الهاتف الذكي يسلب ذكاءنا ويشتت إبداعنا

المصدر : INDEPENDENT | الجمعة , 24 نيسان | : 143

السرعة والسهولة والتكرار في التعرض للدوبامين، تجعل الدماغ يفقد صبره ويبدأ بمقاومة أي نوع من الأعمال الطويلة التي تتطلب القليل من الجهد مثل التفكير العميق والكتابة والقراءة والرسم وغيرها.

كانت تجلس في المكتب أمامها دفتر مفتوح، في يدها قلم وفي رأسها فكرة تتشكل ببطء وتتقلب على نار هادئة، ألقت نظرة واحدة فقط إلى هاتفها الذي أصدر وميضاً خافتاً، حين رفعت رأسها بعد 20 دقيقة كانت الفكرة قد اختفت تماماً.

هذه القصة، التي تتكرر ملايين المرات حول العالم، ليست مجرد حالة تشتت يمكن تجاوزها، بل هي أعراض لظاهرة باتت أوسع انتشاراً مما يمكن السيطرة عليها، وهي إدمان الهاتف الذكي الذي تحول من أداة للتواصل والعمل والمعرفة إلى سارق خفي لأندر ما يملكه الجنس البشري: الإبداع.

الهاتف الذكي الذي صمم ليكون أداة، تحول تدريجاً إلى وسيط يخطف انتباهك ويعيد تشكيل طريقة تفكيرك وتعريف علاقتك بنفسك، إذ تظهر دراسات تجريبية حديثة وجود ارتباط وثيق بين إدمان الهواتف الذكية وانخفاض الإبداع.

إذاً لنفهم معاً، كيف أصبح إدمان الهاتف الذكي عدواً خفياً للإبداع؟

في لحظة نادراً ما تتكرر، يحدث أن ترفع عينيك عن شاشة هاتفك وتكتشف أن الفراغ لم يعد مريحاً مثلما كان سابقاً، أضحى الصمت مخيفاً والفراغ مقلقاً والهدوء الخلاق صعب المنال والأفكار لم تعد تتدفق كما اعتدت، حال يعيد إلى أذهاننا سؤال لطالما واجهنا في الأعوام الـ10 الأخيرة، ماذا كنا نفعل قبل أن يتسلل الهاتف الذكي إلى أيدينا؟

والحقيقة أن الإبداع يحتاج إلى الفراغ وبل إلى الملل، فالإبداع يعمل حين لا نعمل. وحين نمل ونقع في مأزق أو نواجه تحدياً، تتشكل المساحة الذهنية المطلوبة للإتيان بجديد والتي لطالما نما فيها نتاج المفكرين والروائيين والمبدعين في كل العصور. وما يفعله الهاتف أنه يتركك في وضع الانشغال الوهمي الدائم، إذ يملأ المساحات الخصبة لنمو الإبداع وتوليد الأفكار (لحظات الانتظار أو الملل أو الشرود)، فتُحتل كل اللحظات ويغدو كل شيء متشبعاً بقسوة، في حين أن الإبداع يتطلب لحظات من الصمت ومساحة من الفراغ تتشكل فيها الأفكار الخلاقة.

وفي كل مرة تشعر بالضجر وتمد بصرك نحو الشاشة، الدماغ لا يعطى الوقت الكافي للعمل بصورة خلاقة ويستبدلها بالتمرير اللانهائي، لتسقط في فجوة الاستهلاك المستمر للمحتوى من كل صوب.

تشير فرضية "استنزاف الدماغ" إلى أنه حتى عندما ينجح الناس في الحفاظ على الانتباه المستمر، فإنه مجرد وجود الهاتف الذكي، وإن كان مغلقاً أو غير مستخدم، يمكن أن يشغل موارد معرفية محدودة السعة، مما يقلل من القدرة الإدراكية المتاحة للمهمات الأخرى، ويضعف الأداء المعرفي العام مثل حل المشكلات والإبداع، والأخطر أنه يضعف الذاكرة العاملة (عضلة الإبداع الأساسية) فتنهك وتستنزف وتقل طاقتها الاستيعابية وكأنها تعمل تحت الحصار.

والأكيد أن الإبداع كنتاج طبيعي للتفاعل العميق بين التركيز والملل البناء والتأمل، يحتاج بيئة خاصة خالية من التشتت لتحقيق اندماج هذه العناصر وتفاعلها. ووجود الهاتف الذكي إلى جانبك يعني أنك متاح دائماً للمقاطعة وبالتالي للتشتت، وفي كل مرة تطاوع عقلك وتسمح له بالتنقل بين التطبيقات لتفقد الإشعارات ثم الانخطاف في هذا العالم، أنت حرفياً تبرمج دماغك ليعتاد على التشتت بعيداً من التدفق الذهني، الحال التي يتغذى عليها نتاج الإبداع، وبالتالي يقاوم التركيز العميق، ويبدأ البحث عن التحفيز السريع السطحي لسد فراغات الملل بدلاً من إتاحة هذه المساحة لتجلي الإبداع.

ومع الوقت، تتآكل القدرة على التركيز والتفكير العميق، فنحن لا نتحدث هنا عن مهارة ثابتة، بل عن عملية ذهنية تحتاج إلى تدريب مستمر وتحفيز وتطوير، ومع الاستخدام المفرط للهاتف الذكي تضمر عضلة التركيز والتفكير بعمق.

الإبداع المكلف

ولا يخفى على أحد مبدأ عمل التطبيقات الاجتماعية القائم على جذب انتباهنا إلى أطول وقت ممكن، باستخدام مفهوم حلقة الدوبامين وتحفيز المتعة الفورية بتقديم دفعات صغيرة ودائمة من أردأ أنواع الدوبامين على الإطلاق. هذه السرعة والسهولة والتكرار في التعرض للدوبامين، تجعل الدماغ يفقد صبره ويبدأ بمقاومة أي نوع من الأعمال الطويلة التي تتطلب القليل من الجهد مثل التفكير العميق والكتابة والقراءة والرسم وغيرها.

ومع الوقت، يصبح الإبداع الذي يفترض أن يكون حالة طبيعية ومتدفقة عند الإنسان، مكلفاً على المستوى النفسي مقارنة بما يقدمه الهاتف من محتوى يتطلب الاستهلاك فقط، حين تعتاد على استهلاك محتوى سريع مصمم خصيصاً لجذب انتباهك ومتجدد على مدار الوقت. هذا يعني أن جهازك العصبي جرى تدريبه على تفضيل السهولة، فيبدأ الدماغ بالبحث عن نشاط يمنحه نفس الدرجة من الإيقاع والمستوى من التحفيز، فتبدو الأعمال الإبداعية المقرونة بالتفكير العميق بطيئة ومتعبة ومن دون أي مكافأة فورية.

هنا تحديداً يحدث تحول خطير في عقلية الإنسان من صانع إلى مستهلك.

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومع هذا الإشباع المستمر، يحدث نوع من التخدير الإبداعي. فالتعرض يومياً لآلاف الصور والأفكار والتفاعل معها افتراضياً يخلق وهماً بالمعرفة والإنجاز، الأمر الذي يوحي لنا بأننا نستلهم، فنشعر أننا قريبون من الإبداع لأننا نراه باستمرار، في حين أننا في الواقع نبتعد منه تدريجاً، لأننا لا نمارسه حقاً.

وفي غمرة الاستهلاك المزمن لمحتوى الآخرين، يخفت صوتنا الداخلي وتتلاشى بصمتنا وتختفي طريقتنا الفريدة في رؤية العالم، فتتشابه الأفكار وتتكرر الأساليب في عالم من الضجيج الرقمي المتراكم.

ومما لا شك فيه، أن الإبداع يحتاج إنتاجاً لا مشاهدة فحسب، والاستلهام الحقيقي يحدث حين يترسب ما نراه ونتفاعل معه في أعماقنا ثم يمتزج مع تجربتنا الشخصية ليخرج في صورة جديدة تماماً. لكن هذه العملية تحتاج وقتاً خاصاً وصمتاً بعيداً من التدفق المستمر للمحتوى، وإلا حتى حين نحاول الإبداع، سيظل ما يخرج منا صدى لما نراه لا بصمة فريدة، فنفكر كما تفكر الحسابات التي نتابعها ونصمم كما يصممون ونكتب بنبرة المنصة التي نستهلك محتواها، فنغدو نسخاً متطابقة خالية من الأصالة والتجدد الفكري.

والحقيقة أن هذا التأثير يمتد على شخصيتنا فتصبح قراراتنا مع الوقت سطحية وأفكارنا مكررة، ويعتاد العقل على تفضيل السرعة والسطحية على التأني والعمق. كذلك تتغير نوعية الأفكار وجودة التفكير ذاته، إذ في حين أن الهاتف الذكي لا يمنعك مباشرة من التفكير، إلا أنه يعيد برمجة طريقة تفكيرك وجودة أفكارك، بحيث يصبح الإبداع مطلباً مرهقاً بدلاً من كونه فعلاً طبيعياً.

وتشير دراسات عدة إلى أن القدرة على معالجة المعلومات المعقدة تراجعت، وأي عملية طويلة مثل القراءة على سبيل المثال أصبحت مرهقة، بل إن الجلوس بصحبة فكرة واحدة لوقت طويل يبدو شبه مستحيل، في حين أن جوهر العملية الإبداعية، يبنى على عنصر الزمن الممتد بحضور فكرة تتطلب التحليل والتفكيك والشك وإعادة التشكيل من جديد.

التعامل مع الإدمان لا يعني التخلي عن الهاتف الذكي، بل إعادة تعريف العلاقة معه والوعي بطريقة استخدامه، عن طريق تقليل التنبيهات المشتتة إلى الحد الأدنى وتخصيص أوقات خالية منه تماماً، بخاصة في الصباح الباكر وقبل النوم. إذ يجب أن نعتاد على ترك أنفسنا تسبح في المساحات البيضاء غير المشغولة من دون قلق، ومن دون محاولة ملء الفراغ بصورة متعمدة، والأهم العمل في أسرع وقت على استبدال عادة التصفح بعادة أخرى كالمشي والقراءة.

وفي النهاية، يظل الهاتف الذكي أداة قوية تعتمد قيمتها بصورة مباشرة على كيفية استخدامها، ومن الجيد هنا تذكير أنفسنا مراراً وتكراراً بمسؤوليتنا اتجاه حضورنا الأصيل، وعدم السماح له أن يكون وسيطاً يحجب بيننا وبين عالمنا الداخلي.