على الرغم من إخبار حرس الحدود البولندي أنه يريد تقديم طلب اللجوء في بولندا، أُعيد ثائر إلى منطقة الحدود البيلاروسية. بعدها، رماه الحرس البيلاروسي في ليتوانيا حيث ضرب بعنف وأعيد على الفور إلى جهة الحرس البيلاروسي.

معاناة المهاجرين كبيرة على الحدود البيلاروسية البولندية

معاناة المهاجرين كبيرة على الحدود البيلاروسية البولندية

الوضع الأمني والحضور العكسري في البلدات والمدن البولندية، لاسيما القريبة من الحدود مع بيلاروسيا، ملحوظ وذو وطأة تشتد يوما بعد يوم. رجال الشرطة يوقفون السيارات، يفتشونها ويتأكدون من هويات المارة، الجهاز الأمني متأهب وشاحنات الجيش تتجول في غالبية الطرقات. كانت الساعة نحو التاسعة مساءا لكنها بدت وكأنها بعد منتصف الليل في مدينة بياليستوك (شمال شرق بولندا). درجات الحرارة في انخفاض مستمر، توحي بكوارث قادمة باتجاه المهاجرين القابعين في غابات المناطق الحدودية الكثيفة.

إلى مركز إيواء مهاجرين، في المدينة الحدودية القريبة نحو 10 كيلومترا من الحدود مع بيلاروسيا، توجّه فريق مهاجر نيوز. دخل الفريق إلى المركز عبر ممر بداخل حديقه، جلس على طرفه اليميني مهاجرون، رحبوا بقدوم الفريق. وجه شخص في المركز الصحفيين إلى الباب الرئيسي، ثم إلى غرفة بيضاء تتوسطها طاولة، حولها جلس مهاجرون غالبيتهم من سوريا، وكان من بينهم شاب في نهاية العشرينات، لطيف المحيّا وباسم الوجه.

جلس ثائر (29 عاما) مقابل الفريق الصحفي وعلى يمينه صديقه بيتر، الذي كان يوافقه في كل ما يقول من دون أن ينطق. بدأ ثائر قصته بالحديث عن عنف حرس الحدود البيلاروسي ودفعهم المهاجرين إلى بولندا، وعن صد حرس الحدود البولندي للمهاجرين وعدم السماح لهم بطلب اللجوء.

هذا الموضوع أكده مهاجرون آخرون إضافة إلى جمعيات تساعد المهاجرين في بولندا مثل ”جمعية أوتسالينيه". فراس، ناشط في الجمعية قال إن هناك الكثير من المهاجرين الذين أخبروا حرس الحدود البولندي عن رغبتهم في طلب اللجوء ومع ذلك صدهم وأعادهم إلى منطقة الحدود البيلاروسية.

مهاجرون يلتفون حول نار موقدة للتدفئة على الحدود البيلاروسية البولندية

مهاجرون يلتفون حول نار موقدة للتدفئة على الحدود البيلاروسية البولندية

الحرس البولندي سيعيد المهاجرين وإن طلبوا اللجوء

حاول ثائر العبور إلى بولندا ثلاث مرات، بدفع وتنظيم من حرس الحدود البيلاروسي. في المرة الأولى تجاوز وثلاثة أصدقاء منطقة الحدود البولندية قاطعين نحو 22 كيلومترا. لكن قبل وصولهم إلى سيارة المهرب، قبض عليهم حرس الحدود البولندي وأعادهم إلى المنطقة الحدودية.

في عبوره الثاني قرر طلب اللجوء ”بعد أن قطعنا مسافة 8 كيلومترا، وقبض علينا حرس الحدود مرة ثانية، قلنا لهم إننا نريد طلب الحماية أو اللجوء". اصطحب حرس الحدود البولنديون المجموعة إلى مركز مغلق بالقرب من الحدود ”لكن في صباح اليوم التالي على ما أذكر، أو في مساء اليوم نفسه، أعادنا حرس الحدود إلىالجانب البيلاروسي".

لهذا قرر ثائر التصرف على نحو مختلف في العبور الثالث ”جمّعنا حرس الحدود البيلاروسي في مكان محدد، ثم نقلنا إلى نقطة كالعادة، وقص السياج الحدودي البولندي وقال اعبروا، كنت وأصدقائي من أوائل العابرين، ركض حرس الحدود البولندي خلفنا، لكننا هربنا منهم حتى وصلنا إلى مكان فيه أشجار كثيفة، كان عصيا على الحرس. أقمنا هناك حتى صباح اليوم التالي.كنت متعبا لذا تواصلت مع رقم أرسله لي صديق، هو رقم جمعية لم أكن أعرف اسمها طلبت منهم المجيء وأتوا".

بعد ساعتين من الرسالة أي نحو السادسة مساءا، جاء الصليب الأحمر إلى مكان ثائر، ثم تبعهم أعضاء الجمعية. سألوا ثائر ومجموعته إن أرادوا طلب الحماية فقال لهم نعم، ثم سألوه إن كان يسمح بدعوة وسائل إعلام إلى المكان كنوع من الضغط على حرس الحدود، فوافق.

للمزيد>>> في المنطقة الحدودية البولندية البيلاروسية.. لا معايير واضحة لمن تصدّهم السلطات (1/2)

الجمعيات الإنسانية والسكان يعملون تحت مظلة القانون

على عكس ثائر، لم ترد مهاجرتان التقى بهما فريق مهاجرنيوز في غابة ضمن قرية "سيمكوف Szymki" ( تبعد نحو خمسة كيلومترات من الحدود البولندية البيلاروسية) طلب اللجوء. كانوا أرسلوا بطلب الجمعية لمساعدتهم، كما فعل ثائر. ووفق آنا من جمعية ”أوتسالينيه" فإن أرقام الجمعية تدور عادة بين المهاجرين الذين يعبرون الحدود ويتيهون في الغابات.

بما أن المرأتان ومجموعتهما المؤلفة من 11 شخصا وبينهم أطفال لم ترد طلب اللجوء، اكتفى متطوعو الجمعية بإعطائهم الطعام والماء إذ لا يسعهم فعل المزيد.

الأسلاك الشوكية تحول دون مرور اللاجئين

الأسلاك الشوكية تحول دون مرور اللاجئين

فوفق آنا وفراس من جمعية "أوتسالينيه"، إن العاملين في الجمعيات ملزمون دائما بإخبار حرس الحدود إن قرروا نقل مهاجر إلى المستشفى أو طلبوا سيارة إسعاف لمهاجر، إضافة إلى إخبارهم في حال أراد مهاجر طلب اللجوء. وإلا يعدّهم القانون بمثابة مهربي بشر.

يساعد سكان محليون المهاجرين في الغابات، إلى جانب الجمعيات مثل "أوتسالينيه" و"غروبا غرانيتسا" والمركز البولندي للمساعدات الدولية ومجموعة الأطباء وغيرهم. هم يطوفون الغابات لترك أو توزيع حاجات أساسية على المهاجرين العابرين. كما يتولون تنظيف الغابات من بقايا يتركها المهاجرون.

شهد فريق مهاجر نيوز أغراضا وضعها أناس للمهاجرين في الغابة مثل زجاجات ماء وغيرها، ووفق مهاجر سوري تحدث إليه مهاجر نيوز، فإنهم كثيرا ما التقوا بسكان بولنديين قدموا لهم الطعام والشراب.

ألما* أم لثلاثة أطفال، تساعد المهاجرين في الغابات وتشعر دائما بالقلق. دعت فريق مهاجر نيوز إلى منزلها، مع أنها وعائلتها بدأت تتعرض لمضايقات بسبب ظهورها في وسائل الإعلام. بدت منهكة من العمل المستمر وحزينة في الوقت نفسه. اعتادت على الذهاب إلى الغابة منذ نهاية الصيف. تتوجه إلى هناك مع زوجها وأطفالها وآخرين مهتمين بهذا الموضوع.

”أنا في قلق دائم على المهاجرين، فالأوضاع صعبة في الغابات، رأينا منذ فترة شيخا كهلا كان وضعه صعب وثيابة مبللة ومجلدة، خفنا أن يموت، ساعدناه وأصبح حاله أفضل، لا يمكن أن نفعل أكثر من ذلك، لهذا أنا دائمة القلق". ذلك لأن القانون سيعاملهم وكأنهم مهربي بشر إن تجاوزوا حد المساعدة.

القوات البيلاروسية لا تعرف سوى كلمتين ”إذهبوا إلى بولندا"

عمد مهاجرون كثر إلى العبور مرات عدة باتجاه بولندا، وهم يعلمون أن لا فرصة لهم في البقاء هناك. لكن لم يكن لديهم حل آخر إذ إن العودة إلى مينسك محال، والحرس البيلاروسي يدفعهم على العبور باستمرار.

قبل وصول ثائر الأخير إلى بولندا، حاول العودة إلى ميسنك ”لم يكن الأمر متاحا على الإطلاق. لم يعرف الحرس البيلاروسي سوى كلمتين ‘اذهب إلى بولندا‘. كنا ضمن المنطقة الحدودية المحاطة بالسياجين البولندي والبيلاروسي مثل كرة، وسط دفع وصد. كنا خسرنا نقودنا ولم يعد لدينا أي شيء. احتجنا أن نذهب إلى مينسك لنهيّأ أنفسنا من جديد".

في تلك الأثناء، كان ثائر ومجموعة من 11 شخصا في المنطقة الحدودية البيلاروسية الليتوانية. إذ رماه الحرس البيلاروسي هناك، ورفض عند عودته رجوعه إلى مينسك. كان ثائر يراقب السياج البيلاروسي وهو عازم على العودة إلى مينسك.

تجمع مهاجرين أمام ممر حدودي بين بيلاروسيا وبولندا

تجمع مهاجرين أمام ممر حدودي بين بيلاروسيا وبولندا

”استطعنا العودة إلى ميسنك على نحو غير شرعي، رأيت بأم عيني مساحة بعد السياج البيلاروسي مفروشة رملا، يواظب على تمسيده أحد حراس الحدود. يعتقد البعض أنه وحل، لكنه في الحقيقة رمل موضوع لتقفي أثر المهاجرين إن عادوا".

اتبع ثائر ومن معه أسلوبا خاصا بهم، أولا، ضرب السياج واختبأ ليتأكد أن لا حساسات على السياج البيلاروسي تنذر دورية الحرس. ثم انتظر ثائر ورفاقه نحو ساعتين، لم يات فيها أحد من الحراس. عندها قفزوا فوق السياج بالجهة المعاكسة ”اتبعنا هذا الأسلوب لجعل آثار أقدامنا تبدو وكأننا تجاوزنا الحدود إلى الأمام وليس باتجاه الخلف".

ركضت المجموعة بعيدا من الحدود ثم اتصلوا بشخص أعادهم إلى مينسك. أقاموا هناك عشرة أيام ثم عادوا إلى المنطقة الحدودية. ما حصل مع ثائر يعد أمرا نادر الحدوث، إذ أكد غالبية من التقينا بهم بالإضافة إلى الجمعيات استحالة عودة المهاجرين إلى مينسك.

*ألما اسم مستعار

مهاجر نيوز

أعلن في شمرا