إعادة تدوير الإرهاب- بقلم: عبد الرحيم أحمد

لم نتفاجأ مطلقاً بالحملة الإعلامية الأخيرة لواشنطن لتلميع صورة الإرهابي أبو محمد الجولاني زعيم تنظيم “جبهة النصرة” المدرجة على قوائم الأمم المتحدة للتنظيمات الإرهابية.. فلماذا نتفاجأ وقد قامت واشنطن سابقاً بتوقيع ما أطلقت عليه اتفاقية “سلام” مع حركة طالبان المصنفة أمريكياً على لائحة الإرهاب بعد عقدين من حرب طاحنة على الشعب الأفغاني أزهقت أرواح مئات الآلاف من الأفغان؟.

أين هو تنظيم القاعدة اليوم؟ لا شك أنه يتجلبب على هيئة “داعش” و”النصرة” و”هيئة تحرير الشام” وستكون له أسماء جديدة في المستقبل حسب المصالح الأمريكية ومخططات واشنطن التي تعد المسؤول الأول عن نشوء التنظيمات الإرهابية في العالم وتغذيتها وتدريبها لمحاربة خصومها السياسيين أينما وجدوا، وعندما ينتهي دورهم يتم تغيير ملامحهم بأن يتم إدخالهم إلى غرفة المكياج لتغيير الشعر المستعار والاسم والمهمة.

لم يمنع تصنيف الولايات المتحدة حركة طالبان الأفغانية على قائمة الإرهاب وتصدرها قائمة المنظمات الإرهابية الأكثر خطورة في العالم في الإحصاء السنوي لوزارة الخارجية الأمريكية عام 2015 متغلبة على تنظيم “داعش” الإرهابي، لم يمنعها من أن تجلس على طاولة التفاوض وتوقيع اتفاق “سلام” مع الحركة العام الماضي وأن تصفه بالتاريخي.

لماذا توقع واشنطن اتفاقاً مع طالبان؟ هل تغير فكر الحركة وأيديولوجيتها أم أن المصالح الجديدة لواشنطن اقتضت أن ترتدي طالبان جلباباً جديداً لتوقيع اتفاقية “سلام” حشدت لها واشنطن ممثلين عن 30 دولة ومنظمة دولية بمن فيهم ممثلون عن الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي وبحضور وزير خارجيتها.

لقد اعترفت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون أن الولايات المتحدة هي من صنع تنظيم “داعش” الإرهابي لاستخدامه في العراق وسورية، ولم يتورع الرئيس دونالد ترامب خلال حملته الانتخابية الأولى من أن يقول صراحة إن الرئيس باراك أوباما هو مؤسس تنظيم “داعش” وإن هيلاري كلينتون شريكته في الأمر.

اليوم تعيد الولايات المتحدة عبر إعلامها تلميع وتدوير الإرهابي الجولاني زعيم “جبهة النصرة” التي بدلت اسمها إلى (هيئة تحرير الشام) وفق خطة ترعاها وتروج لها كل من واشنطن وأنقرة لإعادة تقديمه بحلة جديدة وباروكة وربطة عنق تمهيداً لاستخدامه في مهمات أخرى.

هذه الخطة لإعادة انتاج الجولاني ظهرت جلياً من خلال مقابلاته مع الإعلام الأمريكي في إدلب وحديثه بأن تنظيمه “لا يشكل أي خطر على الولايات المتحدة وأنه لا ينوي أبداً استهدافها أو استهداف أوروبا” وأن ما يقوم به “يعكس المصالح المشتركة للتنظيم مع الولايات المتحدة”.

ما صرح به الجولاني أكده جيمس جيفري الذي عمل سفيراً في عهد الإدارتين الجمهورية والديمقراطية ومبعوثاً أمريكياً خاصاً إلى سورية عندما قال إن تنظيم الجولاني يشكل رصيداً لاستراتيجية واشنطن في إدلب التي اعتبرها من أهم المناطق في سورية والشرق الأوسط بالنسبة للولايات المتحدة.

لا شك أن الجولاني الذي وضعته واشنطن على لائحة الإرهاب الدولي عام 2012 مجرد اسم وتنظيم من التنظيمات التي تستخدمها سواء في سورية أو في دول أخرى لتحقيق مصالحها وفرض أجنداتها السياسية، وهذه السياسة ليست بعيدة عما تقوم به واشنطن في قاعدة التنف التي تحتفظ فيها بخلايا من تنظيم “داعش” الإرهابي الذي تدعي محاربته.

ليس مهماً ما وثقته المنظمات الدولية والمحلية حول جرائم تنظيم (جبهة النصرة- هيئة تحرير الشام) بقيادة الجولاني بحق السوريين وراح ضحيتها عشرات المدنيين الأبرياء، ما يهم واشنطن أن تمتلك أدواتاً لتحقيق مصالحها عبر العالم سواء كانت هذه الأدوات حكومات أم تنظيمات إرهابية أم أجهزة استخباراتية، وعملية التدوير ستبقى مستمرة وبقوة خصوصاً بعدما اعتمدت الإدارة الأمريكية سياسة الوكلاء والأدوات بدل الانخراط المباشر عبر جيوشها.

أعلن في شمرا