الندم والخيبة من "أوزمبيك": آثار جانبية لا نراها على "إنستغرام"
التوسع المتسارع في استخدام أدوية التنحيف حولها إلى تجربة سريعة وغير مسبوقة في مجال الصحة، يتحمل المرضى أخطارها، بينما يتعلم الأطباء آثارها تباعاً في قلب الممارسة اليومية. قصة إيميلي التي باتت تعاني شلل المعدة الدائم هي مثال على التأثيرات السلبية التي تطاول قلة غير محظوظة من المرضى.
كانت إيميلي في الـ33 من عمرها حين خضعت لفحصها الطبي السنوي عام 2018. خلافاً لغالبية النساء في جيلها، كانت تجد مشقة في مجاراة حيوية طلابها في مدرستها بمدينة تورونتو الكندية، إذ كانت آلام الركبتين والوركين تلازمها باستمرار، بينما بدا وزنها وكأنه قد أفلت تماماً من زمام سيطرتها. ومع بلوغها وزن 127 كيلوغراماً، أدركت أنها باتت تقف على أعتاب "نقطة اللاعودة". أصغى الطبيب إلى شكواها ملياً، ثم واجهها بالحقيقة المرة: لقد أظهرت الفحوص إصابتها بداء السكري من النوع الثاني، مما يستوجب تحركاً عاجلاً لإدخال المرض في مرحلة خمود.
لم تكن إيميلي تميل إلى التداوي بالعقاقير، ولكن صورة عمها كانت تلاحق مخيلتها، فقد أزهق السكري روحه في الخمسينيات من عمره بعدما أذاقه مرارة سلسلة من المضاعفات المضنية، كالتهاب المفاصل. أخذت إيميلي عهداً على نفسها بأن تفعل المستحيل لتلافي ذاك المصير، لذا حين زف إليها طبيبها خبر التصديق على دواء جديد وواعد لعلاج السكري، لم تكثر من طرح الأسئلة في شأنه. بالنسبة إليها وإلى كثر مثلها، بدا هذا العقار بمثابة "طوق نجاة"، وكان من الجنون أن تتجاهل فرصة كهذه.
أوضح لها الطبيب أن عقار "أوزمبيك" يمثل نقلة نوعية في مسار العلاج، فخلافاً للأدوية التقليدية من قبيل "ميتفورمين" metformin، لن تضطر إيميلي إلى التزام جرعة يومية، بل ستكفيها حقنة واحدة أسبوعياً. ولم تقتصر مزاياه على ضبط مستويات السكر في الدم فحسب، بل كان من المتوقع أن يسهم في خفض ضغط الدم، وتحفيز الجسم على إنتاج الكمية المثالية من الإنسولين، علاوة على قدرته المحتملة على إنقاص الوزن.
داهمها شعور بالغثيان على الفور تقريباً، مع أن طبيبها لم يشر إلى أي أعراض جانبية محتملة حين وصف لها العقار. وطوال اليومين أو الثلاثة التي تلي كل حقنة، كانت نوبات القيء المتكررة تنهك قواها، على رغم التزامها أدنى جرعة متاحة. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ سرعان ما بدأت تعاني نوبات صداع حادة، فبمجرد أن رفع الطبيب الجرعة إلى 0.5 مليغرام، امتثالاً لتعليمات الشركة الدنمركية المصنعة "نوفو نورديسك" باغتتها نوبات صداع نصفي مبرحة، لم يسبق أن كابدت مثلها.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومع مرور الوقت، بدأت حدة الصداع تتلاشى تدريجاً، وشعرت إيميلي أنها قادرة على التأقلم مع الغثيان بعدما انخفضت وتيرته، إذ لم يعد يلازمها طوال اليوم، بل غدا أشبه بما تتصوره عن "غثيان الحمل الصباحي". وعلى هذا الأساس، شرعت في إدخال تعديلات على روتينها الصباحي، فكانت تضبط منبهها قبل موعدها المعتاد بساعة كاملة، لتمنح نفسها وقتاً كافياً لنوبات القيء الصباحية الحتمية، قبل أن تمضي في يومها.
كانت إيميلي مستعدة لتحمّل الغثيان لأن مستويات السكر في دمها عادت إلى معدلاتها الطبيعية. وفوق ذلك، خسرت نحو 4.5 كيلوغرام. لكن الإحساس الدائم بالمرض استمر. اطمأنت قليلاً حين أكد لها طبيبها أن قدراً من الغثيان يُعد أمراً طبيعياً، غير أن الأعراض بدأت تؤثر في جودة حياتها. صحيح أن "أوزمبيك" جعلها تأكل أقل، لكنها بدأت تقلّص حصص الطعام أكثر فأكثر على أمل الحدّ من القيء. وبالفعل، آتت هذه الاستراتيجية ثمارها طوال 18 شهراً، شعرت خلالها إيميلي بسعادة غامرة لفقدانها نحو 36 كيلوغراماً من وزنها، ولكن هذه الفرحة لم تدم، إذ بدأت حينها معاناة جديدة مع تجشؤات كبريتية كريهة الرائحة.
أثناء الحصص الدراسية، كانت إيميلي تبذل قصارى جهدها لكتم تجشؤاتها، محاولة بصعوبة ابتلاع القيء المندفع من معدتها. بيد أن طلابها المراهقين بدأوا يتساءلون عن منشأ رائحة "البيض الفاسد" التي أخذت تفوح في أرجاء الفصل. وعندما تعود إلى المنزل، كان زوجها ينتقل بلطف من الأريكة إلى كرسي بعيد.
عاود إيميلي الشعور بالانتفاخ مجدداً، وإزاء الحرج من رد فعل تلاميذها وزوجها تجاه أعراضها الهضمية المستجدة، طرحت على طبيبها فكرة الإقلاع عن تناول العقار. بيد أنه حذرها مستنداً إلى أحدث الدراسات حول "أوزمبيك"، التي تشير نتائجها إلى ضرورة التزام المرضى الدواء لفترات طويلة، وذلك لضمان كبح مرض السكري والحؤول دون استعادة الوزن المفقود.
خسارة 36 كيلوغراماً من الوزن، أحدثت تحولاً جذرياً في حياة إيميلي نحو الأفضل، إذ فارقتها آلام الركبتين المضنية التي كانت تداهمها أثناء المشي، واستعادت ثقتها في نفسها، مما انعكس إيجاباً على تفاعلها مع تلاميذها وقدرتها على التواصل معهم بأسلوب إيجابي مختلف تماماً.
آثرت إيميلي الاستمرار في مسارها العلاجي وقررت الصبر على أعراض الدواء المزعجة، إلا أن الأمور اتخذت منحى أكثر سوءاً، فبعد عامين من استخدام حقن "أوزمبيك"، لم يعد القيء قاصراً على ساعات الصباح الأولى، بل صار يباغتها في ذروة العمل. وأثناء التدريس، كانت تتقيأ وتضطر إلى حبس القيء في فمها ريثما تجد زاوية متوارية داخل الفصل لتبصقه.
حجزت إيميلي موعداً جديداً مع طبيبها، ولكن حين وصفت له تلك التجشؤات الكبريتية ونوبات القيء التي باتت أشد حدة وتكراراً، لم يربط بين العارضين و"أوزمبيك". بدلاً من ذلك، أحالها إلى اختصاصي في الجهاز الهضمي شرع في تقصي احتمالية إصابتها بمتلازمة القولون العصبي.
وطلب الطبيب منها الخضوع لتنظير للقولون، ليشخص حالتها لاحقاً بأنها مصابة بـ"التهاب القولون المجهري". وإثر ذلك، تجنبت الأطعمة المحفزة للحموضة مثل صلصات الطماطم والثوم والبصل، وقلصت حجم وجباتها بدرجة أكبر.
طوال العامين التاليين، واصل الأطباء إجراء فحوص مكثفة لإيميلي من دون أن يعثروا على أي رابط بين تدهور حالتها وعقار "أوزمبيك". وفي سبتمبر (أيلول) 2022، أُدخلت المريضة المستشفى إثر إصابتها بجفاف شديد بعد نوبة قيء متواصلة استمرت 30 ساعة. في غرفة الانتظار، كان زوجها المذعور يبعث رسائل عاجلة إلى والديها، معبراً عن مخاوفه من أن زوجته ربما تلفظ أنفاسها الأخيرة، بعدما ظل يراقبها وهي تتقيأ مرات عدة يومياً، متشبثاً بأمل ضئيل بأنها ربما تواجه "إنفلونزا معوية" عابرة، ليس إلا. أجرى الأطباء مزيداً من الفحوص، وشخصوا حالتها بـ"متلازمة القيء الدوري" وهي حالة من القيء الشديد والمتكرر يصعب السيطرة عليها. ومع ذلك، لم يربط أحد حينها بين هذه الحالة و"أوزمبيك"، على رغم أن إيميلي كانت، في كل مرة تنقل فيها إلى قسم الطوارئ، تحرص على إبلاغ الطبيب المناوب بأنها تتناول هذا العقار.
الأدوية المضادة للغثيان التي وصفها لها الأطباء لم تجد نفعاً، ثم تناولت دواء "هالوبيريدول" Haloperidol، مضاد للذهان يستخدم لعلاج الفصام، ويعمل أيضاً على تعطيل الإشارات العصبية المتجهة إلى مركز القيء في النخاع المستطيل بالدماغ.
واصل وزن إيميلي الانخفاض بشكل ملحوظ، فقد فقدت نحو 23 كيلوغراماً خلال نوبات القيء المتكررة، ليصل وزنها إلى 68 كيلوغراماً، واضطرت إلى أخذ إجازة من العمل. ثم أحيلت إلى اختصاصي جهاز هضمي جديد، رجح أن تكون أعراضها مرتبطة بعقار "أوزمبيك". وأوضح لها أنه لاحظ خلال إجراء التنظير أن عدداً من مرضاه ما زال لديهم طعام غير مهضوم في المعدة، وهو أمر مستغرب طبياً، خصوصاً وأن المرضى يلتزمون عادة الصيام ثماني ساعات قبل الخضوع للفحص.
أبدى الطبيب قلقاً بالغاً حيال تقيؤ إيميلي طعاماً غير مهضوم، وظهور بقايا غذائية غير مهضومة أيضاً في برازها، مما يعطي مؤشراً صريحاً إلى تعطل وظائف الأمعاء وعجز الجسم عن امتصاص العناصر الغذائية. وبناء عليه، طلب منها التوقف فوراً عن استخدام "أوزمبيك"، والخضوع لاختبار تفريغ المعدة. فقد أراد أن يدرس سرعة مرور الطعام عبر الجهاز الهضمي. وجاءت النتائج لتؤكد أن حركة الجهاز الهضمي بطيئة إلى حد مفرط، مما كشف عن إصابة إيميلي بحالة مستجدة هي "شلل المعدة".
بحلول مطلع 2023، كانت إيميلي تتقيأ بما يصل إلى 200 مرة أسبوعياً. وانخفض وزنها إلى 59 كيلوغراماً، في أدنى وزن تصله منذ أن أصبحت راشدة. وبعد شهر، سمح لها مزيج من الأدوية القوية المصممة للسيطرة على القيء بالخروج من المستشفى. وتقلصت نوبات القيء لديها من 200 مرة أسبوعياً إلى 75 مرة. وعلى رغم هذا التقدم الملحوظ، بقيت تتقيأ بمعدل نحو 10 مرات يومياً.
بعد مرور شهر، في مارس (آذار) 2023، طلب منها طبيبها إجراء فحص طبي أخير: ابتلاع كبسولة ميكانيكية تتتبع مسار الجهاز الهضمي لتقييم مدى الضرر الذي أصاب أمعاءها. وأكد الفحص شكوك الطبيب: كانت حالة شلل المعدة لديها شديدة إلى درجة توقفت معها الأمعاء عن العمل تماماً.
لم تعد إيميلي قادرة على العمل. كانت تشعر بالحرج من رائحتها، ومن القيء المستمر، ومن مشكلات الأمعاء. صارت عاجزة عن تناول الأطعمة التي أحبتها سابقاً، حتى أن عشاءها تقلص إلى حجم لوح "غرانولا" تقريباً. ومع مرور الوقت، أصبحت أكثر عزلة، ولم تعد قادرة حتى على حضور عشاء عيد الميلاد العائلي خشية التقيؤ. كذلك أوضح لها طبيبها أن الضرر الكبير الذي لحق بجسدها يجعل احتمال تعافيها شبه معدوم، بنسبة 99 في المئة. وكل ما كان بوسعها فعله التكيف مع نمط حياتها الجديد، واستخدام الأدوية لمحاولة السيطرة على الأعراض.
اليوم، ترثي إيميلي حياتها ما قبل استخدامها "أوزمبيك". كانت تطمح إلى أن تصبح معلمة تصنع فارقاً في العالم، ولكنها تشعر الآن بأنها عبء مالي على زوجها، وغير قادرة على العمل. كثيراً ما تتذكر الحماسة التي غمرتها عند فقدان الوزن في بداية تناول الدواء. وتسأل نفسها الآن، أي عيب شاب جسدها السابق؟ لقد كان يؤدي وظائفه كما يجب، وكانت سعيدة.
تجد إيميلي عزاءها في مجموعة الدعم التي أسستها للمصابين بـ"شلل المعدة" نتيجة تناول "أوزمبيك" أو غيره من أدوية "جي أل بي- 1". تضم المجموعة حالياً نحو 500 عضو، وتحرص إيميلي على نصحهم وتوجيههم بأن النحافة ليست كل شيء، منتقدة المبالغة المجتمعية في تقدير "الوزن المثالي". وفي أوقات اليأس، تتساءل بمرارة عما فعلته لتستحق هذه الحياة. وحتى لو بدا الأمر مبتذلاً أو كليشيه، إلا أنها حين تسترجع صورتها القديمة تدرك أنها كانت تملك كل شيء.
في الحقيقة، تعلم الأطباء كثيراً في شأن "أوزمبيك" منذ إطلاقه للمرة الأولى. الآن، يصر كثر منهم على أن يبدأ المرضى برامج تمارين مقاومة تستهدف تقوية العضلات مع زيادة كبيرة في استهلاك البروتين، لمواجهة فقدان الكتلة العضلية. ويفضل آخرون إبقاء المرضى على أقل جرعة ممكنة لمساعدتهم على التكيف مع الآثار الجانبية، التي تخف غالباً خلال شهر من الحقنة الأولى. ومع ذلك، اضطر الأطباء إلى التعلم أثناء الممارسة، إذ شكل إطلاق أدوية "جي أل بي- 1" تجربة سريعة وغير مسبوقة في مجال الرعاية الصحية.
تثير قصة إيميلي تساؤلات حول تأثير هذه الأدوية في أقلية غير محظوظة من المستخدمين. فشأن عقاقير كثيرة، في الغالب لا تظهر الآثار الجانبية إلا بعد اختبار الدواء على نطاق سكاني واسع يشمل مرضى ربما يعانون حالات صحية كامنة أو عيوباً جينية تجعلهم أكثر عرضة للأضرار. كذلك تطرح قصتها معضلة أوسع تتعلق بأدوية "جي أل بي- 1"، إذ على رغم وجودها في السوق منذ أكثر من 20 عاماً، لم تخضع هذه الأدوية لاختبارات تشمل الجرعات المرتفعة المستخدمة اليوم في أدوية مثل "ويغوفي" و"زبباوند" Zepbound و"مونجارو" Mounjaro.
مقتطف من كتاب "خارج الميزان: القصة الحقيقية لأوزمبيك وسباق علاج السمنة" لآيمي دونيلان، الصادر عن دار "فورث إستيت".
© The Independent