روسيا: مواقف واضحة من قره باغ إلى سوريا مرورا بالأطلسي

إن السياسة الخارجية للولايات المتحدة وحلف الناتو هي دعاية "السم الزعاف"، والسنة المنصرمة أكدت هذا الوصف.

فقد اتهموا روسيا بكل التهم الممكنة:
قالوا إنها تدخلت في قرة باغ من أجل تعزيز مواقفها ضد الغرب، وزعموا أنها تتعامل مع تركيا لنفس الغرض، وليس بسبب تبادل المصالح في قطاعي الاقتصاد والسياحة. ثم قالوا إن روسيا تريد استعادة جمهوريات البلطيق، والاستيلاء على بلدان أوروبا الشرقية..

افتراءات لا تنتهي حول روسيا تتردد على مسامع الأمريكيين والأوروبيين.
على الجانب الآخر بدا واضحا من بيان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الخامسة والسبعين على الانتصار في الحرب العالمية الثانية، كيف تنظر الولايات المتحدة الأمريكية إلى دورها في الحرب، وكأنها المنقذ الرئيسي للعالم من الفاشية. هكذا ودون مواربة قالها دونالد ترامب، دون أن يذكر الاتحاد السوفيتي بكلمة واحدة، وكأن ملايين الأبطال من جيش الاتحاد السوفيتي، ممن دفعوا حياتهم ثمنا لحرية العالم، وملايين المواطنين من الشعب السوفيتي الذين راحوا ضحية الحرب، كل تلك الملايين لا تعني شيئا للرئيس الأمريكي، ولا للولايات المتحدة الأمريكية.

في سياق متصل، تبنت الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة يوم الأربعاء الماضي، 16 ديسمبر، مشروع قرار تقدمت به روسيا لمكافحة تمجيد النازية، صوتت لصالح القرار 130 دولة، وامتنعت 51 دولة، بينما صوتت ضد ذلك القرار دولتان فقط هما الولايات المتحدة الأمريكية وأوكرانيا!

من ناحية أخرى تهول الولايات المتحدة من حجم الدور الذي تلعبه في مكافحة الإرهاب بسوريا، في الوقت الذي تقلل فيه من شأن الدور الروسي، ومسار أستانا الذي تشترك فيه كل من روسيا وتركيا وإيران. يأتي ذلك في ظل تصدير الولايات المتحدة الأمريكية للنفط السوري بشكل غير قانوني من شمال شرق سوريا، وفقا لما صرحت به ممثلة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا في أكتوبر الماضي، حيث قالت إن قيمة النفط المصدر تزيد عن 30 مليون دولار شهريا.

كذلك ترفض الولايات المتحدة الأمريكية تجديد معاهدة "ستارت-3" لخفض الأسلحة الهجومية الاستراتيجية التي تنتهي في 2021، وقبل ذلك انسحبت من معاهدة الصواريخ متوسطة وقصيرة المدى (2 أغسطس)، وذلك في الوقت الذي يحشد فيه الناتو أسلحته في أوروبا والدول الأخرى المجاورة لروسيا.

كما أظهرت الولايات المتحدة الأمريكية عداء سافرا تجاه الصين، بل وانسحبت من منظمة الصحة العالمية (3 سبتمبر 2020) عقب اتهامات للمنظمة بعدم اتخاذ الإجراءات اللازمة تجاه الصين، ووصفت فيروس كورونا بـ"الفيروس الصيني"، في مسعى لمعاقبة الصين. وحاول الكونغرس الأمريكي فرض مزيد من العقوبات ليس فقط ضد روسيا، بل ضد شركاء روسيا مثل بيلاروس. وبدلا من العمل البنّاء داخل المنظمات التابعة لهيئة الأمم المتحدة، تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بتشكيل منظماتها الخاصة، لمواجهة استخدام الأسلحة الكيميائية أو الأمن السيبراني.

على صعيد آخر، أصبح الناتو حلفا يهدد العالم أجمع، وأصبح من الضروري التفكير في المعنى الحقيقي لوجوده، في الوقت الذي أصبح الدور الوحيد الذي يلعبه الحلف هو مناصبة العداء لروسيا، وهو أمر لا معنى له في عالم متعدد الأقطاب. فمجرد التفكير في الرعب والهلع الذي يمكن أن يسببه أدنى خطأ عسكري أصبح أمرا مقلقا للغاية، خاصة وأن إدارة الرئيس ترامب قد ألغت عددا من الاتفاقيات المهمة التي تفتح الباب على مصراعيه أمام سباق التسلح. وفي نهاية المطاف يمكن أن تصبح قواعد الناتو الموجودة في أوروبا أو الشرق الأوسط أولى الأهداف في مرمى نيران أنظمة الدفاع الروسية ردا على أي عدوان من جانب الناتو. حيث تمتلك روسيا الآن من بين أسلحتها الصواريخ فرط الصوتية، التي ليس لها مثيل حول العالم، والتي لن تتمكن أي من مظلات الدفاع الموجودة حاليا لدى الناتو من صدها.

من هنا تأتي ثقة وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، في حديثه عن أن النتيجة الرئيسية للسياسة الخارجية الروسية على مدى الخمسة عشر عاما الماضية هي أن الغرب أدرك أخيرا أن روسيا قوة مستقلة الإرادة لا تقبل الإملاءات من أي أحد تحت أي ظرف من الظروف.

ولهذا السبب انتهت محاولات تقويض الأمن الاقتصادي لروسيا بالفشل. أو بشكل أدق نود التصديق أن تلك المحاولات قد انتهت بالفعل، ولن تستمر.

أن صبر روسيا ليس له حدود. وكما يقولون في روسيا: "من لا يستمع إلى لافروف، سوف يستمع إلى شويغو بكل تأكيد"، إشارة إلى وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو. فروسيا تعزز من قدرات جيشها الوطني، للدفاع عن النفس حال اتخاذ أي إجراءات من شأنها أن تهدد الأمن القومي للبلاد، وروسيا دولة عظمى لا تملك حق التهاون في الدفاع عن أمن وسلامة مواطنيها أو التفريط في شبر من أراضيها.

وعلى الرغم من كل ذلك، دعا بوتين مجددا مجلس الأمن في هيئة الأمم المتحدة الأسبوع الماضي إلى الانعقاد لمناقشة القضايا الملحة مثل جائحة فيروس كورونا ومكافحة الإرهاب والتعصب الديني ومبادئ نزع السلاح وقضايا البيئة.

إن روسيا تثبت مع الأيام بما لا يدع مجالا للشك، سعيها الدائم نحو الأمن والسلام الدوليين، من خلال مواقفها الواضحة والمعلنة في سوريا أو في قرة باغ، ومن خلال تقديم الدعم والمساعدة لمختلف البلدان في مكافحة فيروس كورونا، وقد دعت روسيا مؤخرا إلى منح إمكانية تصنيع اللقاح الروسي ضد فيروس كورونا في بلدان مختلفة حول العالم بهدف التخلص من الجائحة التي تأثرت بها البشرية جمعاء.

لقد سئم الناس حالة الخوف المستمرة، على صحة الأقارب والأحباب، سئموا الوحدة الناجمة عن العزلة الذاتية، سئموا الخسائر الاقتصادية. أصبحت أمنية الجميع أن يعاودوا السفر والحركة بحرية وحضور الفعاليات الفنية والأحداث الرياضية والتنزه وارتياد المقاهي. وعلى الرغم مما يتردد حول أن العالم لن يعود مرة أخرى إلى ما كان عليه قبل الجائحة، إلا أن اللقاح يمكن أن يعيد كثيرا من الأمور إلى طبيعتها.

وفي مؤتمره الصحفي السنوي الكبير منذ أيام، حث بوتين الجميع على عدم البحث عن مذنبين في انتشار الجائحة، والالتفات إلى توحيد الجهود لمكافحة المشكلة، لمساعدة الأشخاص الذين وجدوا ولا زالوا يجدون أنفسهم في ظروف صعبة. وناشد الرئيس الروسي الجميع، أولا وقبل كل شيء، بإزالة كافة القيود التجارية على توريد المعدات الطبية والأدوية.

وإذا كانت الأماني ممكنة في هذا الوقت من العام، على أمل أن تصدق الأساطير وتتحقق المعجزات، فإن على الولايات المتحدة الأمريكية التخلي عن طموحاتها السياسية الضخمة، وأن تنجح الإدارة الأمريكية الجديدة في تصحيح الأخطاء التي ارتكبتها إدارة الرئيس ترامب، والتي بحق يمكن وصفها بأنها لا تغتفر. فقد تدهورت العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية على نحو كبير، لم تشهده منذ زمن الحرب الباردة.

نامل أن يتمكن الفريق الجديد في البيت الأبيض من التخلص من تبعات قرارات الانسحاب من المنظمات والاتفاقيات الدولية وغيرها من القرارات قصيرة النظر وغير المسؤولة من جانب الإدارة الحالية.

لقد نشأت في بيت لحم، وأنا فلسطيني الجنسية، أحمل داخلي قلبا عربيا لكنه قادر على فهم عقلية المواطن الروسي بنفس درجة الحساسية، فقد عشت وفهمت واستوعبت ثم تقبلت الموقف الروسي من الحياة، حيث أعيش الآن في هذا البلد وأحمل جنسيته لسنوات طويلة، وقد كرست فترة طويلة من حياتي لإقامة علاقات بين الاتحاد السوفيتي السابق ومنظمة التحرير الفلسطينية، ثم بين روسيا ودول الشرق الأوسط. لذلك أقول إن الكلمة والنظرة واللفتة قد تعني أشياء مختلفة بالنسبة لمواطني الثقافات المختلفة، وعليه أؤكد دائما على أنه يتعين على الأطراف أن تتحلى بالقدرة على الاستماع والفهم والاستيعاب والقدرة على قبول الآخر، وإيلاء أكبر قدر ممكن من الاهتمام بالمفاوضات، بدلا من اللجوء إلى القوة.

وإذا كان بابا نويل قادرا على أن يلبي رغباتي، كنت سأتمنى أن تختفي الاتهامات من قبيل "روسيا هي المعتدي"، و"روسيا عدو الحرية في العالم"، وأن نبدأ في البحث عن أرضيات مشتركة، وحياة هادئة مستقرة ومستدامة في الشرق الأوسط، وأن تلتزم جميع البلدان، كما ينبغي بقواعد القانون الدولي، وألا يتم استخدام السلاح النووي، ولا أرى تلك أماني مستحيلة التحقق. لكن بالنظر إلى التطلعات الأمريكية والرغبة المستميتة للسيطرة على العالم لعقود، يبدو تحقق هذه الأماني وحدها سوف يكون تحولا رائعا.

أعتقد، أن إدارة الرئيس المنتخب، جو بايدن، ستكون قادرة على تحقيق مهمة تنظيم واستعادة العلاقات الإيجابية بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وآسيا، بعد أن تسببت خطوات ترامب بأضرار للشعب الأمريكي نفسه، وتسببت التصريحات الإعلامية الشعبوية والنارية وسياسة حشد المواطنين وتضليلهم في تقسيم المجتمع الأمريكي كما لم يحدث من قبل.

لهذا ينظر العالم بأمل إلى الإدارة الأمريكية الجديدة، ويتوقع منها أن تفهم الوضع الحقيقي، وتؤدي دورها في تعزيز الأمن والسلام الدوليين في إطار قوانين الشرعية الدولية وبرعاية هيئة الأمم المتحدة التي ينبغي حل جميع القضايا الخلافية حول العالم في إطارها.

رامي الشاعر
كاتب ومحلل سياسي

المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب

أعلن في شمرا