

أعلن في شمرا