هل الشهرة فضيحة؟

المصدر : الثورة | الأربعاء , 02 أيلول | : 77

أثناء تناول طعام الغداء نشبت المعركة التقليدية مع ابنتي نايا. هي تريد أن تتابع مشاهدة أفلام الكرتون على التلفاز وأنا أريدها أن تتفرغ لتناول الطعام. في البداية اقترحت حلاً وسطاً يتمثل بخفض الصوت الى الحدود الدنيا. لكن بعد قليل غيّرت رأيي لسببين، أولهما أنها استغرقت بمتابعة التلفاز أكثر من الأكل. أما السبب الثاني فهو أن التلفاز قبالتي فاضطررت لمتابعة فيلم “مستر بين” الكرتوني معها. 

حيث هناك شركة حولته إلى شخصية كرتونية و نسجت على منوال أعماله. اكتشفت أني لم أعد أحتمل مجرد النظر إلى وجهه مع أني في الماضي ضحكت حتى طقت خواصري على أفلامه. سألت نفسي عن سبب هذا التبدل؟ لم أجد لذلك سبباً واضحاً سوى أنه بات متداولا فوق الحد المحتمل. أي بتعابير طبية تناولت جرعة مُفرطة over dose.فقد شاهدت أغلب أعماله على سي دي ثم على المحطات. وأخيراً جاءت الجرعة الزائدة مع أفلام الكرتون التي يتابعها أولادي. فوصلت حد الاشباع ثم دخلت في الجرعة السمية.

قبل أشهر كنت أقرأ قصيدة البحتري البديعة في وصف الربيع حتى وصلت إلى البيت الشهير “أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا من الحسن حتى كاد أن يتكلما”، فتوقفت عنده. هذا البيت تحديداً فتك به ذات مرة دريد لحام في أحد أعماله الكوميدية. فحفظه كل الناس. لم يرتق البيت الذي ردده دريد لحام في ذلك المسلسل بذائقة الناس الجمالية. بل انحط البيت الشعري إلى مستوى العامة وتحول إلى سبب للضحك. فردده كل من هب ودب على سبيل التندر والضحك الرخيص بلا هدف. فعافت نفسي البيت و القصيدة.

ذات عام في النصف الأول من الثمانينات زار الشاعر الداغستاني الرائع رسول حمزاتوف دمشق فانطلق كتاب الشعر السوريين يقلدونه و بات كتاب الاعمدة يستشهدون به “على الطالعة و على النازلة”، و لسنوات لم تخل الصفحات الثقافية في الصحف السورية من مقال أو دراسة عن شعر حمزاتوف. أو من شعر مترجم له أو من استشهاد به. حتى وصلنا أيضا إلى الجرعة السامة من حمزاتوف. فنصحنا الأطباء بالتوقف عن تعاطي حمزاتوف.

كانت هذه إحدى طبائع النظام السوري البائد، فويل لك إذا أحبك لأنه سيقدمك وجبة يومية للناس حتى يعافوا مجرد ذكر اسمك. و إذا كرهك سيجعل التلفظ باسمك جريمة. و سيرة الموسيقار صفوان بهلوان تشهد على ذلك. لسبب ما في الثمانينيات من القرن الماضي أحب النظام البائد هذا الموسيقار فأفرد له مساحة يومية على التلفاز، الذي كان قناة واحدة تبدأ البث عند الساعة السادسة و تنتهي قبل منتصف الليل. 

و رغم أن التلفاز كان مجال التسلية الوحيدة للناس في ذلك الوقت فقد أوصل الظهور المتكرر للموسيقار صفوان الناس إلى إغلاق التلفاز حين يظهر. لقد أوصلوا المشاهدين إلى الجرعة السمية و بدأت تظهر أعراضها على بعض أفراد المجتمع . صدف أني كنت مسافراً في أحد باصات “الهوب هوب” و أجلس في المقعد الأول و على المقعد الجانبي المعترض يجلس ثلاثة شبان. 

في تلك الرحلة حدثت معجزة لا تتكرر، فقد وضع السائق شريط كاسيت لعبد الوهاب و هو يغني أغنية “جفنه علم الغزل”. قلت معجزة! لأن ذوق سائقي الباصات في مكان آخر لا علاقة له بعد الوهاب. هم عند أبو سلمو و أبو حسن الحريتاني و في أغنية مجاريح التي كانت سائدة في الثمانينات و التي تسببت هي أيضاً بظهور أعراض سمية عند كثير من أفراد المجتمع، إذ كانوا يسمعونها في السوق، في السرفيس، في باصات السفر. و أعرف مريضاً كانت تصيبه تشنجات أشبه بالصرع عندما كان يسمعها.

عندما سمع الشبان عبد الوهاب يغني أغنية “جفنه علم الغزل”. نظروا إلى بعضهم. ثم صرخ أحدهم بلهجة عامية ” ميقلد صفوان بهلوان “. يعتقد كل من درس اللغة العربية و آدابها أن من واجبه أن يكتب الشعر مع أنه لا علاقة بين الأمرين. لذلك أصبنا بتخمة من الشعراء فراجعنا أطباء الهضمية للعلاج .

أما في الوقت الراهن فإن المثقفين السوريين ينقسمون إلى ثلاث فئات، فئة كتبت رواية، و فئة أخرى تكتب رواية، و فئة ثالثة ستكتب رواية. و ليس ببعيد ذلك الوقت الذي نصل به إلى الجرعة السامة المفرطة من فن الرواية. اكتشف ابن زريق الأندلسي قانوناً يفسر ما يحدث و يشبه قوانين الرياضيات يصلح لكل زمان و مكان. حين قال: “جاوزت في نصحه حدا أضر به من حيث قدرت أن النصح ينفعه”، أي أنه أكثر من نُصحه حتى بلغ الجرعة السمية المفرطة. 

وعلى الهامش أذكر مرة أني كنت أتحدث عن ابن زريق، ففاجأتني صديقة بسؤال لم أجد له جواباً حتى اليوم. سألت: لماذا كل الرجال يحبون أن يتحدثوا عن ابن زريق . 

أعود لقصة مستر بين، و دريد لحام و بيت البحتري، و ما يمكن أن يقال أيضا عن بيت شوقي”قم للمعلم وفه التبجيلا”. أتساءل هل الانتشار الجماهيري يهبط بمستوى الفن؟ هل النخبوية ضرورية ليحافظ الفن على قيمته؟ لو كان الذهب و الألماس واسعي الانتشار وتطالهم كل الايدي، هل كانت ستبقى لهما القيمة الحالية؟ لا أملك جوابا. لكني على يقين أني أتقزز حاليا من مستر بين وأكره بيت البحتري. ولا أفكر أبدا أن أستشهد ببيت شوقي “قم للمعلم..”، و لن أقرأ رواية حديثة لكاتب سوري.

أظن أن هناك انتشارا للأدب والفن يشبه الفضيحة. وقد اعتدنا أن نسمع أمهاتنا يدعون لأولادهن بالستر (عكس الفضيحة). وأخيراً أتساءل: هل الشهرة فضيحة؟