د. عدنان سليمان

يذهب الكثير من المؤرّخين والمفكّرين إلى أنَّ مرحلة ما بعد الحرب تشكّل سياقاً تاريخياً وبنيوياً، يتيح للدولة التي تقع عليها هذه الحرب، وعبر امتلاك لحظة وعي تاريخيّ عقلاني، أن تعيد بناء الدولة (الاقتصاد والمجتمع...)، سواء أكان ذلك بالقطع مع تداعيات الحدث وتراكماته، أم بتصحيح الاختلالات الاقتصادية والمجتمعية، أم بإعادة رسم الدور الإقليميّ والجيوستراتيجي للدولة، وفقاً لتوازنات القوى والمصالح التي أنتجتها الحرب ذاتها.

من هنا، ترى هذه الورقة البحثية أنّ عملية إعادة بناء ما دمرته الحرب في سورية، من الأهمية والصعوبة والضرورة التاريخية بمكان، بسبب ما يكتنف هذه العملية من تحديات داخلية وخارجية جمّة، ليس أقلّها تمويل عملية التنمية، واختيار نموذجها وفلسفتها، وتحديد طبيعة ونوعية التمويل الخارجي، والشركاء الإقليميين والدوليين، وتعقيدات المصالح التي تستهدفها أيّة عملية تمويل، وصولاً إلى قدرة الدولة السورية على التمسك باختياراتها التنموية وهويتها الاقتصاديّة وسيادتها واستقلالها الاقتصادي... كلّ ذلك يفتح معركة أخرى لإعادة بناء وتنمية سورية، فيها من التعقيدات والصعوبات، بما يمكن أن تولده وتنتجه من التحديات والمنعكسات السياسية الاقتصادية...، ليضع الدولة أمام ضرورات القبض على لحظة الوعي التاريخي، والعقلانية الاقتصادية، بغية الخروج الفاعل والآمن من تداعيات الحرب إلى إعادة البناء والتنمية.

ما الذي تثيره المفاهيم والمصطلحات الجاهزة أكثر من شهية الكسل واسترخاء العقل؟ فالمتداول بسخاء يكبت فعل الشكّ. هكذا يمرّ مصطلح "إعادة الإعمار" على مسامعنا يوميّاً عشرات المرات، كما لو استحق جدارة  البداهة، فتراه مترافقاً مع إعمار ما تهدم بعد الخراب والتدمير (أبنية، بنى تحتية، مدارس، طرقات، مياه، صحة، مؤسّسات)، وإعادة البنى التحتية كما لو أنّه البناء على القديم: بناء الأحياء والمدن، إذ قلّما يحتاج سياقاً هندسيّاً أو معماريّاً، صورة الحاضر الذي يبحث عن ماضيه، فتراه نكوصّياً وارتدادياً[1] لاستعادة ماضيه، ليغلب  البعد المادي على مساراته. إذن، هو هكذا ليس بريئاً، حين ينتمي إلى تلك المنظمات والمؤسّسات الدولية (صندوق النقد الدوليّ، والبنك الدوليّ، ومؤسسات الأمم المتحدة)، التي تبنته على الدوام.

لنستبدل مصطلح "إعادة الاعمار" بمصطلح "إعادة البناء"، ونحمّل المعنى بعداً وطنيّاً، كإنتاج مجمّعات تنموية، تأخذ الناس وأفراد المجتمع للتفاعل الإيجابيّ، في بناء نموذج حياة يحترم الناس، ويعيد إدماجهم في بيئة تنموية، ترتقي لدورة إنتاج تنموية كاملة.

حينها، لا يغدو المصطلح بريئاً، لأنه يحمل هوية غربية، مع عائلة كبيرة أخرى من المفاهيم والمصطلحات الملتبسة التي لا تنطبق على الحدث السوريّ ولا تشرحه، مثل: الصراع، النزاعات الدموية، ما بعد النزاعات، الحرب الأهلية والمحلية، أعمال العنف، صراعات طائفية... كل هذه المفاهيم الملغّمة هنا ليست بغير قصد، فهي تشتغل على النيل من هيبة الدولة وتذرير المجتمع وفدرلة الجغرافيا، لتفقد الدولة عزمها وسيادتها الاقتصادية، وتؤسّس لديمومة التوترات السياسية والحروب المستقبلية (ولنا في لبنان والعراق أُسْوةٌ!)، فهنا تصبح الدولة في حالة انعدام للرؤية أو للقدرة على  رسم مسارات تنموية أو اجتماعية، إذ إنّها مجرد أداة لتوزيع الحصص والمنافع والريع  وتوازن الإقطاعات السياسية. هنا تكتسي إعادة الإعمار المعاصر صداقة رأس المال، ذلك لبناء هوية حداثوية هي أقرب إلى ارتجال المدن التجارية الضخمة، ومصاهرة النخب المالية المستحدثة، عبر الولادات الشرسة للحرب وتداعياتها.

لنستبدل مصطلح "إعادة الاعمار" بمصطلح آخر هو "إعادة البناء"، ونحمّل المعنى بعداً وطنيّاً، كإنتاج مجمّعات تنموية تأخذ الناس وأفراد المجتمع للتفاعل الإيجابيّ، في بناء نموذج حياة يحترم الناس، ويعيد إدماجهم في بيئة تنموية، اقتصاديّاً واجتماعيّاً وثقافيّاً، ترتقي لدورة إنتاج تنموية كاملة؛ ذلك ببناء مدن وأحياء تنموية جديدة على أطراف المدن وفي الريف، متكاملة ذاتياً وإنتاجياً وخدماتياً، قادرة على إعادة إنتاج دورة الحياة الاقتصادية (بنى تحتية، مدارس، مؤسسات خدمية، مستشفيات، معامل، إسكان للعاملين وذوي الشهداء والجرحى والمعاقين...).

تشكّل عملية إعادة البناء سياقاً تاريخيّاً ومجتمعياً لإطلاق عملية تنمية، ليست كيفما اتفق، إنما تلك التي تستهدف التنمية المستدامة العادلة والشاملة، وتحفّز عوامل النموّ الذاتيّ والمجتمعيّ، وتكرّس سلطة القانون والقضاء ومحاربة الفساد. إنّها تنمية قادرة على إعادة صياغة وتنظيم البناء المؤسّسي والمجتمعيّ وفقاً لأهداف تنمويّة، وتعزيز المسؤولية الأخلاقية والوطنية، وقادرة أيضاً على تلبية الاحتياجات القطاعية والإقليمية والمجتمعية، بناءً على قاعدة تجاوز الإخفاق أو الفشل التنمويّ وعوز الإنماء السابق. وإن لم تفعل ذلك، فلا تعدو أن تكون تنمية، تقع في تضليل أو انحياز النموّ الاقتصاديّ، لذلك يجب أن تكون تنمية اقتصادية واجتماعية، تقوم على قاعدة تحسين مستوى المعيشة ومستوى الحياة، وتلبية احتياجات المجتمع من الإنجاز التنموي والخدميّ (الصحة والتعليم والخدمات الضرورية)، والحدّ من تزايد الفقر وعدم المساواة والاستبعاد والتفاوت في توزيع الثروة. وبذلك تقدّم عملية إعادة البناء فرصة تاريخية للحكومة والمجتمع، لتصحيح كل الاختلالات التنموية، وتصويبها نحو المزيد من العدالة الاجتماعية.

أيّ تمويل؟ يطرح سؤال التمويل نفسه حينها، إنّه ليس بعدُ تمويلاً لعملية إعادة البناء بقدْر ما هو تمويلٌ لعملية التنمية ذاتِها، ولذلك ليس أيّ تمويل، بل القادر على بناء القدرات الفرديّة والمؤسساتيّة، وتحقيق الأمن والسلام والحيلولة دون الارتداد إلى حالة عدم الاستقرار، والذي يكرّس المزيد من العدالة الاجتماعيّة، ويوزّع عوائد التنمية بمساواة وإنصاف، ويرسِّخُ السيادة الوطنية واستقلال القرار السياسيّ والاقتصاديّ والتنمويّ.

هذا، وفي السياق العملانيّ والتاريخيّ، نصل إلى نتيجة مبكرة مفادها: لا يقدّم التمويل الأجنبي (تمويل المؤسّسات المالية الدولية، الصندوق والبنك الدوليان) القروض والمنح، وفقاً لمشروطية اقتصادية وسياسية[2]، تلك التي تنتج وتكرس فشلاً تنموياً بتوجيه التنمية نحو الخارج، أي نزيف الموارد والثروات نحو المزيد من التبعية للخارج، ولصالح النخب المالية المحلية الثرية. (تمثيلاً لا حصراً لبنان والعراق).

تقوم استراتيجية إعادة البناء على أربعة مرتكزات أساسيّة: استدامة الأمن، العدالة والمصالحة، الرفاه الاجتماعيّ والاقتصاديّ، والحوكمة والمشاركة (الإدارة الرشيدة للمؤسسات)، كما تقوم على قاعدة المصلحة الوطنية في تعزيز الرؤية الاستشرافية لإعادة البناء والتنمية – البناء النهضوي الوطنيّ – الإطار التنمويّ الاقتصاديّ والاجتماعيّ، أي إعادة بناء الانسان، وتعزيز منظومة وقيم الانتماء الوطنيّ، ثم الانتقال إلى البناء الاقتصادي.

وهذا يعني أن مفهوم إعادة إعمار المناطق المدمّرة ينبغي أن  يرتكز في المرحلة الأولى على[3]:

إنَّ كيفية توجيه الدعم الماليّ لأطراف عملية إعادة البناء تمثّل قضية وطنية بالنسبة لأيّ برنامج لإعادة البناء والتنمية.

إنَّ عملية إعادة البناء ليست مجرّد استراتيجية ورؤية (رغم أولوية ذلك)، بل هي سياسات وبرامج ومشروعات ستحتاج إلى برنامج تمويلي كبير لوضعها في سياق التنفيذ، بيد أنَّ الدول الخارجة من الحرب لا تتوافر لديها عادةً الأموال الكافية لتلك العملية، إذ لا يمكن تنفيذ سياسات إعادة البناء بوساطة الإيرادات المحليّة أو الاحتياطيات المالية الموجودة لدى تلك الدول فقط، لذلك، فإنَّ الدول ستكون مضطرة للاعتماد على الدعم والتمويل الخارجيين. وهنا المعضلة، لأنَّ الدعم الخارجي يطرح إشكالية كبيرة وتاريخية، ذلك أنّه دعم متداخل ومرتبط بشبكة مصالح معقدة ومتناقضة[4] على المستويين السياسيّ والاقتصاديّ، فقد يكون هذا الدعم مباشراً عن طريق المساعدات الثنائية،  أو دعم المنظمات غير الحكومية؛ أو استناداً إلى آليات التمويل المجمّعة، مثل: الصناديق التي تديرها الأمم المتحدة؛ والتمويل الموجّه إلى المنظمات غير الحكومية، أو المنظمات غير الحكومية الدولية، ويمكن أن يتم التمويل عبر الاستثمارات الخارجية وغيرها، الأمر الذي يُدخل عملية البناء في مغامرة تناقِض وتعارِض مصالح هذه الأطراف مجتمعة، والتي تتجلّى غالباً في:

عند المراجعة الدقيقة لسياق عملية إعادة البناء في جميع الدّول التي خرجت من الحروب المدمّرة، يصعب حينها العثور على تجربة نموذجية ناجحة لعملية إعادة البناء في أكثر من دولة، إذ تقدّم التجارب التاريخيّة لمعظم الدّول (ألمانيا واليابان والعراق ولبنان ودول أوروبا الشرقية) دروساً وتجارب مختلفة باختلاف خصائص ومدخلات ونتائج كلِّ تجربة لإعادة البناء، والدور الذي لعبته الدولة والمجتمع المحليّ والقطاع الخاص والشركات الدولية في كلِّ عملية إعادة بناء، إذ سيُلاحظ تعدّد الخيارات في إدارة هذه العملية، ويبقى أهمها:

الخيار الأول: إذا كانت الدولة (أيّة دولة) ستؤدي دوراً محورياً أو مركزياً وحدها –دون الفعاليات الأساسية في المجتمع من قطاع خاصّ ومجتمع أهليّ– في إعادة الإعمار، بحيث يُسند للبيروقراطية الحكومية وحدها موقعٌ أساسٌ لوضع الأهداف إدارياً ومهنياً، وصوغ الرؤية المعمارية، وصياغة أطر التمويل والتنفيذ، بإدارة القطاع العام، ليكون المخطط والممول والمنفذ، حيث ترصد الحكومة الاستثمارات العامة في الموازنة المالية السنوية، في محاولة لتطوير البنية المؤسساتية للدولة، وإعادة بناء ما تهدم، حينها، قد يكون هذا الخيار لإعادة البناء خياراً ليس جيداً، لا سيّما إذا كان ذلك التفرد البيروقراطي مشوباً بشهية الفساد، إذ سيأتي ذلك على حساب المشاركة الاجتماعية والاقتصادية الوطنية الجامعة، وعدم تمثيل القوى الاجتماعية والسلطات المحلية (الأقاليم والمحافظات والمدن)، لرسم الصورة المتوخّاة لما يُراد إعادة بنائه.

تهدف الدولة وفق الخيار الثاني اللازم للتنمية إلى تبني وجودها الفاعل في مجالات التخطيط وإعادة البناء، في سياق أكثر مرونة وأقل مركزية، عبر أطر ومؤسّسات عامة وخاصة وأهلية، تتمتع باستقلال ماليّ وإداري نسبيّ.

تسود تاريخيّاً رؤية مركزيّة لإعادة البناء يطغى فيها حضور الدولة في كلّ المراحل، من التخطيط إلى التنفيذ، بمعزل عن الجوانب الرمزية والجمالية والتاريخية، وغياب الانسجام العمراني بين المناطق، إذ تُوكل التنفيذ  للرأسمال الربحي الكبير، ذلك لاستغلال المواقع التجارية الكبيرة التي تحظى باهتمام المستثمرين والمطورين العقاريين، كل ذلك سيأتي على حساب إمكانية بناء محاور متجانسة تنموياً من جهة،  ومتكاملة تنظيمياً من جهة ثانية (ألا يشكّل الإعلام والإعلان عن ماروتا سيتي، وغراند تاون، والمخططات التنظيمية للمدن التي ستقام على أنقاض الحرب، مثالاً سيئاً جداً عن مفهوم إعادة البناء وانحيازه في غير صالح الذين طحنتهم الحرب أولاً؟).

الخيار الثاني: وهو ما نعتقد أنه لازم للبناء والتنمية، تهدفُ الدولةُ وفق هذا الخيار إلى تبني وجودها الفاعل  في مجالات التخطيط وإعادة البناء، إنّما في سياق أكثر مرونة وأقل مركزية من الخيار المركزي، عبر أطر ومؤسّسات عامة وخاصة وأهلية، تتمتع باستقلال ماليّ وإداري نسبيّ، حيث يؤسّس هذا النموذج الإداريّ لفلسفة التضامن والمشاركة، حين يمارس المجتمعُ المعني بعملية إعادة البناء دوراً محورياً في رسم الأطر العامة للتنمية وإعادة البناء، بحيث تتحقق المصلحة الوطنية؛ ذلك على أساس التركيز على تمثيل مصالح المواطنين من ملّاك وقاطنين ومهجّرين من مناطقهم ومنازلهم، بناءً على قاعدة التنسيق الفاعل، ورسم جميع الأدوار للفاعلين الأساسيين في عملية إعادة البناء –المَعنيين من الدّولة والقطاع العام، وصولاً إلى المخطّطين والمشرفين– إضافةً إلى الشركات العامة وأصحاب الحقوق، والسلطات المحلية، والهيئات الأهلية، والقطاع الخاص وشركات التطوير العقاريّ. وهذا التنسيق يمكن أن تقوم به شركات خاصة ومؤسّسات عامة يتم تأسيسها لهذا الغرض دون أهداف ربحية، هنا يكون دور الحكومة مبدئياً في مراحل التخطيط مقارنةً بالتنفيذ والتمويل، على أن تُحدد، مناطقيّاً، مراكز المحاور أو الأقطاب التنموية، وأن يتخذ التخطيط التنمويّ والبنائي مسارين متزامنين من الأعلى إلى الأسفل، ومن الأسفل إلى الأعلى، لتحقيق ذلك الانسجام والتكامل بين النسيج الوطنيّ الاجتماعيّ والبيئة الحضرية التنموية، والتماهي بين هوية المشروع والسكان، منعاً للنزعة التجارية الربحية للمستثمرين والمقاولين والمطورين العقاريين.

تقدّر الحكومة السورية حاجتها لتعبئة موارد مالية بحدود 200 مليار دولار كتكلفة أولية لإعادة إعمار ما دمرته الحرب؛ بينما تشير تقديرات المنظمات والمؤسسات الدولية إلى أنَّ تكلفة إعادة الإعمار تتراوح بين  300 إلى 500 مليار دولار، وبمعزل عن دقة أو صدقيّة الأرقام[5]، فإنَّ ما تحتاجه الحكومة السورية وسطيّاً يعادل (6.6 مرة)، أو قرابة سبعة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لعام 2010 (البالغ 60 مليار دولار)، أو 44 ضعفاً من حجم الموازنة العامة للدولة لعام 2019 والبالغة 9.8 مليارات دولار. وبذلك، تتوسع دائرة مصادر التمويل الخارجيّ على مروحة كبيرة من الفرص والإمكانيات مثل[6]:

تأتي القروض على أساس اتفاق لتقديم مبلغ من المال، يُلزِم المُقْتَرِض بإعادة المبلغ المُقْتَرض في مواعيد محددة ودفعات متفق على موعد دفعها، بالإضافة للفوائد (رأسمال طويل الأجل). ويمكن للحكومة السورية أن تقوم بعقد اتفاقات مع دول مثل الصين وروسيا والهند لتقديم قروض ميسرة أو بتسهيلات ائتمانية، أو من بنك التنمية لمجموعة دول البريكس (روسيا، الصين، الهند، البرازيل، وجنوب أفريقيا). ويمكن أن تقوم هذه الدول بالدعوة لمؤتمر دوليّ للدول المانحة لإعادة إعمار سورية، تحضره الدول والمنظمات الدولية والمؤسسات المالية الدولية، غير أن ذلك، وفي سياق التجربة التاريخية، يرتبط نجاحه بالاتفاق الدولي على الحل السياسي، حيث تشير تجارب إعادة إعمار العراق ولبنان إلى أنَّ معظم المؤتمرات الدولية للمانحين لإعمار هاتين الدولتين، لم تقدم على مدى سنوات طويلة أكثر من عشرة بالمئة مما تم الاتفاق عليه في المؤتمرات. والقروض يمكن أن تأتي من:

يمكن لرجال الأعمال السوريين في الخارج أن يسهموا في الاكتتاب على سندات الخزينة، أو يقوموا بإيداعات مالية كبيرة في المصارف السورية، أو يشاركوا في تأسيس شركات أو فروع لشركات أجنبية للإعمار.

تُعرف بأنّها سندات خزينة طويلة الأجل، تُطرح للاكتتاب في الأسواق العالمية، تُدفع فائدة على قيمتها الاسمية، وتحدد شروط الفائدة في نشرة الإصدار (بالعملات الصعبة)، وتشتريها الدول والشركات والمؤسسات المالية، ورجال الأعمال، كالسوريين في الخارج. ويتوقف نجاح هذه العملية على ثقة الشركات والأسواق الدوليّة بالاقتصاد السوريّ واتجاهات تطوره ونموه المستقبليّ، وعلى الثقة بالحكومة السورية، وقدرتها المستقبلية على الوفاء بالتزاماتها المالية. في هذا السياق، تأتي أموال السوريين في الخارج، إذ يمكن لرجال الأعمال السوريين في الخارج أن يسهموا في الاكتتاب على سندات الخزينة، أو يقوموا بإيداعات مالية كبيرة في المصارف السورية، أو يشاركوا في تأسيس شركات أو فروع لشركات أجنبية للإعمار. وتشير التقديرات إلى أنَّ أموال السوريين في الخارج تقدر ما بين 80 إلى 120 مليار دولار، تتوزع على قرابة 20 ملياراً في البنوك اللبنانية، ومليار واحد في الأردن، وملياري دولار في مصر، وثلاثة مليارات في تركيا، موزعة بين إيداعات واستثمارات وشركات وأعمال صناعية وتجارية وعقارية. وفي المتوسط، يمكن المراهنة على وسطي تمويل من هذه الأموال في عملية إعادة الاعمار بـ 20 مليار دولار.

يُعرف بأنه استئجار أصول ثابتة (آلات ومعدات إنشائية)، إذ يُدفع للمؤجّر مبالغ محددة لقاء الانتفاع من خدمات الأصول المستأجَرة (تأجير تشغيلي) غير المنتهية بالتملُّك (كما في شركات طيران). (ويوجد في مصر قانون للإيجار التمويلي منذ العام 1995). وعند انتهاء العقد يكون المستأجر مخيّراً بين شراء المعدات أو إعادة استئجارها أو ردّها للمالك. والأصول المستأجرة تخضع عادةً لصيغ التأجير التمويلي (أو تأجير رأسمالي إذ ينتقل الانتفاع والمخاطر والتأمين والأرباح إلى المستأجر)، أو التأجير التشغيلي (حق المستأجر بالانتفاع من الأصل فقط، وإعادته إلى المؤجر في نهاية العقد). ويمكن لشركات الإنشاءات العامة التي تحتاج إلى مليارات الدولارات لتجديد أصولها، أن تقوم باستئجار آلات ومعدات من الشركات الإقليمية أو الدولية، لتسهم في إعادة الاعمار، وفقاً لصيغة الإيجار التمويليّ أو التشغيليّ.

صيغ ونماذج متعددة لـ BOT

وتتميز صيغ التمويل هذه، بأنّها توفر سلسلة خيارات مالية متعددة، إذ تتيح إمكانية توسيع وتحديث البنى الأساسية أو التحتية (الطرقات المحورية الكبرى، الجسور المعلقة والمائية، المرافئ والمطارات، إعادة بناء المدن...)، بوساطة تمويل مشاريع التنمية بالموارد المالية اللازمة لذلك من خارج الموازنـات الحكومية، ودون زيادة في الدَّين العام وعجز الموازنة، وذلك عن طريق مشاركة القطاع الخاص: الأجنبي أو المحلي. ويحدِّد أسلوب التفاوض بين الحكومة والشركات الأجنبية للاستثمار في المشاريع الضخمة الكبيرة، أسلوب التمويل والمدة الزمنية للتشغيل والانتهاء بإعادة المشروعات للدولة، أو التملك النهائيّ للشركات الممولة.

يمكن على أساس تحليل بنية القوى والمصالح الخارجية: المهتمة أو المتدخلة أو الغارقة أو الفاعلة في القضية السورية، توصيف مجموعتين دوليتين ومجموعة إقليمية. المجموعة الأولى: روسيا والصين وإيران، إذ تعاني هذه المجموعة من ندرة الموارد المالية لديها، أو من العقوبات والحصار الاقتصاديّ (روسيا وإيران)، بينما تتميز الصين بقدرات مالية واقتصادية هائلة، يمكن توظيف خبراتها الدولية في إعادة بناء سورية، وبخاصّة في البنى التحتية: الطرقات والجسور والمرافئ والطرق المحورية الكبيرة، وبناء المدن والمساكن. بينما تملك روسيا وشركات الغاز لديها خبرة ونفوذاً عالميّاً يجعلها المرشح الأقوى للاستثمار في النفط والغاز السوريّ ونقل التكنولوجيا. وتستطيع إيران بناء محطات كهرباء ومياه، وإقامة مصانع للإسمنت والحديد. ولا يصحّ الاستنتاج من العلاقة الاستثمارية أو التمويلية مع هذه الدول، أنه قد يترتب عليها أية تبعية أو مشروطية سيادية، إذ لم تكن يوماً دولاً استعمارية، لكن لا ينبغي تصوّر أنَّ هذه الدول ستقدّم مساعدات أو استثمارات حكومية أو خاصة، دون المراهنة على حصص أو امتيازات اقتصادية في عملية إعادة بناء سورية.

هناك حكومات وقفت بجانب المعارضة ودعمت الإرهاب ضد سورية بالمال والسلاح والإرهابيين، فمثلاً تركيا والسعودية تعتقدان، بحكم وقوفهما إلى جانب المعارضة، أنهما ستقومان بإعادة إعمار سورية.

المجموعة الثانية: تضم أمريكا ودول الاتحاد الأوروبي وتركيا، وتطمح إلى ربط وجودها العسكريّ على الأرض بعملية الانتقال السياسي، وبما تحصل عليه من القسمة الدولية لإعادة الإعمار، إذ يصبح أي تقديم لقروض أو مساعدات منها أو من الدول المانحة أو من مؤسسات التمويل الدولية مشروطاً بالتحكم بالقرارات الاقتصادية والسياسية.

المجموعة الثالثة[8]: تضم الأردن ولبنان ودول الخليج، وتطمح للاستفادة لوجستيّاً من عملية النقل والخدمات التي تحتاجها الشركات الدولية في إعمار سورية. أما جيران سورية، مثل: الأردن ولبنان، فقد باتوا يصرّحون علانية بطموحاتهم هذه. ففي نهاية تموز/يوليو من العام الماضي، استضافت عمّان مؤتمراً دولياً لإعادة الإعمار بعنوان "إعادة إعمار سورية"، برعاية نقابة مقاولي الإنشاءات ووزارة الأشغال العامة. أما لبنان، فيقوم بتوسيع ميناء طرابلس لاستيعاب الطلب الهائل على مواد البناء الذي يتوقعه المسؤولون اللبنانيون. كذلك هناك حكومات وقفت بجانب المعارضة ودعمت الإرهاب ضد سورية بالمال والسلاح والإرهابيين، فمثلاً تركيا والسعودية تعتقدان، بحكم وقوفهما إلى جانب المعارضة، أنهما ستقومان بإعادة إعمار سورية.

إنَّ حجم عملية إعادة البناء والتنمية، سواء أكان ذلك لجهة المهام والأهداف المتوخى تحقيقها، أم لجهة حجم التمويل، يحتاج إلى أُطر وبنى مؤسّسية، تأخذ على عاتقها التنسيق بين سياسات الحكومة وبرامج التنفيذ التي يشارك فيها معظم وزارات الحكومة، هذه الأطر المؤسسية المقترحة، تشكل مدخلاً أساساً وضرورياً لنجاح عملية إعادة البناء والتنمية، ولذلك تنشأ الحاجة إلى:

1. إحداث هيئة عامة، أو وزارة للتنمية وإعادة البناء تسمى "وزارة التنمية وإعادة البناء" لتتولى هذه الوزارة القيادة والتنسيق بين وزارات الدولة المعنية ببرامج وخطط إعادة البناء، وتحديداً: هيئة التخطيط والتعاون الدولي ووزارة الأشغال العامة ووزارة المالية ووزارة الاقتصاد، على أن تملك هذه الجهة المستحدثة، خطة الحكومة للبناء والتنمية، وتتضمن:

2. إحداث مصرف متخصص باسم "مصرف التنمية والاستثمار"، أو صندوق سيادي باسم "الصندوق الوطني للبناء والتنمية"، إذ يقوم المصرف بتلقي الرأسمال الخاص بإعادة البناء، سواء أكان ذلك من مصادر التمويل الداخلية: الحكومي والخاص والأهلي، أم مصادر التمويل الخارجية: القروض والهبات والمنح والمساعدات والقروض، وعائد الاكتتاب على سندات الخزينة.

3. تبدأ الخيارات التنموية عادة بتبني هُويّةٍ ونموذجٍ اقتصاديٍّ[9] للاقتصاد الوطني، ومنه تستمد السياسات الاقتصادية والقطاعية المالية والنقدية. ذلك أنّه بين نموذج الاقتصاد الليبرالي الذي يشتغل على قاعدة وأدوات اقتصاد السوق الليبرالي، واقتصاد السوق الاجتماعي (توليفة العدالة الاجتماعية والديمقراطية الاقتصادية)، والاقتصاد الموجّه حكومياً، ينبغي على الحكومة قبل إطلاق عملية إعادة البناء والتنمية، أن تحدد خياراتها التنموية التي تقوم بالأساس على طبيعة النموذج الاقتصادي الذي يحدد هوية الدولة والقطاع العام ودور القطاع الخاص والرأسمال الوطني والأجنبيّ وحرية السوق، إذ تبنّت ألمانيا بعد الحرب خيار اقتصاد السوق الاجتماعي الذي أسّست له "مدرسة فرايبرغ"، وأهم روادها: الاقتصادي "لودفيغ إيرهارد" الذي تسلم وزارة الاقتصاد الألمانية للعمل على تطبيق أفكاره النظرية. ذلك أن تبني خيارات تمويلية واستثمارية دون مرجعية نظرية لهوية الاقتصاد، لتُبنى على أساسها مراكز النمو الاقتصادي والأدوار الرئيسة للفاعلين الاقتصاديين (القطاع العام والخاص والمجتمع الأهلي)، سيقود إلى بعثرة وتشتتت الموارد ولا يحقق تنمية اقتصادية متوازنة.

تشكل مرحلة إعادة البناء والتنمية فرصة تاريخية واستراتيجية لتصحيح جملة من التشوهات الهيكلية والاختلالات البنيوية والتنموية على صعيد الاقتصاد والمجتمع.

تحديد مراكز ومحاور نمو تنموي وإقليمي[10]، علاجاً للاختلالات البنيوية والتنموية السابقة، ما يؤسّس لتنمية متوازنة جغرافياً على قاعدة الاستمرارية والاستدامة، وملاءمة النموذج التنموي للعلاقة بين القطاع الماديّ والجغرافيا والإمكانيات المادية والبشرية للأقاليم التنموية.

5. إعادة توزيع مراكز الثقل التنموي من المدن الكبرى إلى بناء المراكز الإقليمية الجديدة (المدن والمناطق الأقل نمواً)؛ ذلك لإعادة توزيع الاستثمارات العامة والخاصة، وتوليد فرص نمو وعمل، واستغلال الإمكانيّات المادية والبشرية المتاحة في كل إقليم تنموي.

6. تبنّي اللامركزية التنموية والإقليمية بتوزيع القسم الأكبر من ثقل الحكومة والوزارات على مؤسسات وإدارات الأقاليم التنموية، شريطة أن يتحمل كل إقليم مسؤولية تحقيق الاستخدام الفاعل للموارد المتاحة لديه، لتحقيق أفضل سبل للتشغيل وتحسين المستوى المادي والاجتماعي لأفراده.

7. الاستخدام الفعّال لمزايا وخصائص الأقاليم السورية السبعة، إذ تحتاج كل صياغة للتخطيط العمراني والتنموي إلى معرفة الطبيعة والخصائص الطبيعية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لكل إقليم، تمهيداً لتحديد المحاور والأقطاب والسياسات التنموية، وفقاً للجغرافيا والإمكانيات المادية والطبيعية لكل إقليم، ذلك أنَّ الاستخدام الأمثل للحيّز أو المجال الجغرافي المادي لفضاء كل إقليم، هو المدخل الأساس لتعبئة الموارد المالية والمادية والبشرية ودمجها في البيئة الاجتماعية والاقتصادية للأفراد. من هنا، تشكل مرحلة إعادة البناء والتنمية فرصة تاريخية واستراتيجية لتصحيح جملة من التشوهات الهيكلية والاختلالات البنيوية والتنموية على صعيد الاقتصاد والمجتمع. وقد يكون من السذاجة الاعتقاد أنّ الحرب على سورية قد توقفت، ذلك أن انتقال الفاعلين الإقليميين والدوليين المتصارعين على المصالح والأدوار الحيوية على الأرض السورية، من استخدام صيغ وأشكال الحرب الصلبة (طائرات ودبابات...) إلى الحرب الناعمة (مرتزقة وعملاء وتجسس وموارد اقتصادية كالنفط والغاز...)، لا يضع حداً فاصلاً للحرب، ما يجعل عملية تقاسم إعادة البناء في سورية أكثر أهمية وجدوى اقتصادية ومالية، وأشدّ إيلاماً من الحرب ذاتها.

[1] حول الرؤية الفلسفية للمعنى والتاريخ والمفهوم لإعادة الإعمار يمكن مراجعة سنان حسن، "في إعادة الإعمار: إعادة الإعمار بين تفكيك وإعادة تشبيك مداميك الجدار"، مركز دمشق للأبحاث والدراسات، 18 نيسان/أبريل 2018. ص 5 وما بعدها. http://bit.ly/2ZvoO7c

[2] توفيق حداد، "إعادة البناء بعد النزاعات مثال فلسطين"، مجلة بدايات، العدد 15، خريف 2016.

[3] جميل إبراهيم، "إعادة الاعمار والتنمية بعد النزاعات"، شبكة النبأ المعلوماتية، 5 نيسان/أبريل 2018. https://annabaa.org/arabic/rights/14801

[4]  للمزيد حول تعقيد عملية تمويل وإعادة بناء ما دمرته الحرب وتشابك مصالح الفاعلين الدوليين يمكن مراجعة: مدين علي، "نحو استراتيجيات عمل للتعافي الاقتصادي في سورية"، مركز مداد للأبحاث والدراسات، 10 تشرين الأول/أكتوبر 2018، ص 5،6. http://bit.ly/2XzEfJv

[5]  تذهب تقديرات الأطراف المتصارعة في الحرب على سورية إلى مروحة واسعة من المبالغات الرقمية شأن المؤسسات الدولية والمعارضة. للمزيد يمكن الرجوع إلى: بول كوكرين، "من سيتكفل بإعادة إعمار سورية بعد الحرب"، نون بوست، 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2017. http://www.noonpost.com/content/20803

[6]  "تمويل إعادة الإعمار، الاحتياجات والمصادر المحتملة"، مركز دمشق للأبحاث والدراسات، 25 تشرين الأول/أكتوبر 2017. http://bit.ly/2IRoNEq

[7] للمزيد حول تعدد صيغ ونماذج التمويل الخارجي يمكن مراجعة: أمل نجاح الشبيتي، "نظام البناء والتشغيل والتحويل"، جامعة البحرين، سلسلة دورية تعنى بقضايا التنمية في الأقطار العربية، العدد الخامس والثلاثون، تشرين الثاني/نوفمبر 2004، ص 6و7. http://www.arab-api.org/images/publication/pdfs/85/85_develop_bridge32.pdf

[8] حول التهافت على عملية إعادة إعمار سورية بعد الحرب، يمكن مراجعة: ستيفن هايدمان، "قواعد عملية الاعمار في سورية"، معهد بروكنغز، 24 آب/أغسطس 2017. https://brook.gs/2ILkoUD

[9]  عدنان سليمان، "اقتصاد السوق الليبرالي: مقاربات معرفية وفكرية"، ورقة قدمت في ندوة: "النهج الاقتصادي لسورية المتجددة"، كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، 9 كانون الثاني/يناير 2014.

[10] أحمد صالح وزياد عربش، "الإطار الاستراتيجي لإعادة البناء في سورية، الأسس النظرية، المقاربة الوطنية وتكامل السياسات"، جامعة دمشق، 2017.

https://www.aiu.edu.sy/uploads/SCMFE%202017%20~Ziad%20Ahmed%20PPP%209%20March(1).pdf

مركز دمشق للأبحاث والدراسات

مِداد

أعلن في شمرا