"ستاند أب كوميدي": عباءة مصرية جديدة بسخرية منزوعة السياسة
برز "ستاند أب كوميدي" في مصر كفن نقدي لاذع مباشر مع الجمهور، في الأعوام الأخيرة من حكم الرئيس السابق حسني مبارك ثم أصبح مزدهراً تزامناً مع ثورة يناير قبل 15 عاماً، ولكنه عاد أخيراً بحفلات كاملة العدد على مسارح خاصة، حيث يستقطب مؤديين من مصر والدول العربية.
هو ليس ارتجالياً تماماً، ومع ذلك يُعرف اختصاراً بـ"ستاند أب كوميدي" كوسيلة من وسائل الكوميديا الارتجالية، إذ يقف الفنان على المسرح فاتحاً موضوعاً للنقاش ثم يجرّ الحضور لمنطقته، محللاً القضايا من أكثر زواياها فكاهية وماراً بأسلوبه التحليلي الفلسفي على المفارقات التي تولد الضحك والتفكير كذلك.
هذا اللون كان بوابة العبور لمئات من مشاهير الفن عالمياً، حين بدأوا طريقهم باختبار قدراتهم على مواجهة الجمهور في التجمعات وعلى المسارح من خلال عروض جذابة وحكايات طريفة وسريعة تعتمد على التفاعل اللحظي.
ربما كان لهذا الفن إرهاصات عرفها العالم العربي مبكراً تمثلت في المونولوج الذي كان لا يعتمد فقط على الإلقاء وإنما يستعمل فنوناً بصرية وموسيقية كذلك، وهو فن بدأ طريقه عربياً مع نهاية القرن الـ19، ولكن "ستاند أب كوميدي" بشكله الأكثر معاصرة والأقرب للنمط العالمي استقبله الجمهور العربي منذ مطلع الألفية تقريباً.
هذا الفن الذي يعود مجدداً بقوة، كان قد ازدهر بشدة في مصر خلال الفترة التي سبقت ثورة يناير (كانون الثاني) عام 2011، وما بعدها لأعوام عدة، حيث الزخم السياسي كان على أشده، والمفارقات التي خلفتها الأوضاع وقتها خلقت مناخاً صاخباً محفزاً على هذه النوعية من الفنون الأدائية التي تناقش ما يحدث بطريقة أكثر مباشرة من السينما والمسرح، لتتوالى العروض وهو أمر تزامن مع انطلاق فنون كثيرة ارتبطت بالثورة مثل الأغنيات السياسية وموجة الأفلام المستقلة عالية نبرة الانتقاد، وكذلك البرامج السياسية الساخرة.
وفي ما يتعلق بـ"ستاند أب كوميدي" فالسخرية لم تكن لمجرد إثارة الضحك، وإنما هي طريقة للقفز فوق الأزمات من طريق رؤية الجانب الفكاهي منها، وإثارة قضايا شائكة قد لا تفلح طرق تعبير فنية أخرى بتناولها بمثل هذا التأثير والتشريح والمكاشفة وانتقاء الزوايا التي تمس الناس بحق.
اللافت أنه بعد فترة من هذه الانطلاقة حدث ما يشبه السبات لهذا الفن في مصر، فهو لم يختف ولكنه توارى كثيراً، وبعدما كان يجري الاحتفاء بنجومه وفتح المسارح لهم، لم يعد فناً مرحباً به، ربما قلقاً من النبرة السياسية الحادة التي تميز هذا النوع من الكوميديا المباشرة على رغم ذكاء الطرح بها، ولكن على ما يبدو أن المخلصين لفن "ستاند أب كوميدي" وفقوا أوضاعهم ونجحوا في ترتيب البيت كما يقولون، وعادوا بقوة في الفترة الأخيرة، مع عروض كاملة العدد، تستقطب كوميديين من داخل مصر وخارجها وجمهوراً متعطشاً.
هذا الفن التفاعلي الذي ينتقد الأوضاع بحدة وخفة ظل ووعي ويحتاج من صاحبه إلى اطلاع وثقافة، ويستعرض القضايا الكبيرة بأسلوب شخصي تماماً يجعله أكثر قرباً من المتابعين، ويتميز صاحبه بسرعة البديهة في التعامل مع المواقف الطارئة مع الحضور، أصبح أكثر وجوداً اليوم، ولكن بشروط جديدة، فبخلاف تحييد النبرة السياسية الحادة، فإن كثراً ممن انضموا حديثاً لهذا الفن قد بدأوا مشوارهم مع الكوميديا الواعية أو التي تنظر بعين ناقدة للأوضاع، من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وبينهم روفي الشناط التي عُرفت قبل نحو خمسة أعوام وإبان فترة الحجر المنزلي بشخصيات هزلية مثل الجدة بطة التي تقول رأيها بصراحة وتتناول التفاصيل اليومية من زوايا مختلفة ومبتكرة، ولكن عالمها اليوم لم يعد مقصوراً على الواقع الافتراضي بل شقّت طريقها نحو "ستاند أب كوميدي" والكوميديا التفاعلية من خلال عروض جماهيرية تقوم بها.
تلفت روفي النظر إلى محددات أساسية تحفز الجمهور على الخروج من المنزل ودفع ثمن تذكرة لمشاهدة عروض "ستاند أب كوميدي" في الفترة الأخيرة، أبرزها أن يكون المتلقي على معرفة بأسلوب فنان الكوميديا ومعجباً بهذا الأسلوب، ومعجباً أيضاً بالقضايا التي يناقشها في عروضه، ويثق في أنه قادر على إضحاكه من دون استخفاف، وقتها لا يكتفي بالعالم الافتراضي بل يرغب في المشاهدة عن قرب والتفاعل.
وتقول، "هذا الفن شخصي جداً، فلدى كل نجم من نجوم ’ستاند أب كوميدي‘ هوية واضحة وأفكار معينة وطريقة طرح محددة للمواضيع، سواء سياسة أو اقتصاد أو مجتمع، فهناك معالم مرسومة يعرفها الجمهور جيداً، ويتخذ قراره على أساسها، وبالنسبة إلي فأنا أقدم محتوى يهم السيدات سواء في ما يتعلق بمشكلاتهم مع الأبناء أو الأزواج أو يومياتهن بصورة عامة، وإن كانت غالبية حضور العروض التي نفدت تذاكرها في مفاجأة سارة لي من النساء، لكن أيضاً هناك أزواج يأتون وأطفال كذلك".
روفي تقدم محتوى له مواصفات معينة يبحث عنها متابعوها، ولهذا لا تواجه معضلة أن يكون الجمهور فوق الـ18 مثل عروض كثيرة شهدتها مصر في الفترة الأخيرة، وبينها "لفّي بينا يا دينا" لنجوم الكوميديا اللبنانيين محمد وحسن دايخ وحسين قاووق أبطال "مرحبا دولة"، حيث أقيم العرض في مكان معروف أنه يفتح أبوابه للكبار فقط، وكانوا أكثر حظاً لأنهم تناولوا مواقف كوميدية تخص الشارع المصري، وكذلك لم تبتعد السياسة كثيراً من محتواهم حيث كان السقف أعلى، وبخاصة أن تندراتهم السياسية تخص الأوضاع في لبنان عادة، وهم التزموا بهذا الخط.
شهدت القاهرة في الفترات الأخيرة صحوة في حفلات "ستاند أب كوميدي" لكثير من فناني الكوميديا العرب، في حين تسيطر مواضيع النقد الاجتماعي على أسلوب "ستاند أب كوميدي" المصريين، إذ يبزغ نجم كثر في الفترة الأخيرة، ولكن لا يزال أيضاً كثر من رواد هذا المجال مستمرين منذ أعوام وبينهم علي قنديل، الذي ظهر في فترة انطلاقة هذا الفن تزامناً مع أسماء مثل تامر فرج، وجورج عزمي، وصلاح الدالي، وغيرهم.
كذلك يعد أحمد خيري من أبرز نجوم الموجة التالية في هذا المجال، وبدأ منذ عام 2019 تقريباً مع أعضاء فرقة ذا إيليت "النخبة" محاولات إعادة البريق لمجال "ستاند أب كوميدي" من جديد، وهي المحاولات التي أتت ثمارها بصورة ملحوظة في الأعوام الثلاثة الأخيرة، وأصبحت تستقطب مساحة أوسع من المتابعين، وتضم فرقته كثيراً من المواهب البارزة بينهم الممثل طه دسوقي، والممثل أحمد عصام، ومحمد حلمي، ومحمد أشرف، ووليد المغازي، ومصطفى عباس، وتقيم عروضاً بصورة دائمة داخل وخارج البلاد، وأبرزها الجولة التي اختُتمت العام قبل الماضي استاد القاهرة بحضور 7 آلاف شخص.
يقول أحمد خيري إن "ستاند أب كوميدي" تأخر بعض الشيء في الوصول للجمهور المصري مقارنة بدول مجاورة كثيرة، موجهاً تحية لجيل الرواد لهذا الفن، واتفق مع الطرح الذي يشير إلى أن بداية انتشاره في مصر ارتبطت بانتقاد الأوضاع السياسية أولاً، وفي ما بعد الحس الاجتماعي، منوهاً إلى أن الجيل الحالي أسهم في إعادة تأريخ فن "ستاند أب كوميدي" في البلاد مرة أخرى، بل وإحداث طفرة في المواضيع والأداء وطريقة التفاعل.
أحمد خيري أحد أبرز نجوم عروض الستاند أب كوميدي يركزي على القضايا الاجتماعية (حساب خيري على فيسبوك)
وأوضح أن "ستاند أب كوميدي" قبل أزمة كورونا شيء وبعدها شيء آخر تماماً، إذ إن تلك الفترة فجرت مواهب كثيرة بسبب الإغلاق، وكان الموهوبون يجربون حظهم من خلال الإنترنت ثم تشجعوا لمواجهة الجمهور.
ويضيف خيري أنه يسعى إلى إقامة نادي كوميديا في مصر من خلال مسرح يعرض فقرات المبدعين كل ليلة ويسهم في اكتشاف المواهب، لأن الجمهور متعطش للغاية وأصبح لديه وعي وقدرة على تمييز المواهب الحقيقية.
البعض يعتقد أن "ستاند أب كوميدي" فن ارتجالي تماماً، ولكنه على العكس يكون مُحضراً له بصورة تجعل العرض يبدو تلقائياً، ولكن في المقابل هناك فقرات تفاعلية تعتمد على الارتجال التام، وهي قد تكون ضمن فقرة في عرض "ستاند أب كوميدي" الذي يعد عالمياً الأعلى سقفاً بين كافة فنون الأداء، متجاوزاً السينما والمسرح والتلفزيون، وتصبح عروضه مثل طلقات تصيب الهدف بصورة شديدة المباشرة، ويفتح أصحابه ملفات الدين والسياسة والأزمات الاجتماعية بمنتهى الجرأة، وبالفعل حاول نجومه الأوائل في مصر الحفاظ على هذا الشكل نفسه مع مراعاة الاختلافات المجتمعية، ولكنه كان يتأرجح بين الممنوع والمسموح، حتى وصل لهذه المرحلة في الفترة الأخيرة مع الازدهار في العروض والقبول الجماهيري، ومحاولات ناجحة في عدم فتح الملفات الشائكة، مع ذلك تبدو المهمة صعبة، ففي حين أن كبار هذا المجال والأكثر نجاحاً عالمياً يقتاتون على ملفات الدين والجنس والسياسة، ويطلقون سخرية شديدة الجرأة من أي قضية لا تعجبهم حتى لو اتهموا بالعنصرية وبما أقسى منها.
يعلق الفنان أحمد خيري على هذه المعضلة بالقول، "غالبية مقدمي ’ستاند أب كوميدي‘ في مصر يقدمون ما يسمى الجرين كوميدي، فالعروض متاحة لغالبية أفراد العائلة لأن هناك معايير وقواعد، ولكن بطبيعة الحال هناك من يعتمدون على الإيحاءات لكنها تظل من دون فجاجة وفي نطاق أقل بكثير مما يحدث عالمياً، فنحن نختار مواضيع مشتركة بيننا وبين الجمهور، والحقيقة أن التنوع والتنافس هما أساس الازدهار، فمصر أكثر بلد بالمنطقة بها ’ستاند أب كوميديانز‘، وعلى رغم ذلك لا توجد لدينا حتى الآن مهرجانات ومسابقات تدعم هذا الفن، على رغم تعطش كثر من الكوميديين العرب لمقابلة الجمهور المصري ودوماً يبحثون عن أي فرصة لتقديم عروض لدينا".
بالعودة إلى محاولات القفز على المواضيع الشائكة، فإن هناك من حتمت عليهم طبيعة شخصيتهم الفنية ألا يعانوا تلك المعضلة من الأساس، وبينهم روفي الشناط التي تؤكد أن لديها خطوطاً معروفة كونها تقدم محتوى يهم العائلة ويناقش هموم الأمهات بصورة خاصة، وهي اهتمامات نابعة من طبيعة حياتها الشخصية، ولكن كيف تمكنت الشناط من العثور على موطئ قدم في هذا العالم الذي يُصنف على أنه يغلب عليه الطابع الذكوري؟
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تقول الممثلة والمؤدية الكوميدية روفي، التي كان لها تجارب مسرحية سابقة مع الفنان المصري محمد صبحي مكنتها من تعلم مهارات الوقوف على المسرح ومواجهة الجماهير، إن الأمر بالنسبة إليها لم يكن سهلاً، بل إنها أجلت الخطوة مراراً، ولكن بعدما تلقت طلبات كثيرة من متابعيها بضرورة اللقاء وجهاً لوجه، فكرت في أن تقدم عرضاً تفاعلياً لا يعتمد على سكريبت سابق، ثم بعد ذلك جاءت خطوة "ستاند أب كوميدي" الذي يعتمد على سكريبت مكتوب بعناية.
ومن جهتها كانت فكرة العروض الحية فرصة لها لاختبار مدى تأثيرها في المتابعين بصورة واقعية، خصوصاً وأنها كانت تخشى أن يكون التأثير مزيفاً ومقتصراً على العالم الافتراضي.
تعود الشناط للحديث عن سبب قلة عدد الفتيات بصورة عامة في هذا المجال، وتقول، "هناك فنانات ’ستاند أب كوميدي‘ مصريات ناجحات كثيرات، ولكن تظل الغلبة للرجال، وقد يعود هذا أولاً إلى أن الأمر يحتاج إلى صبر وجلد وقوة تحمل للرفض والنفور، لأن رد الفعل قد يكون محبطاً في البداية، فقد لا يحدث توفيق، ولهذا على الكوميديان أن يتحمل المسؤولية ويحاول لملمة أوراقه وتغيير خططه اعتماداً على سرعة بديهته، ولذا فمن ليس لديه قوة الشخصية والمثابرة قد يتراجع، والحقيقة أن هناك فتيات لديهن مواهب كوميدية رائعة وقادرات على الإضحاك في حفلات ’ستاند أب كوميدي‘، إلا أن منهن من يدخلن من باب التجريب فقط ولا يرغبن في استكمال المشوار".