الاقتصاد الحر يحتاج إلى مجتمع حر

المصدر : الثورة | الثلاثاء , 13 تشرين الأول | : 45

يخطئ من يعتقد أن بناء اقتصاد حر يكون بإصدار قانون استثمار وتحرير حركة السلع والأموال فقط. الاقتصاد الحديث منظومة أوسع لا تنجح دون بيئة قانونية واجتماعية تحترم حقوق الإنسان، وتحمي الملكية الخاصة وتضمن سيادة القانون وتصون الحريات الشخصية من التضييق غير المبرر.

فالمستثمر يبحث عن دولة تحمي حقوقه وتضمن استقرار القوانين التي تحكم نشاطه، والعامل يحتاج إلى سوق عمل يحفظ كرامته وحقوقه، والسائح يحتاج إلى بيئة آمنة ومنفتحة. كما يحتاج الشباب إلى مساحة من الحرية تمكنهم من بناء مستقبلهم داخل مجتمعهم.

ومن هنا، فإن الحريات الشخصية ليست ملفاً اجتماعياً منفصلاً عن الاقتصاد، كما أن حماية حقوق الأفراد ليست قضية هامشية يمكن تأجيلها إلى ما بعد تحقيق النمو. إنها جزء من البيئة التي تُبنى فيها الثقة. والثقة هي أحد أهم الأصول غير المرئية لأي اقتصاد يريد جذب رأس المال والاستثمارات والكفاءات والسياح.

السياحة أول القطاعات تأثراً: تُعد السياحة من أكثر القطاعات ارتباطاً بصورة المجتمع وبمستوى الانفتاح والأمان والحرية الشخصية. فالسائح يشتري تجربة كاملة تشمل حجز الفندق والتنقل والمطاعم والمقاهي والأسواق والفعاليات الثقافية والمواقع التاريخية والخدمات الترفيهية. لذلك فإن التضييق غير المبرر على خيارات الأفراد أو فرض قيود اجتماعية على المظهر أو النشاط الثقافي والترفيهي يمكن أن ينعكس اقتصادياً على سلسلة واسعة من الأعمال.

ولا يعني ذلك أن السياحة تحتاج إلى غياب القواعد. على العكس السياحة تحتاج إلى قواعد واضحة تحمي الأمن والآداب العامة وحقوق الآخرين، لكن الفارق يكمن في أن تكون هذه القواعد محددة بالقانون ومتناسبة مع الهدف منها، لا أن تتحول إلى قيود واسعة وغير واضحة على الحياة الخاصة.

الاقتصاد الإبداعي يحتاج إلى مساحة للحرية: السينما والموسيقا والإنتاج التلفزيوني والتصميم والإعلان والنشر وصناعة المحتوى والفنون الرقمية. هذه الصناعات تعتمد على الأفكار أكثر من اعتمادها على الآلات والمعدات الحديثة. وكلما اتسعت مساحة التعبير والإبداع المسؤول، أصبح بإمكان المبدعين إنتاج أعمال يمكن تسويقها محلياً وخارجياً. أما عندما تصبح القيود غير واضحة، أو يخشى المبدع من أن يؤدي طرح فكرة أو عمل فني إلى عقوبات أو منع أو تدخلات غير متوقعة، فإن رأس المال الإبداعي يبحث عن بيئة أخرى.

هذا لا يعني أن حرية التعبير تعني غياب القانون. فالاقتصاد الإبداعي مثل غيره يحتاج إلى حماية حقوق الملكية الفكرية، ومنع التحريض على العنف والاعتداء على حقوق الآخرين، وحماية القاصرين، ومكافحة التشهير والاحتيال. لكن هذه الحماية تصبح أكثر فاعلية عندما تكون الحدود القانونية واضحة ويمكن التنبؤ بها.

الشركات العالمية والكفاءات الأجنبية: عندما تريد شركة عالمية الدخول إلى سوق جديدة، فإنها لا تنقل رأس المال فقط. غالباً ما تنقل معها خبراء ومديرين ومهندسين وتقنيين وعائلاتهم. ومن هنا تصبح البيئة الاجتماعية جزءاً من قرار الشركة.. مثلاً شركة تكنولوجية تريد تأسيس مركز إقليمي في دمشق، أو شركة فندقية تريد تشغيل منشأة سياحية، أو مؤسسة مالية تريد استقدام خبراء أجانب، ستنظر إلى قدرة موظفيها على الإقامة والعمل والتعليم والتنقل والحصول على الخدمات الأساسية في بيئة مستقرة.

كما أن الكفاءات السورية نفسها، التي تعيش خارج البلاد، لن تنظر إلى فرص العمل والاستثمار بمعزل عن البيئة التي سيعيش فيها أفراد أسرها.

ريادة الأعمال تحتاج إلى الحرية: ريادة الأعمال تقوم في جوهرها على التجربة والمخاطرة والابتكار. رائد الأعمال قد يبدأ بفكرة صغيرة في مجال التكنولوجيا أو التجارة الإلكترونية أو التصميم أو الخدمات المهنية، ثم يحولها إلى شركة توظف عشرات أو مئات الأشخاص.

لكن بيئة ريادة الأعمال لا تزدهر فقط عندما تتوفر القروض وحاضنات الأعمال. إنها تحتاج أيضاً إلى بيئة تسمح للأفراد بالتجربة والتواصل وتكوين الشبكات المهنية وتبادل الأفكار وإنشاء الشركات وإدارتها دون تدخلات غير ضرورية في حياتهم الخاصة، وهنا يصبح احترام الحريات الفردية جزءاً من رأس المال الاجتماعي الذي تحتاجه الشركات الناشئة.

الخدمات المالية والتأمين: القطاع المالي أكثر حساسية من غيره تجاه الثقة والشفافية. فعندما تدخل المصارف وشركات التأمين الدولية إلى السوق السورية، فإنها تحتاج إلى بيئة قانونية واضحة تتعلق بالعقود والملكية والخصوصية وحماية البيانات وتسوية النزاعات. والاقتصاد الرقمي يرفع أهمية هذه المسألة أكثر. فشركات التكنولوجيا المالية والتجارة الإلكترونية تعتمد على ثقة المستهلك بأن بياناته الشخصية وحقوقه المالية محمية.

لذلك فإن بناء منظومة حديثة لحماية البيانات والخصوصية والملكية الفكرية والعقود الإلكترونية يمكن أن يصبح جزءاً من البنية التحتية الاقتصادية لسوريا الجديدة، تماماً كما هي الطرق والمطارات وشبكات الاتصالات.

سوق العمل والمرأة: الحريات الاقتصادية والاجتماعية تؤثر أيضاً في سوق العمل. فكلما تمكنت النساء من اختيار التعليم والعمل وفق القدرات والرغبة، اتسعت قاعدة المشاركة الاقتصادية، لأن أي قيود اجتماعية أو قانونية غير ضرورية على التعليم أو العمل أو تأسيس المشروعات تعني عملياً إخراج جزء من رأس المال البشري من دائرة الإنتاج. ولا يمكن لدولة تحتاج إلى إعادة بناء اقتصادها بعد سنوات طويلة من الحرب أن تتحمل خسارة أي جزء من طاقتها البشرية.

في النهاية، هناك فارق جوهري بين قيام الدولة بتنظيم المجال العام وبين إدارة الحياة الخاصة للأفراد. القاعدة الأساسية هي أن تدخل الدولة ينبغي أن يكون له هدف مشروع ومحدد، وأن يكون متناسباً مع هذا الهدف، وأن يخضع للقانون والرقابة.

ولكي ينتقل الاقتصاد السوري من اقتصاد مغلق ومثقل بالتشوهات إلى اقتصاد أكثر انفتاحاً وقدرة على جذب الاستثمار، فإن الإصلاح يجب ألا يتوقف عند قانون الاستثمار والضرائب والجمارك، بل المطلوب بناء منظومة كاملة تقوم على سيادة القانون واستقلال القضاء وحماية الحقوق الفردية والحريات الشخصية ضمن إطار القانون. 

الاقتصاد الحر يحتاج إلى ثقافة قانونية واجتماعية تؤمن بأن الفرد صاحب حق، وأن الدولة حارسة للقانون وليست وصية على المواطن.