السوشال ميديا السورية.. حين تتحول الشاشات إلى محاكم بلا عدالة

المصدر : الثورة | الأربعاء , 04 تشرين الثاني | : 22

منذ سنوات، يعيش السوريون تحت وطأة حرب لم تقتصر آثارها على الخراب المادي، بل امتدت إلى العلاقات الاجتماعية والقيم التي كانت تحفظ تماسك المجتمع وفي خضم هذا الواقع، كان يُفترض أن تكون وسائل التواصل الاجتماعي مساحة للتواصل وتبادل المعرفة وتقريب المسافات بين السوريين، لكنها تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحة مفتوحة للتشهير، وتصفية الحسابات، وانتهاك الخصوصيات!

الخلاف في الرأي ليس أزمة، بل هو أحد مظاهر الحياة الطبيعية، الأزمة تبدأ عندما يصبح الاختلاف ذريعة لإسقاط الأخلاق، وعندما تتحول المنصات الرقمية إلى محاكم تصدر أحكامها دون دليل أو حق في الدفاع، يكفي اليوم أن يقع خلاف بين شخصين حتى تبدأ حملة من المقاطع المجتزأة، والتسجيلات، والصور الخاصة، التي تُنشر خارج سياقها لتصنع رواية قد لا تمت للحقيقة بصلة

الأخطر أن هذا السلوك تجاوز حدود النقد ليصل إلى الخوض في أعراض الناس، وكشف أسرار العائلات، واستغلال الحياة الخاصة لتحقيق الشهرة أو تصفية الحسابات، وفي حالات كثيرة، يتطور الأمر إلى ابتزاز مباشر، تُستخدم فيه الصور أو التسجيلات وسيلة للضغط والإذلال، في انتهاك واضح للأخلاق والقانون معاً.

المشكلة لا تقف عند من ينشر، بل تمتد إلى جمهور يشارك المحتوى ويتفاعل معه دون تحقق أو تروٍّ، بضغطة زر قد تتحول شائعة إلى قناعة عامة، وقد يتعرض شخص لإعدام معنوي لا يمحوه حتى ظهور الحقيقة لاحقاً. وهكذا تصبح المشاركة في النشر شكلاً من أشكال المساهمة في الظلم، حتى وإن جاءت بدافع الفضول!

لقد دفعت سنوات الحرب السوريين إلى المطالبة بالعدالة ورفض الظلم، لكن العدالة لا تتحقق عبر حملات التشهير، ولا عبر محاكم السوشيال ميديا التي تبني أحكامها على مقطع ناقص أو رواية أحادية. فالحقيقة لا تُختزل في منشور، وكرامة الإنسان لا ينبغي أن تكون مادة لجمع المشاهدات.

إن استمرار هذا المناخ يهدد ما تبقى من الثقة داخل المجتمع. فحين يخشى الناس أن تتحول أي زلة أو خلاف إلى فضيحة عامة، تتراجع الثقة، ويصبح الخوف بديلاً عن الحوار، والانتقام بديلاً عن القانون. والأسوأ أن هذا السلوك يرسخ ثقافة ترى في التشهير وسيلة مشروعة للانتصار، وفي انتهاك الخصوصية حقاً مكفولاً لكل من يمتلك هاتفاً وحساباً على الإنترنت.

ولا يعني ذلك الدعوة إلى الصمت عن الفساد أو التجاوزات، فالمساءلة ضرورة، لكن هناك فارق جوهري بين كشف قضية تخدم المصلحة العامة وفق معايير مهنية وأخلاقية، وبين تحويل الحياة الخاصة إلى سلعة يتداولها الناس بدافع الإثارة.

اليوم، يحتاج السوريون إلى إعادة النظر في طريقة تعاملهم مع الفضاء الرقمي، لأن المجتمع الذي أنهكته الحرب لا يحتمل مزيداً من الانقسامات التي تصنعها الشائعات وحملات التشهير. فكل منشور قبل أن يكون محتوى هو مسؤولية، وكل إعادة نشر قد تكون مشاركة في ظلم إنسان لا نعرف قصته كاملة.

لقد خسر السوريون الكثير، وسيكون مؤلماً أن يخسروا أيضاً ما تبقى من قيمهم الاجتماعية. فالمجتمعات لا تنهار بالسلاح وحده، بل تنهار عندما تصبح الكرامة مادة للتداول، والخصوصية وسيلة للابتزاز، والشماتة شكلاً من أشكال الترفيه. وما لم تُستعد أخلاقيات الحوار واحترام الإنسان، ستبقى وسائل التواصل أداة تعمّق الانقسام بدلاً من أن تكون جسراً نحو التعافي.