المشهد الثقافي السوري في مرحلة التحول

المصدر : الثورة | الخميس , 15 تشرين الأول | : 30

إن المؤسسة الثقافية تشبه في جوهرها خريطةً للبلاد التي تنتمي إليها، فاتجاهها يكشف صورة الإنسان الذي تريد الثقافة أن تبنيه، وحين تتعدد المسارات دون رابط يجمعها يصبح المشهد الثقافي أشبه بمدينة واسعة تتقاطع فيها الطرق ولا يعرف المسافر أيها يوصله إلى وجهته.

ومن هنا فإن الحديث عن الرؤية الثقافية في سوريا أعمق من أن يكون شأناً إدارياً يتعلق بهيكل وزارة أو تحديد أدوار وتوزيع اختصاصات، لأنه يتصل بالطريقة التي تريد سوريا أن ترى بها نفسها، وأن يراها بها أبناؤها والعالم.

ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في المرحلة الحالية، لذلك عملت وزارة الثقافة على إعداد خطة استراتيجية تتضمن تطوير هيكلها التنظيمي وصياغة الملامح العامة للهوية الثقافية السورية، وهي خطوة تنقل العمل الثقافي من مجموعة أنشطة متفرقة إلى منظومة لها رؤيتها وأهدافها وآليات تنفيذها.

إن الرؤية الثقافية في معناها الحقيقي لا تبدأ من عدد الفعاليات التي أقيمت، بقدر ما تبدأ من السؤال عما نريد أن يتغير في علاقة السوري بالمعرفة والفن والكتاب والتراث والمكان، وعندما يصبح هذا السؤال جزءاً من التخطيط تتحول المكتبة من مبنى يحوي الكتب إلى مؤسسة تبني علاقة جديدة مع المعرفة، ويتحول المتحف من مكان لحفظ القطع إلى مساحة لفهم التاريخ.

ومن وجهة نظري فإن الرؤية الثقافية الناجحة هي التي تنطلق من الإنسان قبل البناء، ومن المعنى قبل الشكل، فالمؤسسة التي تعرف جمهورها وتدرك احتياجاته تستطيع أن تصمم خدماتها وبرامجها بطريقة تجعل الناس شركاء في الفعل الثقافي بدلاً من أن يكونوا متلقين له، وهذا التحول في النظرة يحتاج إلى وقت وصبر، لكنه يمنح العمل الثقافي استقراراً وعمقاً لا تمنحه الأنشطة العابرة مهما كثرت.

ولعل ما يجري في المكتبة الوطنية يقدم مثالاً على هذا التحول، فقد اتجهت المكتبة إلى بناء هوية استراتيجية جديدة، وعقدت مؤتمراً تشاورياً ضم فئات مجتمعية مختلفة من المستفيدين وذوي المصلحة لبحث رؤيتها ورسالتها وقيمها وتطوير خدماتها والتحول الرقمي في أقسامها.

وهذه التفاصيل وإن بدت إدارية في ظاهرها فإنها تعيد تعريف وظيفة المؤسسة الثقافية نفسها، بحيث تصبح المكتبة متاحة لجميع السوريين، وتنتقل من حفظ المعرفة إلى تنظيم الوصول إليها وتهيئة بيئة تسمح بتداولها.

كما أن التعاون بين وزارة الثقافة وجامعة دمشق يضيف بعداً آخر لهذه الصورة، فقد شملت مذكرة التفاهم بين الطرفين تدريب الكوادر وترميم المخطوطات وتخصيص قسم لمخطوطات الجامعة في المكتبة الوطنية وتطوير مشاريع رقمية وقواعد بيانات مشتركة، مما يعيد وصل الثقافة بالبحث العلمي، ويجعل المعرفة عملية تشاركية بين المؤسسة الثقافية والمؤسسة الأكاديمية.

وتكمن أهمية هذا النوع من الشراكات في أنه يجمع بين خبرتين مختلفتين، خبرة المؤسسة الثقافية في الحفظ والإتاحة والتواصل مع الجمهور، وخبرة الجامعة في البحث العلمي وإعداد الكوادر وإنتاج المعرفة، وحين تلتقي هاتان الخبرتان في مشاريع مشتركة يصبح الطالب الجامعي أقرب إلى مصادر المعرفة الأصلية، ويصبح الباحث أقدر على الوصول إلى المادة التي يحتاجها، وتتحول المكتبة والأرشيف إلى امتداد طبيعي لقاعة الدرس.

وهنا يبرز جانب مهم من جوانب الرؤية، وهو أن تعرف المؤسسة إلى أين تريد أن تصل، وأن تعرف في الوقت نفسه كيف تقيس الطريق، فكل خطة ثقافية تحتاج إلى مؤشرات واضحة تخبرنا بعد عامين أو ثلاثة بمدى اقترابنا من الهدف، مثل: عدد الكتب المرقمنة وساعات الاستخدام وأعداد المستفيدين وحجم الإنتاج البحثي وانتشار الخدمات في المحافظات ومشاركة الشباب، وهذه المؤشرات تتحول مع الوقت إلى لغة جديدة للسياسة الثقافية، تساعد على تصحيح المسار في الوقت المناسب. 

لكن الأرقام وحدها لا تكفي، فالثقافة تنمو أيضاً في مساحات يصعب قياسها، في قارئ اكتشف كتاباً غيّر نظرته إلى العالم، وفي طالب دخل متحفاً للمرة الأولى، وفي باحث وجد مخطوطاً بحث عنه سنوات، ولهذا يحتاج التخطيط الثقافي إلى عينين، عين ترى المؤشر والرقم، وعين ترى الإنسان الذي يقف خلفهما.

وانطلاقاً من ذلك يمكن أن تتسع الرؤية أكثر، فالثقافة السورية تمتلك من المادة التاريخية والرمزية ما يكفي لتكون جزءاً من مشروع وطني طويل الأمد، غير أن هذه المادة تحتاج إلى مؤسسات تحملها وتربط عناصرها، فالمكتبة والأرشيف والمتحف والفنون والمركز الثقافي والجامعة والمدرسة ودور النشر أجزاء من ذاكرة واحدة، وكلما اقتربت من بعضها أصبح المشهد أكثر قدرة على إنتاج المعنى.

كما أن الرؤية الواضحة تمنح العاملين في المؤسسات الثقافية إحساساً بالاتجاه، فالموظف الذي يعرف الهدف الذي تسعى إليه مؤسسته، ويدرك موقع عمله اليومي من هذا الهدف، يتحول من منفِّذٍ للمهام إلى شريك في صناعة النتيجة، وهذا ما يجعل الاستثمار في الكوادر وتدريبها وتطوير مهاراتها جزءاً أساسياً من أي خطة استراتيجية، لأن الخطط في النهاية تُنفذ بأيدي الناس الذين يؤمنون بها.

إن بناء السياسة الثقافية يشبه بناء بيت واسع، قد يبدأ بمخطط على الورق، لكن قيمة المخطط تظهر عندما نعرف إلى أين يفتح كل باب، وإلى أين يقود كل ممر، ولماذا وجدت كل غرفة، وهذا النوع من الرؤية هو ما يجعل الثقافة طريقاً مستمراً بدلاً من أن تكون مسارات مؤقتة.

والمستقبل الثقافي لا يأتي مصادفة، وإنما يُبنى حين تتحول الرؤية إلى عمل، والعمل إلى معرفة، والمعرفة إلى أثر يعيش مع الناس، ولذلك فإننا قبل أن نتحدث عن حماية الذاكرة واستثمار التراث وبناء الحضور الثقافي في العالم، نحتاج إلى بناء مؤسسة تعرف موقعها على الخريطة، وتستطيع أن ترسم الاتجاهات وتحدد المسارات للوصول إلى الوجهة المقصودة.