قبل أن يفاجئنا المستقبل

المصدر : الثورة | الثلاثاء , 13 تشرين الأول | : 75

لعل أكثر ما يرهق الإنسان في هذه الأيام ليس ما يحدث حوله فحسب، بل ما يخشى أن يحدث غداً. فما إن يطمئن إلى أمر حتى يفاجئه آخر، وما إن يضع خطة ما حتى تتغير بعض المعطيات التي بنى عليها حساباته. وبين اضطراب الاقتصاد، وتسارع التقنية، وتقلّب أحوال العالم، يجد كثيرون أنفسهم أمام سؤال لا يفارقهم: كيف نخطط لمستقبل لا نعرف ما يخبئه لنا؟

وليس هذا القلق حكراً على الأفراد وحدهم؛ فالمؤسسات والشركات، بل والدول، تواجه السؤال نفسه، وإن اختلفت أحجام المسؤوليات وتبعات القرارات. ولعل الأرقام تعكس شيئاً من هذا الشعور العام؛ ففي تقرير المخاطر العالمية لعام 2026، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، رأى نصف الخبراء المشاركين في الاستطلاع أن العالم مقبل على عامين مضطربين أو شديدَي الاضطراب، ولم يتوقع الهدوء سوى واحد في المئة منهم.

وهي تقديرات تعكس تصورات الخبراء للمخاطر، لا تنبؤات حتمية بما سيقع، لكنها تكشف مقدار القلق الذي بات يحيط بالنظر إلى المستقبل. ومع ذلك، فإن أشد ما نحتاج إليه في زمن كهذا ليس مزيداً من القلق، وإنما أن نتعلم كيف نفكر فيما هو آت.

بين التوكل وحسن التدبير

في سورة يوسف مشهد يستحق أن نتأمله طويلاً، لا من جهة العبرة الإيمانية وحدها، بل من جهة ما يحمله من بصيرة في تدبير المستقبل. فحين عرض يوسف عليه السلام تأويل رؤيا الملك، لم يكتف بالإخبار عن سبع سنوات من الخصب تعقبها سبع شداد، وإنما قدّم تدبيراً عملياً للسنوات المقبلة: زيادة الإنتاج في زمن السعة، وحفظ الفائض، وترشيد الاستهلاك، والاستعداد لأيام الشدة قبل حلولها.

لم تكن سنوات الرخاء، في هذا التدبير، مناسبة للاطمئنان والغفلة، بل فرصة لبناء القدرة على مواجهة ما بعدها. ولعل في القصة معنى يتجاوز زمانها: أنّ الاستعداد للمستقبل يبدأ في كثير من الأحوال في اللحظة التي لا نشعر فيها بالحاجة إلى الاستعداد. وهنا يلتقي حسن التدبير بمعنى التوكل؛ فالإيمان بأن الغيب لله لا يعفينا من النظر في الأسباب، ولا يجعل التخطيط اعتراضاً على القدر.

نحن لا نملك ضمان النتائج، لكننا نملك أن نبذل وسعنا في فهم الواقع، وتقدير الاحتمالات، والأخذ بما نستطيع من أسباب. فالطمأنينة ليست أن نضمن ما سيحدث، بل أن نؤدي ما علينا دون أن يستبد بنا الخوف مما لا نملك.

اعتاد الناس أن يسألوا: ماذا سيحدث في المستقبل؟ لكن السؤال الأجدى – من وجهة نظري – في كثير من الأحيان هو: ماذا لو حدث غير ما نتوقع؟ وهذا هو جوهر التفكير بالسيناريوهات؛ ألا نرهن قراراتنا بصورة واحدة للغد، وإنما نتأمل عدداً من المسارات الممكنة، ونسأل كيف نستعد لكل منها.

ومن التجارب المعروفة في هذا المجال تجربة شركة “شل” النفطية، التي بدأت تطوير السيناريوهات في أوائل سبعينيات القرن الماضي. ففي وقت كان فيه استمرار تدفق النفط يبدو افتراضاً مريحاً لكثيرين، تناولت سيناريوهات الشركة احتمال حدوث اضطراب كبير في الإمدادات. وحين وقعت أزمة النفط عام 1973، ساعدها ذلك الاستعداد على سرعة الاستجابة مقارنة بمنافسين آخرين.

لم تكن الشركة قد عرفت الغيب، وإنما أخذت احتمالاً غير مريح على محمل الجد قبل أن يصبح واقعاً. وهذا هو الفارق بين التنبؤ والاستشراف. فالأول يحاول أن يخبرنا بما سيحدث، أما الثاني فيوسّع مداركنا لما يمكن أن يحدث، حتى لا تفاجئنا الاحتمالات التي كان بوسعنا التفكير فيها.

وليس المقصود أن نتخيل كل كارثة ممكنة، أو أن نحول حياتنا إلى سلسلة من المخاوف. بل أن نطرح أسئلة معقولة: ماذا لو تغيرت ظروف العمل؟ ماذا لو ظهرت تقنية جديدة؟ ماذا لو تراجعت الموارد؟ وماذا لو انفتحت فرصة لم تكن في الحسبان؟ فالتفكير في الاحتمالات لا يهدف إلى زيادة القلق، بل إلى تقليل العجز حين تتغير الظروف.

يبدأ الأمر من حياتنا الصغيرة

قد تبدو السيناريوهات والتخطيط للمستقبل شأناً يخص الحكومات والشركات الكبرى، لكنها أقرب إلى حياتنا مما نظن. فالشاب الذي يتعلم مهارة إضافية، وهو لا يزال مستقراً في عمله، إنما يوسّع خياراته للمستقبل. والأسرة التي تدخر شيئاً لأيام الحاجة لا تتوقع المصيبة، وإنما تحسن الاستعداد لتقلب الأحوال. وصاحب المشروع الذي يفكر في أكثر من مصدر للدخل لا يفترض فشل مشروعه، بل يحاول ألا يجعل مصيره مرهوناً باحتمال واحد.

وفي المقابل، كم من إنسان ظل يؤجل الاستعداد حتى اضطر إلى التغيير، فاكتشف أن ما كان يمكن بناؤه بهدوء خلال سنوات صار مطلوباً منه إنجازه على عجل! وليس معنى ذلك أن نعيش أسرى الخطط والجداول والقوالب الجامدة؛ فالحياة أوسع من أن تُختزل في خطة، وبعض أجمل فرصها يأتي على غير موعد. لكن الاستعداد يمنحنا قدرة أكبر على التقاط تلك الفرص حين تمر. فالفرصة لا تكفي وحدها؛ لا بد من قدرة تلتقي بها في منتصف الطريق.

حين يصبح الاستشراف شأناً وطنياً

وإذا كان هذا مطلوباً من الفرد، فهو أشد إلحاحاً في المؤسسات والدول؛ إذ لا تتوقف آثار القرار العام عند صاحبه، بل تمتد إلى حياة الناس ومواردهم ومستقبل أبنائهم. وفي سوريا، حيث تتزاحم تحديات البناء والتعافي مع فرص التغيير والتطوير، تزداد الحاجة إلى هذا النمط من التفكير. فحين نخطط للتعليم، مثلاً، لا يكفي أن نسأل عن عدد المدارس التي نحتاج إليها اليوم، بل ينبغي أن نسأل أيضاً عن المهارات التي سيحتاج إليها طلابها بعد عشر سنوات.

وحين نفكر في الاقتصاد والاستثمار، لا يكفي أن نعالج اختناقات الحاضر، بل علينا أن نتأمل التحولات التقنية والأسواق الناشئة والفرص التي قد تتشكل من حولنا. وهذا يقتضي أن تصبح لدى المؤسسات قدرة على التقاط الإشارات المبكرة للتغيير، ودراسة البدائل، وبناء السيناريوهات، ومراجعة الخطط كلما تغيرت المعطيات؛ لا أن تظل أسيرة افتراضات وُضعت في ظروف لم تعد قائمة. فالخطة الجيدة ليست تلك التي لا تتغير، بل التي تعرف ما الذي ينبغي الحفاظ عليه، وما الذي يجب تعديله، ومتى يحين وقت التعديل.

ومن الخطأ أيضاً أن نحصر الاستشراف في توقع المخاطر؛ فالمستقبل يحمل فرصاً كما يحمل تحديات، وقد تنشأ من بعض الأزمات دوافع للتجديد، ومن ندرة الموارد ابتكارات لم تكن لتظهر في ظروف الرخاء. لكن تحويل التحدي إلى فرصة ليس نتيجة تلقائية للشدة، وإنما ثمرة فهم وعمل وقرار في الوقت المناسب.

أن نستعد للغد دون أن نخافه

ليس المطلوب، إذاً، أن نعرف المستقبل قبل أن يأتي، فهذا ما لا يملكه أحد. ولا أن ننشغل به حتى نفقد قدرتنا على عيش الحاضر. إنما المطلوب أن نخرج من أسر ردود الأفعال، وأن نمنح أنفسنا ومؤسساتنا فسحة للتفكير فيما وراء المشاغل العاجلة؛ فنرى الاحتمالات قبل أن تضيق الخيارات، ونبني القدرات قبل أن تشتد الحاجة إليها، ونتهيأ للفرص قبل أن تمر بنا.

ولعل أجمل ما في التفكير بالمستقبل أنه يعيد إلينا شيئاً من قدرتنا على الفعل. فبدل أن نظل نسأل بقلق: ماذا سيفعل بنا الغد؟ نستطيع أن نسأل بثقة أكثر وتواضع لا يقل عنها: ماذا يمكن أن نفعل اليوم لنكون أقدر على استقبال الغد؟ فالمستقبل لا ينتظر حتى نستعد له. لكنه كثيراً ما يكافئ من أحسن الاستعداد.