“درع استقرار أسعار الطاقة السوري”.. آلية فعالة لصد التقلبات العالمية

المصدر : الثورة | الأربعاء , 23 أيلول | : 31

تواجه العديد من الدول المستوردة للنفط معضلة الاختيار بين السماح لانعكاس التذبذب السعري على أسعار الوقود، أو اللجوء إلى آليات -إن وجدت- لتخفيف حدة هذه الآثار، ونظراً لما لارتفاع أسعار الوقود من تداعيات اجتماعية وسياسية، تسعى حكومات عديدة لتجنب حدوثه؛ من خلال تبني سياسات تهدف إلى الحد من آثار الارتفاعات المؤقتة في أسعار النفط العالمية، وذلك للحيلولة دون انتقال أثرها إلى الأسواق المحلية.

كشفت دراسة أجرتها الوكالة الألمانية للتعاون الفني “جي آي زد” على عينة شملت 175 دولة، أن نحو نصف هذه الدول طبقت شكلاً من أشكال أنظمة الدعم للحيلولة دون التأثير المباشر والفوري لتذبذب أسعار النفط على الساحة المحلية، وشملت الآليات المستخدمة في هذا الصدد: الرقابة على الأسعار، أو التخفيضات الضريبية، أو تقليص إيرادات شركات النفط الحكومية، أو إنشاء صناديق لتحقيق استقرار أسعار الوقود، وتترتب على جميع هذه الأدوات تقريباً تكاليف مالية عامة، كما أنها تؤثر على آليات تخصيص الموارد في قطاع النفط.

اتسع مؤخرا نطاق حرب الطاقة في الشرق الأوسط ليشمل مرافق الإنتاج والتكرير والتصدير والغاز الطبيعي المسال، وتعرضت منشآت الطاقة في إيران والعراق والخليج لهجمات أو أُغلقت مؤقتًا كإجراء احترازي. ووفقًا لتقديرات نشرتها رويترز في مايو/أيار 2026، أدت الهجمات المرتبطة بالحربين في إيران وأوكرانيا إلى تعطيل ما يقرب من 9% من طاقة التكرير العالمية في إحدى مراحل الأزمة.

أضافت “حرب المضائق” بُعدًا آخر من المخاطر إلى أسواق الطاقة العالمية. في الظروف العادية، يمر ما يقارب خُمس إمدادات النفط العالمية عبر مضيق هرمز، إلى جانب كميات هائلة من الغاز الطبيعي المسال وعندما تتعرض الملاحة عبر المضيق للخطر أو تنخفض حركة ناقلات النفط، لا يقتصر التأثير على سعر النفط فحسب، بل ترتفع أيضًا رسوم الشحن وأقساط التأمين ونفقات التمويل والتكلفة المالية للتأخير.

ومع امتداد المخاطر إلى باب المندب والبحر الأحمر، باتت تجارة النفط محاصرة فعليًا بين مضيقين استراتيجيين، وارتفع سعر خام برنت فوق 100 دولار أمريكي للبرميل في سبتمبر 2026، بينما حذّر محللو الطاقة من أنه قد يصل إلى 120 دولارًا في حال استمرار الهجمات واضطرابات الشحن في الخليج وروسيا.

وتُعدّ سوريا أكثر عرضةً لهذه التطورات من الدول التي تمتلك إنتاجًا محليًا كافيًا، ومصافي نفط عاملة بكامل طاقتها، بينما مصفاة بانياس طاقتها 130 ألف برميل وتتعامل مع النفط الخفيف غير السوري فقط، وتحتاج 3 أشهر للصيانة، ومصفاة حمص متهالكة وستنقل إلى الفرقلس وتتعامل مع النفط السوري الثقيل بطاقة 30 ألف برميل يومياً، ومع عدم وجود احتياطيات استراتيجية كبيرة، لا زالت سوريا تعتمد على الواردات لتلبية نسبة كبيرة من احتياجاتها من الديزل والبنزين وغاز البترول المسال المنزلي.

يمكن لسوريا الاستفادة من تجربة بيرو التي بدأت عام 2004 بإنشاء صندوق لتحقيق الاستقرار في أسعار المنتجات النفطية، وقد أرسى النموذج البيروفي “نطاقاً سعرياً” لكل منتج مشمول بالآلية، يتألف من حد أدنى وحد أقصى، مع مقارنة هذا النطاق بسعر مرجعي يعكس تكلفة الاستيراد (سعر تعادل الاستيراد) وعندما كان السعر المرجعي يتجاوز الحد الأقصى، كان الصندوق يعوّض المستوردين أو المنتجين عن جزء من الفرق، مما يحول دون انتقال الصدمة السعرية بالكامل وبشكل فوري إلى المستهلكين. 

أما عندما كان السعر المرجعي ينخفض ​​دون الحد الأدنى، فكان يتم تحصيل الفرق وتحويله إلى الصندوق لإعادة بناء احتياطياته، ولم تكن هناك حاجة لأي دفع أو مساهمة مالية طالما ظل السعر ضمن نطاق التذبذب المحدد.

لقد نجحت الآلية البيروفية في إبطاء انتقال تقلبات الأسعار الدولية إلى الأسعار المحلية ومع ذلك، فقد كشفت التجربة أيضاً عن خطر كبير؛ إذ تحول ما بدأ كإجراء مؤقت تدريجياً إلى أداة مستمرة تعتمد على التمويل الحكومي فقد بلغت التحويلات الميزانية إلى الصندوق البيروفي ما يقرب من 25 مليار دولار أمريكي بحلول نهاية عام 2011، حيث ظلت الأسعار الدولية مرتفعة لفترات طويلة بينما تأخر تعديل نطاقات الأسعار المحلية ونتيجة لذلك، تحول الصندوق من آلية لتوزيع أثر الصدمات على فترات زمنية متباعدة إلى أداة لدعم الأسعار (دعم حكومي) مفتوحة الأجل.

ولهذا السبب، أقترح إنشاء “درع استقرار أسعار الطاقة السوري” بموجب قانون مؤقت تنتهي صلاحيته تلقائياً في 31 ديسمبر 2030 ويجب ألا يكون هذا القانون قابلاً للتمديد بقرار تنفيذي أو وزاري؛ بل ينبغي أن يتطلب أي تمديدٍ له قانوناً جديداً، مدعوماً بتقييم مستقل لنتائجه المالية والاقتصادية والاجتماعية.

سيقوم “الدرع السوري” بتحديد نطاق سعري شهري عن طريق اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية لكل من الديزل والبنزين وغاز البترول المسال المنزلي، وذلك استناداً إلى متوسط ​​تكلفة الاستيراد خلال الأيام الثلاثين السابقة وعندما تتجاوز التكلفة الحد الأقصى، يتحمل الصندوق جزءاً من الزيادة – وليس كلها – للحيلولة دون حدوث صدمة سعرية مفاجئة أما إذا استمر ارتفاع الأسعار لأكثر من ثلاثة أشهر، فيتم تعديل الأسعار المحلية تدريجياً لتجنب استنزاف موارد الصندوق. 

ينبغي إعطاء الأولوية لوقود الديزل المستخدم في قطاعات النقل العام، والمخابز، والزراعة، والتدفئة، والصناعة، وتوليد الكهرباء أما دعم البنزين فيجب أن يكون نطاقه أضيق؛ لأن الدعم العام للبنزين يصب بشكل غير متناسب في مصلحة مالكي المركبات والمستهلكين ذوي الاستهلاك المرتفع، بدلاً من الأسر ذات الدخل المحدود.

ويمكن تمويل “آلية الحماية” (الدرع) من خلال حصة من الإيرادات النفطية الفائضة (التي تتجاوز السعر المرجعي المعتمد في موازنة الدولة)، وجزء من أرباح الصندوق السيادي، ومساهمات محدودة من فوائض المؤسسات العامة والبلديات، وعوائد استثمار احتياطيات الآلية نفسها، كما يمكن تعزيز قدرتها المالية عبر عقود توريد طويلة الأجل، ومخزونات وقود استراتيجية، وآليات مرنة للتحوط المالي متعددة الشرائح. تساهم أدوات التحوط و”خيارات الشراء” في استقرار أسعار الوقود للمستهلكين طوال فترة التحوط، وهو ما يُعد هدفاً من أهداف السياسة الاقتصادية.

ولتجنب تكرار أوجه القصور التي شابت تجربة بيرو، ينبغي أن يفرض القانون سقفاً سنوياً واضحاً للتدخل، ويحظر الاقتراض لتمويل الدعم، ويمنع تراكم الالتزامات غير المسددة للموردين، ويُلزم بإصدار تقرير عام شهري يكشف عن الأسعار المرجعية، والكميات المشمولة بالدعم، وقيمة التعويض لكل لتر، والرصيد المتبقي في الصندوق.

إن الهدف ليس بيع الطاقة بأقل من تكلفتها الحقيقية إلى ما لا نهاية، بل حماية المواطنين والاقتصاد من صدمات الأسعار المفاجئة، خاصةً في زمن التعافي الاقتصادي وأكثر من نصف سوريا تحت خط الفقر، مع منح سوريا الوقت الكافي لاستعادة قدراتها في الإنتاج المحلي والتكرير وتكوين الاحتياطيات الاستراتيجية وتأمين طرق الإمداد.

وبحلول نهاية عام 2030، ينبغي أن تكون سوريا قد انتقلت من نظام الدعم الشامل للأسعار إلى نظام الدعم الموجه للدخل وقطاعات النقل والإنتاج، ومن مجرد الاستجابة لأزمات الطاقة بعد وقوعها إلى إدارة مخاطر الطاقة قبل أن تصل تكلفتها إلى المواطن السوري.