العلاقات السورية الأردنية أمام اختبار السيادة وحسن الجوار

المصدر : الثورة | الخميس , 29 تشرين الأول | : 31

ليست قوة العلاقات بين الدول في قدرتها على تجنب الأزمات فحسب، بل في قدرتها على إدارتها حين تقع، وفي امتلاكها من الحكمة والمسؤولية ما يحول دون انتقال الخلافات العابرة إلى أزمات عميقة تمس مصالح الشعوب ومستقبلها. من هذا المنطلق، تكتسب التطورات الأخيرة بين سوريا والأردن أهمية سياسية تتجاوز حدود الحادثة الأمنية، وتضع أمام البلدين اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الشراكة التي أُعلن عنها مؤخراً على الصمود أمام التحديات الميدانية.

فبعد أيام قليلة من إعلان دمشق وعمّان التوجه نحو شراكة استراتيجية واسعة، شهدت المنطقة تطورات مؤلمة بدأت بالاعتداء الإرهابي على كنيسة في محافظة الكرك الأردنية، وما خلّفه من ضحايا أبرياء، ثم أعقبته غارات جوية أردنية داخل الأراضي السورية، أسفرت وفق البيان الرسمي السوري عن سقوط شهداء وجرحى، بينهم مدنيون وأطفال، دون تنسيق مسبق مع الجانب السوري.

وهنا يبرز السؤال الأهم: كيف يمكن للبلدين حماية أمنهما المشترك ومواجهة التهديدات العابرة للحدود دون المساس بالسيادة الوطنية أو تعريض المدنيين للخطر؟ لا خلاف على حق الدول في حماية أمنها ومواطنيها ومواجهة التهديدات الإرهابية، لكن هذا الحق لا يمكن فصله عن الالتزامات القانونية والإنسانية التي تحكم العلاقات بين الدول.

فاحترام السيادة الوطنية ركيزة أساسية للاستقرار الإقليمي، ولا سيما بين دولتين جارتين تجمعهما حدود طويلة وعلاقات تاريخية ومصالح أمنية واقتصادية واجتماعية متشابكة. وتزداد أهمية هذه المسألة في الحالة السورية، حيث تعمل الدولة على استعادة مؤسساتها وتعزيز قدرتها على ضبط أراضيها وحدودها بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام.

ومن هنا، فإن أي تحرك عسكري داخل الأراضي السورية دون تنسيق مع مؤسسات الدولة يثير إشكالية تتجاوز نتائجه الميدانية المباشرة إلى ما يحمله من انعكاسات على الثقة السياسية ومستقبل التعاون الأمني.

كما أن التباين بين التصريحات الأردنية بشأن عدم ثبوت ارتباط خارجي لمنفذي الاعتداء على الكنيسة، وبين التبريرات المعلنة للغارات، يطرح تساؤلات مشروعة تستدعي توضيحات رسمية وتحقيقاً شفافاً يحدد الوقائع والمسؤوليات بعيداً عن الاستنتاجات المتسرعة.

وسط الحسابات الأمنية والسياسية، ينبغي ألا تضيع الحقيقة الإنسانية الأكثر إيلاماً، وهي أن المدنيين، وفي مقدمتهم النساء والأطفال، يدفعون في كثير من الأحيان أثماناً لا علاقة لهم بصناعة أسبابها. فالطفل الذي يفقد حياته، والأم التي تفقد أبناءها، والأسرة التي تتحول حياتها إلى مأساة، لا يمكن اختزال معاناتهم في بيان سياسي أو تبرير أمني.

لقد عانى الشعب السوري طويلاً من ويلات الحرب والعنف والخوف، ولم يعد يحتمل أن تتجدد مآسيه تحت أي عنوان. وفي المقابل، فإن أرواح الأبرياء الذين سقطوا في الاعتداء على الكنيسة الأردنية لا تقل حرمة أو قيمة، فالإرهاب الذي يستهدف دور العبادة والمدنيين جريمة تستوجب الإدانة والمحاسبة أياً كان مرتكبها.

عكس التفاهمات السورية الأردنية الأخيرة إدراكاً متبادلاً لأهمية الانتقال بالعلاقات الثنائية إلى مستوى أكثر تنظيماً وتكاملاً. فملفات أمن الحدود ومكافحة التهريب والطاقة والمياه والنقل والتبادل الاقتصادي تمثل مصالح حيوية للبلدين، وتفرض عليهما بناء آليات تعاون مؤسسية قادرة على الاستمرار رغم المتغيرات.

ولعل المفارقة السياسية أن الأزمة الأخيرة جاءت في وقت كان فيه الجانبان يستعدان لاستكمال مسار التنسيق المشترك، الأمر الذي يجعل احتواء تداعياتها ضرورة تتجاوز الرغبة في تهدئة الموقف إلى حماية مصالح استراتيجية بعيدة المدى.فالشراكات الحقيقية ليست عند توقيع الاتفاقيات وإصدار البيانات المشتركة، وإنما عند أول اختلاف في تقدير المصالح أو إدارة التهديدات.

تبدو أمام دمشق وعمّان عدة مسارات محتملة، تبدأ باحتواء الأزمة عبر الاتصالات السياسية والدبلوماسية، وقد تتطور إلى مراجعة آليات التنسيق الأمني والعسكري المشترك بما يمنع تكرار العمليات الأحادية ويضمن التعامل مع التهديدات الحدودية وفق إجراءات واضحة ومتفق عليها.

أما استمرار الغموض بشأن ملابسات الحادثة أو تكرار العمليات العسكرية، فقد يفتح الباب أمام توترات سياسية وإعلامية لا تخدم استقرار البلدين ولا مصالح شعبيهما. وهنا تبرز أهمية التحقيقات المشتركة وتبادل المعلومات وتحديد المسؤوليات، إلى جانب ضرورة ضبط الخطاب الإعلامي ومنع تحويل الحادثة إلى مادة للتحريض أو إثارة العداء بين الشعبين.

إن التمسك بالسيادة السورية ورفض المساس بأرواح المدنيين لا يتعارضان مع الحرص على العلاقات الأخوية مع المملكة الأردنية الهاشمية، بل إن احترام هذه المبادئ هو الضمانة الحقيقية لبناء علاقات متوازنة ومستقرة. وفي هذه المرحلة الحساسة التي تمر بها سوريا والمنطقة، تبرز الحاجة إلى خطاب سياسي مسؤول يرفض الاعتداءات ويحمي الحقوق، لكنه لا ينجرف إلى التصعيد أو يسمح بتحويل الخلافات بين الحكومات إلى خصومات بين الشعوب.

ومن المهم أن تتحول هذه الحادثة إلى مناسبة لمراجعة أدوات التعاون المشترك، وتطوير قواعد واضحة للتعامل مع التحديات الأمنية، وترسيخ مبدأ أن حماية الحدود ومكافحة الإرهاب مسؤولية مشتركة لا تنفصل عن احترام سيادة الدول وحماية حياة الإنسان.

إن سوريا التي تسعى اليوم إلى بناء دولتها واستعادة عافيتها تحتاج إلى علاقات إقليمية قائمة على الاحترام المتبادل والثقة والمصالح المشتركة، كما تحتاج إلى موقف واضح لا يساوم على سيادتها ولا يتهاون في حماية مواطنيها.

وفي نهاية المطاف، لن يكون النجاح الحقيقي في تجاوز هذه الأزمة بمجرد تهدئة التصريحات أو احتواء تداعياتها الآنية، بل في قدرة البلدين على تحويل هذا الاختبار الصعب إلى قواعد تعاون أكثر وضوحاً وصلابة. فالجوار قدر جغرافي، أما حسن الجوار فهو قرار سياسي وأخلاقي تصنعه الحكمة وتحميه المؤسسات ويستفيد منه الشعبان. ويبقى الإنسان، بكرامته وأمنه وحقه في الحياة، الغاية التي ينبغي أن تتقدم على كل الحسابات.