المواطنة.. من تنظيف درج البناء إلى المشاركة في قرار الدولة
في كثير من الأبنية السكنية، يبدأ الخلاف بجملة تبدو عادية “ليش أنا أدفع؟ شو دخلني بالدرج؟”، المصعد معطّل، الدرج يحتاج تنظيفاً، هنا ينقسم السكان عادة بين من يعتبر أن الأمر لا يعنيه، وبين من يرى أن الحفاظ على المكان مسؤولية الجميع، هذا المشهد اليومي البسيط يمكن أن يكون مدخلاً لفهم مفهوم أكبر بكثير هو المواطنة.
السكن في بناء لا يعني تلقائياً أنك شريك في إدارته أو مهتم بمصيره، قد تعيش فيه سنوات من دون أن تعرف جيرانك، أو تشارك في أي قرار يخص الخدمات أو الصيانة، لكن عندما تشعر أن نظافة الدرج أو سلامة المصعد أو تنظيم المصاريف المشتركة أمور تعنيك شخصياً، هنا يبدأ التحول من مجرد “ساكن” إلى “شريك”.
الفكرة نفسها تنطبق على المجتمع والدولة، فالمواطنة ليست مجرد شعور بالانتماء أو حب للمكان، على الرغم من أهمية هذا الشعور، بل هي كما يوضح خبير المواطنة حسان عباس حالة سياسية وقانونية وثقافية يؤسس لها الدستور وتنظمها القوانين وترعاها القيم.
المواطنة حالة سياسية وقانونية وثقافية يؤسس لها الدستور وتنظمها القوانين وترعاها القيم
لكي تتحقق المواطنة بشكل كامل، يشير عباس إلى ضرورة توفر ثلاث مسائل أساسية، الحق في اكتساب جنسية، الحقوق والواجبات المرتبطة بهذه الجنسية، المشاركة في الحياة العامة.
فكما لا يمكن لشخص أن يكون شريكاً حقيقياً في إدارة البناء إذا لم يكن معترفاً به كأحد سكانه، أو إذا لم تكن له حقوق واضحة في استخدام المرافق، أو إذا لم يسمح له بالمشاركة في اتخاذ القرارات، كذلك تكون المواطنة منقوصة عندما يغيب أحد هذه الشروط.
التجربة المُغيبة.. هل الشعب السوري جاهز للديمقراطية؟
في البناء، يتمتع السكان بحق استخدام المصعد أو الإنارة أو المدخل المشترك، لكن هذه الحقوق تقابلها واجبات مثل دفع الحصة المالية أو احترام النظام الداخلي، وفي الدولة أيضاً، تحمي المواطنة مجموعة من الحقوق يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أنواع وفق عباس:
لكن هذه الحقوق لا تنفصل عن واجبات، منها احترام القوانين، والمساهمة في النفقات العامة عبر الضرائب، والدفاع عن الوطن عند الحاجة.
يمكن الحديث عن مواطنة منقوصة عندما يحرم بعض الناس من جنسيتهم، أو عندما لا يحترم مبدأ التساوي أمام القانون، أو عندما تغيب فرص المشاركة في الحياة العامة
في البناء الذي لا تحترم فيه المساواة بين السكان، أو يستثنى بعضهم من الخدمات، أو تفرض القرارات من دون استشارة، يتراجع الشعور بالمسؤولية المشتركة، المثال ذاته يظهر بصورة أوسع على مستوى الدولة.
فبحسب عباس، يمكن الحديث عن مواطنة منقوصة عندما يحرم بعض الناس من جنسيتهم، أو عندما لا يحترم مبدأ التساوي أمام القانون، أو عندما تغيب فرص المشاركة في الحياة العامة ويرى أن هذه الإشكاليات ظهرت بوضوح في التجربة السورية لأسباب متعددة، منها ضعف احترام التعددية، وفساد القضاء، وخنق المجتمع المدني، وغياب نظم تربوية تعرف الأفراد بحقوقهم وواجباتهم.
الدولة المدنية التي يعيشها ويريدها السوريون في أوروبا
في الأبنية التي يجتمع سكانها لمناقشة المصاريف أو تنظيم الخدمات، ينشأ شعور بأن المكان “ملك للجميع”، أما حين تدار الأمور بقرارات فردية أو بمعزل عن الحوار، يتراجع هذا الشعور ويحل محله اللامبالاة أو التوتر.
الأمر نفسه ينطبق على المجتمعات، فالمشاركة في الحياة العامة عبر الانتخابات أو النقابات أو النقاشات العامة تمنح المواطنين إحساساً بأنهم جزء من القرار، لا مجرد متلقين لنتائجه، وبالتالي يتكرس مفهوم المواطنة داخلهم ويحفزهم على القيام بواجباتهم.
ترسيخ المواطنة يتطلب إصلاحات واسعة، من بينها سن تشريعات تحترم التعددية وتنهي التمييز، وتعزيز استقلال القضاء، وفتح المجال أمام المجتمع المدني، وتطوير نظم تربوية تعرف الأجيال الجديدة بقيم المواطنة
يرى عباس أن ترسيخ المواطنة يتطلب إصلاحات واسعة، من بينها سن تشريعات تحترم التعددية وتنهي التمييز، وتعزيز استقلال القضاء، وفتح المجال أمام المجتمع المدني، وتطوير نظم تربوية تعرّف الأجيال الجديدة بقيم المواطنة.
فالمدرسة، مثل البناء، ليست مجرد مكان يقصده الأفراد يومياً، بل مساحة لتعلم قواعد العيش المشترك واحترام حقوق الآخرين.
“عباس” وقبل وفاته كذلك قبل سقوط النظام قال إن أهم ما يجب فعله هو إلغاء مادة التربية القومية نهائياً، كذلك مادة التربية الدينية والاستعاضة عنها بمادة عن تاريخ الأديان، وأضاف: «لأن التربية الدينية عالمها الأسرة، أما المدرسة فهي عالم تنوير العقول على حقائق العالم المختلفة».
قد يبدو مثال البناء بسيطاً، لكنه يكشف جوهر المواطنة أن يشعر الإنسان بأن ما هو مشترك يعنيه، وأن له دوراً في حمايته وتطويره.
فالمواطنة ليست شعاراً سياسياً مجرداً، بل ممارسة يومية تبدأ من احترام الدور في المصعد، أو المشاركة في تنظيف المدخل، وتمتد إلى المشاركة في رسم السياسات التي تمس حياة المجتمع بأكمله.