الذكاء الاصطناعي يقود التحول في الطب العسكري الميداني

المصدر : INDEPENDENT | الأربعاء , 04 أذار | : 43

تطور وزارة الحرب الأميركية حالياً برنامج "مجموعة أدوات معلومات جاهزية التقييم الطبي" للتنبؤ باحتمالية دخول أعضاء الخدمة إلى نظام تقييم الإعاقة من خلال تحليل البيانات الصحية العسكرية الرقمية وربطها بالنتائج المستقبلية، فيما تستخدم برامج أخرى، مثل "خوارزمية الصحة التنبئية لوحدة الابتكار الدفاعي"، الذكاء الاصطناعي للمساعدة في الفحص الصحي العسكري من خلال توسيع وظائف البرامج الطبية الحالية.

دخل الذكاء الاصطناعي في الأعوام الأخيرة عالم الطب العسكري وبدأ يحدث فعلياً ثورة حقيقية، مما يعد بتحول عميق في الخدمات الطبية ضمن ساحة المعركة.

تتميز هذه الثورة التي يتصدرها الجيش الأميركي بتحسن كبير في كفاءة الخدمات ودقة التشخيص وتخصيص الرعاية، وفي جوهر هذا التحول، أصبح الطب العسكري مجالاً رائداً، إذ يستفاد من الذكاء الاصطناعي للاستجابة بسرعة ودقة وقدرة على التكيف مع الحاجات الحرجة للعمليات الميدانية.

وضعت قيادة الجيش الأميركي خريطة طريق عام 2022 حول كيفية تخطيطها لمساعدة الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار في الطب العسكري، وتضمنت الخريطة استخدام المساعدين الرقميين المدربين على الذكاء الاصطناعي لتحديد أولويات علاجات المرضى بصورة استراتيجية من خلال تحليل البيانات الطبية الشاملة، خصوصاً في السيناريوهات ذات الموارد المحدودة أو محدودية توفر المتخصصين.

وبالفعل قامت وزارة الحرب الأميركية برعاية سلسلة من المشاريع لتطوير تقنيات جديدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، إذ طورت "وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة" برنامج "رعاية الصدمات" ودرب النموذج على أكثر من 7 آلاف مجموعة بيانات لمرضى الصدمات لتحليل صدمات المرضى وتقديم نتائج تنبئية.

ويهدف مشروع إضافي يحمل اسم "في اللحظة" إلى تحقيق أهداف مماثلة من خلال توفير مسعف افتراضي في أية ساحة معركة للمساعدة في فرز المرضى والجرحى، ويجري أيضاً تطوير نماذج طبية مماثلة تعمل بالذكاء الاصطناعي لتكون قادرة على اكتشاف الأعراض المبكرة للصدمة، واسترواح الصدر التوتري، وحتى النزف وإصابات الدماغ المؤلمة، مما يمنح الأطباء في الموقع مشورة حاسمة متخصصة وسريعة في رعاية المرضى لتمكين اتخاذ القرار الفوري وتحسين نتائج علاج المرضى.

تساعد أنظمة الذكاء الاصطناعي هذه أيضاً على التنبؤ بالحاجة إلى العلاج في المستشفى أو الإجراءات الجراحية الطارئة، مثل عمليات بتر الأطراف، في غضون 60 دقيقة من الإصابة.

وعلى رغم أن عمليات البتر الميدانية الطارئة تكون ضرورية في كثير من الأحيان، فإنها تظهر زيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية بمقدار أربعة أضعاف (لعمليات بتر الأطراف السفلية عند الركبة أو فوقها)، وزيادة خطر الإصابة بآلام شديدة أسفل الظهر بنسبة 31 في المئة، ويمكن أن تسبب اضطراب ما بعد الصدمة، لذا يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي للتخفيف من هذه النتائج من خلال تقييم الحاجة إلى البتر الفوري والتنبؤ بنتائج تعافي الأطراف.

إلى ذلك يجري تطوير أساليب الذكاء الاصطناعي المبتكرة لتمكين استخدام التحليلات الطبية، التي كانت تقتصر تقليدياً على المستشفيات، في سيناريوهات الطب التشغيلي لتحسين فرز المرضى ونتائجهم، ومن الأمثلة على ذلك نموذج (MySurgeryRisk) للذكاء الاصطناعي، الذي طوره باحثون في جامعة "فلوريدا"، وصمم للتنبؤ بأخطار كثير من المضاعفات الرئيسة بعد الجراحة، بما في ذلك الجلطات الدموية وإصابة الكلى الحادة بدقة تراوح ما بين 82 و94 في المئة.

ومن المتصور أن أدوات الذكاء الاصطناعي، بمجرد تطويرها وتدريبها في مرافق المستشفيات في الولايات المتحدة، يمكن تكييفها ونقلها للاستخدام في المستشفيات الميدانية أو إلى مراكز الإسعاف النائية.

وفي المستشفيات العسكرية، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحدث فرقاً كبيراً في الاستعداد السريري والكشف المبكر عن الأخطار المحتملة للإعاقة الطبية، ويمكن لنماذج الذكاء الاصطناعي تقييم حال الاستعداد الحالية لتحديد نقاط الضعف التي يمكن أن تعرض أفراد الخدمة للخطر، مما يؤدي إلى إصابات جسدية وعقلية.

وتطور وزارة الحرب الأميركية حالياً برنامج "مجموعة أدوات معلومات جاهزية التقييم الطبي" للتنبؤ باحتمالية دخول أعضاء الخدمة إلى نظام تقييم الإعاقة من خلال تحليل البيانات الصحية العسكرية الرقمية وربطها بالنتائج المستقبلية، فيما تستخدم برامج أخرى، مثل "خوارزمية الصحة التنبئية لوحدة الابتكار الدفاعي"، الذكاء الاصطناعي للمساعدة في الفحص الصحي العسكري من خلال توسيع وظائف البرامج الطبية الحالية، ويمكن لهذه البرامج القوية أن تحدد المشكلات الطبية المحتملة لدى الأفراد وأولئك الذين يخضعون للتدريب، وهذا ما يضمن جاهزية القوات العسكرية.

يؤدي علم الأشعة دوراً حاسماً في توفير البيانات الطبية المهمة وغير الجراحية، لا سيما في حالات الطوارئ الطبية والصدمات، ومنذ أكثر من 30 عاماً، اعتمد معيار التصوير الرقمي والاتصالات في الطب من قبل أقسام الأشعة في الولايات المتحدة، بما في ذلك الجيش، لتخزين الصور الطبية الرقمية وتبادلها، وكانت وزارة الحرب الأميركية أول جهة دفاعية في العالم تعتمد تقنية التصوير الشعاعي الرقمي وأرشفة الصور ونظام الاتصالات، مما سهل استخدامها لعلم الأشعة من بعد.

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 تاريخياً، كانت هذه القدرة مقتصرة على المستشفيات الكبرى بسبب تعقيد المعدات إلى جانب الحاجة إلى مشغلين متخصصين، بينما تعمل الأشعة المعززة بالذكاء الاصطناعي حديثاً على تسريع هذه العملية من خلال تسهيل أو أتمتة بروتوكولات الاستحواذ والمعالجة اللاحقة، مما يتيح نشر خدمات الأشعة المتقدمة في المناطق التي لم تكن متاحة فيها بطريقة أخرى.

واليوم يستخدم الجيش الأميركي ماسحات التصوير بالرنين المغناطيسي المحمولة ذات المجال المغناطيسي المنخفض، التي تحوي نظام ذكاء اصطناعي متكاملاً يمكنه أداء هذه المهام بأقل قدر من الدعم الخارجي، هذا الماسح الضوئي متحرك نسبياً ويمكن نشره في مستشفى عسكري مع الحد الأدنى من الموظفين والموارد من أجل توفير معلومات تشريحية مهمة عن أفراد الخدمة المصابين.

وأصبحت هذه الأنظمة المحمولة أكثر تقدماً وشيوعاً إلى حد كبير بسبب مساهمة نماذج معالجة بيانات الذكاء الاصطناعي التي يمكنها إنشاء صور عالية القيمة ضمن حدود الماسح الضوئي المحمول.

تعد الصحة العقلية لأعضاء الخدمة العسكرية مصدر قلق بالغ في الطب التشغيلي إذ يتعرض أفراد الخدمة العسكرية وأفراد الطوارئ بصورة روتينية لأحداث مؤلمة، التي يمكن أن يكون لها آثار نفسية عميقة تؤدي إلى ارتفاع معدل الإصابة بالأمراض العقلية والانتحار.

واليوم يعتبر استخدام الذكاء الاصطناعي لتقييم منشورات وسائل التواصل الاجتماعي من قبل أعضاء الخدمة والمحاربين القدامى تطبيقاً جديداً لتحديد الأشخاص الذين لديهم أفكار انتحارية ولتحسين الوقاية، وباستخدام نموذج "روبرتا"، تمكن الجيش الأميركي من تقييم منشورات وسائل التواصل الاجتماعي للجنود لتحديد الأفراد الذين يمتلكون سلوكيات انتحارية.

وبعيداً من منع الانتحار، يعد استخدام الذكاء الاصطناعي أمراً بالغ الأهمية لضمان رفاهية المحاربين القدامى وإعادة تأهيلهم في بيئة مدنية، وقد استثمر الجيش الأميركي في تطوير روبوتات الدردشة المدعمة بالذكاء الاصطناعي المدربة على علاج اضطرابات الصحة العقلية التي يمكن أن تساعد في تقديم استشارات الطوارئ على مدى الساعة طوال أيام الأسبوع للمحاربين القدامى الذين يعانون أزمات عقلية ونفسية.

وهكذا أصبحت هذه الأدوات حيوية لمكافحة أزمة الانتحار المستمرة بين المحاربين القدامى، على رغم أنها لا تزال تتطلب الحذر من قبل المستخدمين والإشراف من قبل المتخصصين في الصحة العقلية.