ماذا لو عاد معتذراً؟
تختلف الروايات حول قائل هذه العبارة كما يختلف القول إن كانت شطراً من بيت شعر أم عبارة نثرية. كما أنها وردت في بعض النصوص التي تبدو غزلية وتحمل معنى بسيطاً ماذا سأفعل لو عاد الشخص الذي أساء إليّ معتذراً؟
لكن ماذا لو لم يكن الأمر متعلقاً بعلاقة حب بين شخصين؟ ماذا لو كان المعتذر شخصاً أساء إلى شعب بكل مكوناته أو جماعة كاملة أو وقف إلى جانب من آذاها؟ في الحالة السورية، هناك من أجرم بحق السوريين ومن ساند النظام ووقف إلى جانبه ومن برر جرائمه ومن اختار الصمت.
وبعد سقوط نظام الأسد عاد بعض هؤلاء إلى سوريا وكان بينهم فنانون ورياضيون وشخصيات عامة عُرفت مواقفها السابقة. استُقبل بعضهم استقبالاً رسمياً أو شعبياً، فيما قوبل آخرون بالرفض أو التهميش، لكن ما غاب في معظم هذه الحالات كان الاعتذار. فهل يكفي أن يعود الشخص؟ وهل الاعتذار واجب أخلاقي؟ ومتى يكون مقبولاً؟ وماذا يعني أن يعود من دون أن يقول شيئاً عما كان عليه موقفه؟
الاعتذار في هذه الحالة ليس مجرد كلمة (آسف)، هو اعتراف بالموقف الذي اتخذه الشخص وبالأذى الذي سببه أو ساهم في تبريره، وهناك فرق بين من يقول كنت مخطئاً وأعتذر عن موقفي، وبين من يقول لم نكن نعرف ماذا كان يحدث، أو كنا جميعاً مجبرين.
في الأولى يتحمل الشخص مسؤوليته، أما في الثانية فيضع الخطأ في مكان عام حتى لا يتحمل أحد مسؤوليته.
وفي الحالة السورية، المواقف لم تكن مجرد خلاف سياسي عابر، سنوات طويلة مرّت على السوريين، وكان لكل موقف ثمنه. هناك من فقد حياته ومن اعتُقل ومن هُجّر ومن فقد أحبابه أو بيته أو عمله، وهناك من عاش سنوات وهو يدفع ثمن موقفه، لكن هذا لا يعني أن جميع من وقفوا مع النظام في خانة واحدة. هناك فرق بين من شارك في الجريمة ومن بررها وبين من دافع عن النظام علناً ومن اختار الصمت خوفاً أو مصلحة، فلكل حالة مسؤوليتها ولكل اعتذار معناه.
والشخصية العامة تتحمل مسؤولية أكبر عندما يكون موقفها علنياً. فالفنان أو الرياضي أو الإعلامي لم يكن صوته مثل صوت المواطن العادي، لأن وراءه جمهوراً يتابعه ويؤثر فيه، لذلك فإن الاعتذار هنا لا يتعلق بموقف شخصي بقي بينه وبين نفسه، وإنما بموقف قيل أمام الناس ودافع عنه أمامهم، ومن الطبيعي أن يكون الاعتذار أمام الناس أيضاً.
ولا يمكن أن يكون الاعتذار الحقيقي مجرد منشور عابر بعد تغير الظروف. الاعتذار يحتاج إلى وضوح في تسمية الموقف كما كان من دون تجميل أو إعادة كتابة للتاريخ،
أن يقول الشخص كنت مؤيداً أو دافعت أو صمت حين كان يجب أن أتكلم ثم يعترف بأن موقفه كان خاطئاً، هذه الخطوة قد تكون صعبة لكنها أكثر احتراماً للناس من محاولة تقديم الماضي بصورة مختلفة.
ومن حق الإنسان أن يراجع نفسه ويغير موقفه، وهذه المراجعة لا يجب أن تتحول إلى عقوبة دائمة، لكن تغيير الموقف لا يعني أن الماضي لم يعد موجوداً. المشكلة تبدأ عندما يريد البعض العودة وكأن شيئاً لم يكن، وكأن سقوط النظام وحده كافٍ لطي صفحة السنوات الماضية.
والأخطر أن يتحول الصمت عن الماضي إلى طريقة لإعادة كتابة الذاكرة، فحين يعود أصحاب المواقف السابقة إلى المشهد من دون مراجعة أو اعتذار قد يشعر الضحايا أن ما عاشوه لم يعد مهماً وأن المطلوب منهم وحدهم أن يتجاوزوا الماضي. الاعتذار لا يمحو ما حدث لكنه يضع صاحبه أمام مسؤوليته، وقد يكون بداية لاستعادة الثقة من دون أن يعني أن الثقة ستعود كما كانت.
والمجتمع الذي يريد أن يبني مستقبلاً مختلفاً يحتاج إلى ذاكرة واضحة يعرف فيها الناس ما حدث ومن أين جاءت الجراح من دون أن يبقى أسيراً لها. ومن وقف مع نظام آذى السوريين ثم عاد إلى سوريا لا يحتاج إلى خطاب طويل ولا إلى تبريرات كثيرة، ربما تكفيه شجاعة الاعتراف: “أخطأت.. كنت في المكان الخطأ.. وأعتذر لمن دفع ثمن ذلك الموقف”. بعدها يبقى للناس حقهم في قبول الاعتذار أو رفضه، وفي إعطاء الثقة من جديد أو الاحتفاظ بمسافة.
فالاعتذار يفتح الباب لكنه لا يسمح لأي كان أن يدخل منه دون قبول الطرف الآخر، فالمسامحة ليست حقاً لمن اعتذر وإنما حق لمن وقع عليه الأذى. وربما لهذا كان السؤال ماذا لو عاد معتذراً؟ أصعب من مجرد سؤال عن عودة شخص غاب طويلاً، فالمهم ليس أن يعود، المهم ماذا سيقول حين يعود؟ وهل يملك شجاعة مواجهة ماضيه قبل أن يطلب من الآخرين تجاوزه؟