الدماء الزرقاء.. هل المسلمون تتكافأ دماؤهم؟
لو قُدِّر لك أن تجلس إلى رجلين ثاكلَين، كلاهما وارى في التراب ولداً افترسته الحرب، فبسطت بينهما على المائدة صورة طفلٍ ثالثٍ سُحق في الجهة المقابلة من الخندق؛ لرأيت في العينين دمعةً منهمرة على الدم القريب، ثمّ تجفّ في اللحظة عينها إذا مسّها دم البعيد، كأنّ للدماء أنساباً وأحساباً، وكأنّ منها الأزرق النبيل الذي يُبكى ويُرثى ويُخلَّد على الجدران، ومنها الأحمر الرخيص الذي يُمرّ عليه مرور العابر على بركةٍ آسنة.
وهذه هي الدماء الزرقاء، صاحبها من قبيلتنا، أو من طائفتنا، أو من وطننا الذي جعلناه ميزاناً لكلّ شيء، حتى صار القتيل يُوزن لا بمقدار ما فيه من إنسانيّةٍ أُزهقت، بقدر ما هو بموقعه من صفّنا يوم قُتل. فإن كان معنا، فهو شهيدٌ له اسمٌ ووجهٌ وأمٌّ تنتظره، وإن كان في الصفّ المضاد لحليفنا، فهو رقمٌ كسائر أرقام نشرات الأخبار.
حساب الرحمة المعوجّ
ولا تظنّن هذا شذوذٌ في قلّةٍ من قُساة القلوب، فالرجل الذي يُريق دمعه على طفلٍ واحدٍ عرف اسمه، هو نفسه الذي يمرّ على خبر مقتل الألوف باهتاً كأنّه يقرأ أسعار البضائع. وقد أمضى عالِم النفس بول سلوفيك عمره في تشريح هذا العطب، فخرج بما سمّاه «حساب الرحمة»، وخلاصته المرّة أنّه كلّما كثُر الموتى قلّ اكتراثنا؛ فالواحد المعروف يستدرّ منّا الفعل والبكاء، والألوف المجهولون يستحيلون إلى رقمٍ جافٍّ، إلى بشرٍ جُفّفت عنهم الدموع حتى صاروا إحصاءً.
ولذلك -كما لاحظ- وقفت الدنيا تتفرّج على إبادة الغزّيين والسوريين واليمنيين والعراقيين وهم يُذبحون بالمئات كلّ ويومٍ، ولم تحرّك ساكناً؛ لأنّ الكثرة تُخدّر الوجدان، والعدد يقتل الشعور.
بيدَ أنّ خدَر سلوفيك خدرٌ في الكمّ؛ نعجز عن أن نحسّ بالمليون كما نحسّ بالواحد، وأمّا داء الدماء الزرقاء فذاك أقسى؛ فهو خدرٌ في الهُويّة، إذ قد يُعرض عليك الطفل الواحد، باسمه ووجهه وأمّه الثاكلة، مستوفياً كلّ شروط الرحمة التي يقول سلوفيك إنّها تحرّك القلوب، ثمّ لا يتحرّك فيك شيء؛ لأنّه -قبل ذلك كلّه- من الجهة الأخرى، فهي رحمةٌ لا يقتلها كثرة القتلى، بقدر انتماء القتيل.
مَن يستحقّ أن يُبكى؟
وهنا ينتقل الأمر من علم النفس إلى علم الاجتماع، فالفيلسوفة جوديث بتلر، في تأمّلها في أُطُر الحرب، تسأل: أيّ الحيوات تستحقّ أن يُناح عليها، وأيّها لا يُعَدّ فقدُه فقداً؟ وتزعم أنّ ثمّة أُطراً خفيّةً تصنعها اللغة والإعلام والدولة تقسم البشر قسمين: قسمٌ حياته جديرةٌ بالرثاء، إذا سقط ارتجّ له الضمير؛ وقسمٌ حياته غيرُ جديرةٍ، إذا سقط فكأنّه لم يكن حيّاً أصلاً حتى يُبكى عليه. وهي نحن نصوغها بأيدينا، ثمّ ننسى أنّنا صنعناها، فنحسبها بديهةً من بديهيّات الوجود.. أي هؤلاء أهلُنا فيُرثون، وأولئك سواهم فيُنسون.
ودعك من الأمثلة الغربيّة البعيدة، وانظر في مرآتنا نحن، فهي أفضح، فتجد البعض الذي احترق قلبه على من سحقتهم براميل النظام وميليشيات إيران وحزبها، حتى إذا ذُكرت أمامه دماءٌ سالت على يد إسرائيل، وجدت في وجهه بلادةً عجيبة، وسمعته يبحث عن السياق، ويوازن، ويسأل: مَن بدأ؟ ومَن استقوى بمن؟ كأنّ الطفل الذي تحت الركام ينتظر شهادة حُسن سيرةٍ قبل أن يُؤذن له بالرثاء.
وتجد في المقابل شبيهه على الضفة الأخرى الذي يرى في إيران نصير قضيّته الأوحد، والذي يُدير عينه كلّ صباحٍ على قتلى غزّة عادّاً إيّاهم واحداً واحداً؛ فإذا مرّت به مجازر السوريّين التي غاصت فيها أقدامُ الحرس الإيرانيّ إلى الركب، التمس لها المعاذير، أو ألقى بها في زاوية النسيان، أو همس يقول لهذه فتنةٌ لا ناقة لي فيها ولا جمل، فصار قتيل حلب وإدلب وصنعاء وتعز والموصل وبغداد أنذاك عنده أرخص من قتيل غزّة، لا لشيءٍ إلّا لأنّ القاتل ناصرٌ للقضية.
«بلى، ولكن»
ولو أمسكت بأحدهم متلبّساً، فقلت له: أوَما كان هذا طفلٌ كطفلك؟ أوَما نزف كما نزف ولدُك؟ لأطرق قليلاً، ثمّ رفع رأسه وقال لك: بلى، ولكن.. وهذه «الولكن» معقودٌ عليها أكيال من التناقضات فهي الحرف الصغير الذي يُدار عليه ميزان الدم كلّه؛ به يُصادر الاعتراف في لحظة انعقاده، وبه يُسحب الطفل من خانة البشر إلى خانة الحساب السياسيّ وهو لا يزال تحت الركام.
بلى قُتلوا، ولكنّهم كانوا على نقيض حليفنا الذي أشعل جبهة الإسناد، بلى نزفوا، ولكن مَن الذي بدأ؟بلى، ولكنّ قتلانا أكثر، وقضيّتنا أحقّ، وجرحنا أقدم». وما تنقضي «الولكنات» حتى يكون الميّتُ قد دُفن مرّةً في التراب، ومرّةً في ضمير من رفض أن يبكيه.
وقد سبق وحيُنا هؤلاء جميعاً إلى تشخيص الداء وتسميته باسمه، فحين تنازع رجلان، أحدهما من المهاجرين والآخر من الأنصار، فنادى كلٌّ منهما قومَه يستنصرهم على أخيه «يا للمهاجرين»، «يا للأنصار» قال عليه الصلاة والسلام: «دعوها فإنّها مُنتنة». تأمّل اللفظ: مُنتنة. أي جيفةٌ فاسدةٌ تُزكم الأنوف. فهذا الحكم الشرعيّ في أخفّ صور العصبيّة وأشرفها نسباً، العصبيّة بين المهاجرين والأنصار! فكيف بما دونها من عصبيّاتٍ للطائفة والراية والقضيّة تُوزَن بها الدماء اليوم؟
وابن خلدون قد رأى في العصبيّة قوّةً تجمع الجماعة وتبني بها المُلك، ولكنّها هي نفسها القوّة التي تُعمي الجماعة عمّن سواها، فتُقيم لدمها حُرمةً وتستبيح دم غيرها. وحسم القرآن الميزان من أصله حين قرّر أنّ الدم دمٌ، لا أزرق فيه ولا أحمر: (مَن قَتَل نفساً بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنّما قتل الناس جميعاً)، فجعل النفس الواحدة معادِلةً للناس أجمعين، لتُقلَع من رأسك فكرةُ أنّ ثمّة دماً يُساوي، وآخر لا يُساوي.
ثمّ سدّ آخرَ الأبواب التي يتسلّل منها الهوى، فقال: «ولا يجرمنّكم شنآنُ قومٍ على ألّا تعدلوا، اعدلوا هو أقربُ للتقوى». وهي أعجب آيةٍ في هذا الباب؛ فهي لا تنهاك عن بغض عدوّك -والبغض قد يكون بحقّ ودين لله- بل تنهاك أن يحملك بغضُك على أن تجور في حقّه، ومن الجور في حقّه أن تبخسه دمه، وتزنه في ميزانٍ غير الميزان الذي تزن به دمك.
سؤالٌ لا جواب له موصوف
ويبقى بعد ذلك كلّه امتحانٌ لا يعرف نتيجته إلّا صاحبه في سِرّه، فإذا عُرض عليك دمُ الجهة الأخرى دمٌ حقيقي لطفلٍ حقيقي تحت ركامٍ حقيقي فأيّ الكلمتين تسبق إلى لسانك؟ أَ«إنّا لله» تقولها فتُثبت أنّ في الميزان عندك دماً واحداً لا لونين له؛ أم «بلى، ولكن» تندفع من صدرك اندفاع الغريزة، قبل أن تدري، فتفضحك وتفضح ميزانك؟
فمَن سبقت إلى لسانه «الولكن»، فقد رتّب الدماء أنساباً وأحساباً وهو لا يشعر، وجعل منها الأزرق والأحمر، ونصّب نفسه على الخلق حاكماً يوزّع صكوك الرثاء على مَن يستحقّه في نظره. وأمّا مَن غصّ في صدره من هذه القسمة، وارتاب في ميزانه، وخشي أن يكون قد بخس أحداً دمه؛ فتلك الغصّة وحدها هي التي تفصله عن الهاوية التي سقط فيها الآخرون وهم مطمئنّون. فإن هدأت تلك الغصّة يوماً، واطمأنّ صاحبها إلى أنّ دمَه وحده هو الأزرق، فقد جاوز الحدّ من حيث لا يشعر، ولاتَ حين مندم.