الدعم الأمريكي لأوكرانيا.. اختبار التوازن بين التسوية وأمن أوروبا

المصدر : سانا | الخميس , 15 تشرين الأول | : 17

عواصم-سانا‏

تضع التطورات المتسارعة في الحرب الروسية الأوكرانية مستقبل الدعم الأمريكي ‏لكييف أمام اختبار يتجاوز حجم المساعدات العسكرية إلى طبيعة التسوية التي تسعى ‏واشنطن إلى تحقيقها، وحدود التنازلات التي يمكن أن يقبل بها الطرفان، وقدرة ‏أوروبا على حماية أمنها في حال تراجع الدور الأمريكي.‏

‏ وبينما يركز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على دفع موسكو وكييف نحو إنهاء ‏الحرب، تتمسك القيادة الأوكرانية بضمانات تحول دون استغلال أي اتفاق لإضعاف ‏قدراتها الدفاعية، فيما تواجه العواصم الأوروبية معادلة تجمع بين دعم أوكرانيا ‏والحفاظ على الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن.‏

تعكس الخلافات الأخيرة بين ترامب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تبايناً ‏في ترتيب الأولويات، أكثر مما تعكس بالضرورة قطيعة في العلاقات بين البلدين، ‏فالإدارة الأمريكية تربط تحركاتها الدبلوماسية بمحاولة إنهاء الحرب، وتتعامل مع ‏تداعياتها الاقتصادية، بما فيها ارتفاع أسعار الوقود، باعتبارها عاملاً مؤثراً في ‏حسابات السياسة الداخلية الأمريكية.‏

وبرز هذا التوجه في الاتفاق الذي أعلنه ترامب بشأن إتاحة كميات من الديزل ‏الروسي للأسواق العالمية بهدف المساهمة في خفض الأسعار، وهو ما أثار ‏اعتراضات أوكرانية وأوروبية بسبب المخاوف من أن تؤدي زيادة عائدات الطاقة ‏الروسية إلى توفير موارد إضافية لموسكو.‏

وفي المقابل، دافعت واشنطن عن خطوتها باعتبارها جزءاً من معالجة الضغوط ‏على أسواق الطاقة، وخطوة تهدف إلى زيادة إمدادات الوقود واحتواء ارتفاع ‏الأسعار، وفق ما أوردته “رويترز” في 13 تشرين الأول الجاري، فيما استمرت ‏الانتقادات الأوروبية بسبب التداعيات المحتملة للاتفاق على العقوبات المفوضة على ‏روسيا وإيراداتها من الطاقة.‏

ويبرز الخلاف أيضاً حول استهداف المنشآت النفطية الروسية، إذ تسعى واشنطن ‏إلى الحد من الهجمات على البنية التحتية للطاقة، بينما ترى كييف أن هذه المنشآت ‏تمثل مصدراً مهماً للموارد التي تمول العمليات العسكرية الروسية. ‏

وبدأت مؤشرات تعثر التفاهم تظهر بعد إعلان ترامب في 11 تشرين الأول التوصل ‏إلى وقف للهجمات على منشآت الطاقة الروسية والأوكرانية، من دون نشر تفاصيل ‏واضحة بشأن آليات تنفيذه. ‏

واتهمت كييف موسكو بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الأوكرانية، مشيرة إلى ‏ضربات طالت محطة كهرباء في خاركيف، فيما قالت السلطات الأوكرانية إن ‏الهجمات الروسية استمرت رغم إعلان التفاهم.‏

‏ وفي 15 تشرين الأول، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي انتهاء التزام ‏بلاده بوقف استهداف المصافي الروسية، مؤكداً استئناف الهجمات، وهو ما تجسد في ‏ضربة أوكرانية استهدفت مصفاة نفط في منطقة ريازان الروسية. ‏

ووفقاً لوكالة رويترز، جاء القرار الأوكراني بعد استمرار الهجمات الروسية على ‏البنية التحتية للطاقة، في حين قالت موسكو إن نطاق التفاهم لم يكن قد تحدد بصورة ‏واضحة.‏

ومع انهيار التفاهم واستئناف الهجمات المتبادلة، تبدو قدرة أي مبادرة أمريكية على ‏تثبيت تهدئة مستدامة مرتبطة بمدى استعداد موسكو وكييف للالتزام المتبادل بها، ‏وليس بمجرد إعلان التفاهمات.‏

لا تقتصر أهمية الشراكة الأمريكية الأوكرانية على توريد الأسلحة والذخائر، بل ‏تشمل أيضاً المعلومات الاستخباراتية والإنذار المبكر والقدرات التقنية التي تساعد ‏القوات الأوكرانية على رصد الهجمات والتعامل معها، لذلك أثارت تصريحات ‏زيلينسكي في 13 تشرين الأول بشأن عدم تلقي أوكرانيا إنذاراً مبكراً من شركائها ‏قبل هجوم صاروخي روسي على كييف، مخاوف أوكرانية من انعكاسات أي ‏اضطراب في التعاون الاستخباراتي على حماية المدن والبنية التحتية.‏

لكن هذه المخاوف لا تعني أن وقف تبادل المعلومات الاستخباراتية أصبح أمراً ‏مؤكداً، إذ أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في تصريحات للصحفيين، ‏استمرار تبادل المعلومات مع أوكرانيا، مشيراً إلى أن واشنطن تواصل مساعدة ‏كييف وتسعى إلى إنهاء الحرب. ‏

وفي السياق نفسه، أفادت رويترز في 14 تشرين الأول بأن أوكرانيا لا تزال تعتمد ‏على قدرات أمريكية في مجالات الإنذار المبكر بالصواريخ والاتصالات الفضائية، ‏في وقت لا تمتلك فيه الدول الأوروبية بدائل جاهزة لتعويض هذه القدرات بالكامل،
‏ويبرز ذلك أهمية التمييز بين المخاوف من تغير مستوى الدعم الأمريكي أو ‏شروطه، وبين وجود دليل على توقف التعاون الاستخباراتي فعلياً.
‏
وتضيف القيود التي طالت بعض استخدامات خدمات “ستارلينك” طبقة أخرى من ‏التعقيد، نظراً لاعتماد القوات الأوكرانية على هذه الخدمة في تأمين الاتصالات ‏ونقل البيانات بين الوحدات العسكرية، بما في ذلك تشغيل بعض الطائرات المسيّرة ‏وتنسيق العمليات الميدانية.‏

وتوفر “ستارلينك”، وهي خدمة إنترنت تعتمد على شبكة من الأقمار الصناعية ‏تديرها شركة “سبيس إكس” الأمريكية، اتصالاً بالإنترنت في مناطق تضررت فيها ‏شبكات الاتصالات التقليدية أو تعذر استخدامها، ما يجعل استمرار توافرها عاملاً ‏مؤثراً في القدرات التقنية الأوكرانية.‏

تجد الدول الأوروبية نفسها أمام مسؤولية متزايدة للحفاظ على قدرة أوكرانيا ‏الدفاعية، من دون التفريط بالتعاون مع الولايات المتحدة التي ما زالت تمتلك قدرات ‏يصعب تعويضها سريعاً، ولا سيما في مجالات الاستخبارات والدفاع الجوي وبعض ‏منظومات التسليح المتقدمة.‏

وتؤكد أجندة المجلس الأوروبي لاجتماعه المنعقد في بروكسل اليوم الخميس 15 ‏و16 تشرين الأول، أهمية استمرار دعم أوكرانيا وتعزيز الجاهزية الدفاعية ‏الأوروبية، ‏ويعكس ذلك توجهاً نحو تحمل مسؤولية أكبر عن أمن القارة، إلا أن تحويله إلى ‏قدرات تعوّض أي تراجع أمريكي يتطلب تمويلاً مستداماً وتنسيقاً دفاعياً لا يمكن ‏تحقيقهما سريعاً.‏

وتكشف هذه المعطيات أن مستقبل الحرب لا يتوقف على الخلاف بين واشنطن ‏وكييف وحده، بل يرتبط أيضاً بقدرة الأطراف على التوفيق بين متطلبات التسوية ‏والضمانات الأمنية، ففي حين تسعى واشنطن إلى إنهاء المواجهة، تتمسك كييف ‏بضمانات تحول دون تجدد الهجمات، فيما تواجه أوروبا تحدي تعزيز قدراتها ‏الدفاعية وتوسيع دورها في أمن القارة، مع الحفاظ على الشراكة عبر الأطلسي.‏