من رد آلي إلى نماذج لغوية... خطوة نحو "الموظف الافتراضي"

المصدر : INDEPENDENT | الثلاثاء , 13 كانون الثاني | : 106

من المنظور التاريخي والتكنولوجي، تعد النماذج اللغوية الكبيرة ذروة تطور أتمتة الحوار الذي بدأ بنظام الرد الآلي، بل إنها تحقق الحلم القديم المتمثل في إيجاد موظف افتراضي يستطيع فهم طلباتك الطبيعية، لكن من المنظورين التقني والفلسفي هناك فرق نوعي وليس كمياً فقط، فالرد الآلي هو أداة تنظيم اتصال قائمة على نظام قواعد، في مقابل نموذج عقلاني اصطناعي لديه إدراك للغة والعالم معاً.

كثيراً ما كان التطور التدريجي ديدن الابتكارات الذي سارت وفقه في خطوات واثقة، إذ يبدأ المنتج بسيطاً ومحدود الاستخدام ثم ينحو ليصبح واسعاً ومتعدد الخدمات، من هنا يمكننا إجراء مقارنة بين نظام الرد الآلي ونموذج اللغة الكبير، توضح رحلة كل منهما وكيف وصلنا إلى زمن أصبح فيه من الصعب تمييز الحقيقة من الزيف.

نظام الرد الصوتي الآلي التفاعلي (IVR آي في آر) هو تقنية آلية تسمح لأجهزة الكمبيوتر التفاعل مع البشر عبر استخدام الصوت ونقرات الهاتف، تستخدمها الشركات والمؤسسات لتنظيم وصول خدماتها إلى العملاء عبر تتبع مجموعة رسائل صوتية، فبمجرد أن يتصل العميل برقم الخدمة، يُستقبل برسالة صوتية مسجلة مسبقاً ترحب به وتقدم له مجموعة من خيارات الخدمات يحققها الضغط على أزرار الأرقام في الهاتف، وبناء على الزر المختار يوجه النظام المكالمة تلقائياً إلى القسم أو الخدمة المناسبة بناء على اختيار العميل، أو يقدم له المعلومات المطلوبة مباشرة.

باختصار، هو نظام آلي هاتفي يعمل كموظف استقبال افتراضي يوجه المستخدم، ويقوم على خدمته ذاتياً قبل أن يحوله إلى شخص حقيقي، بهدف تنظيم وتسيير عملية الاتصال الهاتفي بصورة أكثر كفاءة، وبهذا توجه المكالمات تلقائياً من دون الحاجة إلى تدخل بشري، بدلاً من الرد على طلبات دورية تخص المستخدم مثل الاستعلام عن الرصيد أو مواعيد العمل، مما يخفف العبء عن موظفي الاستقبال ويخفض عدد الموظفين البشريين وما يرافقها من كلف تشغيلية، ويوفر خدمة مستمرة على مدى الساعة وفي أي وقت خارج أوقات العمل الرسمي.

بدأت الأنظمة البدائية الأولى تستخدم أشرطة صوتية مادية عام 1970، تلاها بعد 10 سنوات ظهور أنظمة رقمية مبكرة في البنوك والخطوط الجوية، مروراً بالتسعينيات وما حملته لها من تحسين جودة الصوت وانتشار واسع في خدمة العملاء، وكانت بداية التكامل مع قواعد البيانات البسيطة، وصولاً إلى ظهور أنظمة أكثر تعقيداً وذات مسارات متعددة في الألفية الجديدة، وكانت لتلك الرحلة أهمية بالغة وفوائد لا تعد في تنظيم خدمة العملاء ضمن نظام محكم، وما زال كثير من الشركات تعتمده اليوم، بخاصة شركات الاتصالات والبنوك.

بينما وضعت الأساسات الأولى للنماذج اللغوية الكبيرة عام 1950 مع بداية معالجة اللغة الطبيعة ثم ظهرت الشبكات العصبية الأولى في أوائل الثمانينيات، لكن الطفرة الأولى تجلت بعد عام 2013 وصولاً إلى الاختراق الكبير لـ Transformer عام 2017 وما تلاه من إنجازات شكلت عصر ما قبل "تشات جي بي تي" الذي مهد لثورة 2021 ليصبح أول روبوت ذكي في متناول الجميع عام 2022.

الهدف من تقنية الرد الآلي والنماذج اللغوية واحد، وهناك حال من الاستمرارية بغض النظر عن فرق التطور بينهما، فكلاهما يحاول أتمتة التفاعل مع الإنسان وتوفير الإجابات من دون تدخل بشري، لذا يمكننا (لغاية التبسيط) اعتبار أن ما يقدمه الذكاء الاصطناعي في مجال المحادثة اليوم هو جيل متقدم جداً لأنظمة الرد الصوتي الآلي التفاعلي القديمة، ففي حين كان الرد الآلي بدائياً ومعتمداً على قوائم هرمية، أضحت المحادثة اليوم حرة، وفي هذا تطور منطقي لا أكثر.

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والحقيقة أن الفروق الجوهرية بينهما تظهر أن القول إنها امتداد مخفي هو تبسيط كبير، إذ يتجلى أول الفروق في طبيعة التفاعل ذاتها ففي حين يسير التفاعل مع نظام الرد الآلي في مسار خطي بهدف تنفيذ أوامر مبرمجة مع خيارات محدودة ومغلقة وقائمة قرارات محددة مسبقاً، يوفر الروبوت الذكي محادثة حرة ومرنة، يتضمنها فهم للغة الطبيعية ولنوايا المستخدم، فهو يفهم السياق ويولد ردوداً جديدة ويتعلم باستمرار ويتدرب من دون الحاجة إلى مبرمج.

والأهم أن وهم التحدث مع بشري قائم في حالة الروبوت الذكي بينما نجدها منعدمة تماماً مع الرد الآلي، إذ يشعر المتصل مباشرة بأنه يتحدث إلى آلة، بينما يمكن للأول أن يخدع المستخدم.

من المنظورين التاريخي والتكنولوجي، تعد النماذج اللغوية الكبيرة ذروة تطور أتمتة الحوار الذي بدأ بنظام الرد الآلي، بل إنها تحقق الحلم القديم المتمثل في إيجاد موظف افتراضي يستطيع فهم طلباتك الطبيعية، لكن من المنظورين التقني والفلسفي هناك فرق نوعي وليس كمياً فقط، فالرد الآلي هو أداة تنظيم اتصال قائمة على نظام قواعد، في مقابل نموذج عقلاني اصطناعي لديه إدراك للغة والعالم معاً، معتمداً على نظام الاستدلال، لدرجة أن البشر لم يعودوا يشعرون أحياناً بأنهم مع روبوت، بسبب الطلاقة اللغوية المذهلة وتذكر السياق خلال المحادثة وتوليد ردود حرة خارج قاعدة بيانات مسبقة.

وإذا أردنا إيجاد التشبيه الأنسب، فيمكننا القول إن نظام الرد الآلي مثل آلة بيع، تضغط على رمز محدد وتحصل على منتج محدد ومعد مسبقاً، في حين أن النموذج اللغوي الكبير مثل طاهٍ بارع تخبره بما تريده بطريقتك الخاصة وبكلام حر، فيحاول إبداع وصفة جديدة، مع الإشارة إلى أنه قد يخطئ في خلط المكونات وينتج وجبة غريبة أحياناً.

ويُذكر أن كثيراً من أنظمة الدعم الحديثة تدمج الاثنين معاً، فقد تبدأ بتفاعل مع نموذج لغوي كبير (شات بوت ذكي)، وإذا تعثر، يحولك تلقائياً إلى قائمة رد آلي أو حتى إلى مشغل بشري.