التوغلات الإسرائيلية في سوريا.. الذريعة الأمنية في قلب السجال الانتخابي
دمشق-سانا
لم تعد التوغلات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية منذ الثامن من كانون الأول 2024 تقتصر على تداعياتها الميدانية وانتهاكها القوانين الدولية، بل باتت حاضرة في السجال السياسي الداخلي الإسرائيلي حول إدارة الملفات الأمنية وتوظيفها سياسياً، مع تصاعد انتقادات المعارضة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بشأن قرارات عسكرية وتوقيت اتخاذها، بالتزامن مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة غداً (27 تشرين الأول الجاري).
وبينما يقدم نتنياهو التحركات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية باعتبارها إجراءات لحماية أمن إسرائيل، تركز انتقادات معارضيه على طريقة إدارة الحكومة للملفات الأمنية، محذرةً من توظيف المخاوف الأمنية والقرارات العسكرية في الحسابات الانتخابية، في وقت تؤكد فيه دمشق استعدادها لمعالجة القضايا العالقة عبر الحوار، بما يحفظ سيادة سوريا ووحدة أراضيها.
حرص نتنياهو خلال الأشهر الماضية على تقديم الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي السورية بوصفه جزءاً من استراتيجية أمنية تقوم على إبعاد ما تصفه حكومته بالتهديدات عن الحدود، وإقامة مناطق عازلة تتيح للقوات الإسرائيلية التحرك خارج حدودها.
وفي التاسع من أيلول الماضي، زار نتنياهو منطقة جبل الشيخ السوري، وتحدث عن تحقيق ما وصفه بـ”السيطرة المطلقة” على مساحة تمتد من قمة جبل الشيخ إلى نهر اليرموك، وصولاً إلى البحر المتوسط، معتبراً أن منع إقامة قوة عسكرية معادية قرب الحدود يمثل أحد أبرز إنجازات حكومته، كما أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، أن قواته لن تنسحب من “المنطقة الأمنية” التي تسيطر عليها في سوريا، وفق ما أوردته صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية.
وتكشف هذه التصريحات عن توجه نحو تثبيت الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي السورية وربطه بمفهوم أمني أوسع، يتضمن الاحتفاظ بمواقع استراتيجية وفرض ترتيبات على المناطق الجنوبية، بدلاً من حصره في إجراءات مؤقتة مرتبطة بظروف أمنية محددة.
وكان نتنياهو أعلن في كانون الأول 2025 أن التوصل إلى اتفاق مع سوريا ممكن، لكنه ربط ذلك بإقامة منطقة منزوعة السلاح تمتد من دمشق إلى جبل الشيخ، ويطرح هذا الموقف تساؤلات بشأن حدود المطالب الإسرائيلية، ولا سيما إذا تحولت الترتيبات الأمنية إلى شروط تفرض قيوداً على سوريا داخل أراضيها.
في المقابل، امتد الجدل إلى الداخل الإسرائيلي، حيث تتهم شخصيات معارضة نتنياهو بتوظيف المخاوف الأمنية والقرارات العسكرية لخدمة حساباته السياسية، محذرةً من أن هذا النهج قد يعرّض أمن إسرائيل لمخاطر إضافية.
وفي الحادي والعشرين من تشرين الأول الجاري، دعا يائير غولان زعيم حزب ”الديمقراطيين” المعارض، رئيس الأركان إيال زامير وقادة المؤسسة الأمنية إلى منع نتنياهو من استغلال الجيش لتحقيق غايات سياسية أو مصالح شخصية، معتبراً أنه يفتقر إلى الشرعية التي تخوله شن حملة عسكرية جديدة عشية الانتخابات، ومحذراً من تعريض أمن إسرائيل للخطر من أجل بقائه السياسي، وفق ما نقلته وكالة الأناضول.
وسبق أن انتقد غولان، في التاسع عشر من آب الماضي، الضربة الإسرائيلية التي استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية شمال غرب سوريا، واعتبرها خطوة استفزازية تعمّق الخلاف مع حلفائها، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، واتهم نتنياهو باستخدام القوة العسكرية بدوافع سياسية.
وتتجاوز دلالة هذه الانتقادات الخلاف حول عملية عسكرية بعينها، لتشمل توقيت القرارات الأمنية ومدى ارتباطها بالمنافسة الانتخابية، ففي الثلاثين من أيلول الماضي، اتهم زعيم المعارضة يائير لابيد نتنياهو بإثارة المخاوف الأمنية قبيل الانتخابات، محذراً من تحويل القضايا الأمنية إلى خلفية للدعاية الانتخابية، فيما انتقد غولان وشخصيات معارضة أخرى ما وصفوه باستغلال المخاوف لصرف الانتباه عن إخفاقات الحكومة الأمنية.
وتصاعد هذا الجدل في التاسع عشر من تشرين الأول الجاري، مع طرح نتنياهو عقيدته الأمنية الجديدة، التي تتضمن توجيه ضربات استباقية وإقامة مناطق عازلة على حدود إسرائيل، وانتقد لابيد ورئيس حزب “ياشار” المعارض غادي آيزنكوت الوثيقة، معتبرين أنها تقدم شعارات عامة بدلاً من استراتيجية تفصيلية لمعالجة التحديات والإخفاقات الأمنية، فيما اتهم آيزنكوت نتنياهو باستخدام الخوف لصرف الانتباه عن سجل حكومته.
تعكس الوقائع الموثقة اتساع نطاق العمليات الإسرائيلية داخل سوريا، فقد وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في تقرير نشرته في الثامن من تشرين الأول الجاري، ما لا يقل عن 453 توغلاً برياً إسرائيلياً بين الثامن من كانون الأول 2024 والسادس من تشرين الأول 2026، إضافة إلى مقتل 69 شخصاً على الأقل، وتسجيل 162 حالة اعتقال تعسفي و22 حادثة طالت منشآت ومرافق مدنية حيوية.
وتركزت التوغلات في محافظتي القنيطرة ودرعا، وبدرجة أقل في ريف دمشق، وشملت بلدات وقرى مأهولة ومداهمات للمنازل وإطلاق نار وقصفاً في بعض الحالات، فيما أكدت الشبكة أن الأرقام تمثل الحد الأدنى للحالات التي تمكنت من توثيقها.
وفي مؤشر آخر إلى اتساع العمليات، أعلنت المتحدثة باسم مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان شابيا مانتو، في التاسع من تشرين الأول الجاري، توثيق نحو 280 واقعة توغل عسكري إسرائيلي داخل الأراضي السورية خلال أيلول الماضي وحده، وهو أعلى عدد شهري منذ بداية العام.
وشملت الوقائع مداهمات للمنازل، وتقييد حركة السكان، والاحتجاز التعسفي، وممارسات أثرت في مصادر رزق المدنيين، وفق المفوضية التي دعت إلى وقف الإجراءات التي ترهب السكان أو تقيد حركتهم، والتحقيق في الحوادث التي أوقعت قتلى أو مصابين.
وتظهر هذه المعطيات أن تداعيات العمليات الإسرائيلية تمتد إلى حياة المدنيين وحرية تنقلهم ومصادر رزقهم، بالتوازي مع مخاطر تغيير الواقع الميداني، كما تثير هذه التحركات مسألة احترام اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، الذي ينظم فصل القوات بين سوريا وإسرائيل وتشرف الأمم المتحدة على تنفيذه.
وفي الثامن عشر من تشرين الأول الجاري، أدانت وزارة الخارجية والمغتربين تصاعد توغلات الاحتلال الإسرائيلي في القنيطرة وريف درعا، بالتزامن مع تكثيف تحليق الطيران المروحي وطائرات الاستطلاع والطيران الحربي في أجواء الجنوب السوري، وحذرت الوزارة من أن استمرار الانتهاكات يقوض فرص تحقيق الأمن والاستقرار ويعرقل جهود إعادة الإعمار والتعافي، داعيةً المجتمع الدولي إلى التحرك لوقفها وإلزام إسرائيل بالامتثال للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.
وتستمر التوغلات رغم المحادثات السورية الإسرائيلية التي استضافتها عمّان في الثالث والعشرين من آب الماضي بوساطة أمريكية، وبحثت سبل وقف الضربات والاعتقالات والعمليات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، وإحياء المفاوضات بشأن اتفاق أمني.
لا تقتصر الاعتراضات على العمليات الإسرائيلية داخل سوريا على الموقف السوري، بل تشمل دولاً عربية وإسلامية وأطرافاً دولية حذرت من تداعياتها على سيادة البلاد واستقرار المنطقة.
وفي التاسع عشر من تشرين الأول الجاري، حذر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من أن إسرائيل تسعى إلى إثارة الفوضى في سوريا، رغم التطورات الإيجابية التي تشهدها البلاد، معتبراً أن الاعتداءات الإسرائيلية تقوض سيادتها وتجعل تحقيق الاستقرار الإقليمي أكثر صعوبة.
كما أدان وزراء خارجية 12 دولة عربية وإسلامية الغارات الإسرائيلية التي استهدفت مطار أبو الظهور العسكري في إدلب، واعتبروها تصعيداً خطيراً وانتهاكاً لسيادة سوريا ووحدة أراضيها.
وسبق أن أدانت السعودية وقطر والأردن والكويت ومصر وتركيا والإمارات، إلى جانب جامعة الدول العربية، الاعتداءات الإسرائيلية وأعمال خط “سوفا 53” في القنيطرة، مؤكدة أنها تنتهك السيادة السورية واتفاق عام 1974 وتهدد الأمن والاستقرار الإقليميين، داعية إلى تحرك دولي لوقفها.
وأمريكياً، حذر السيناتور جو ويلسون، في الثاني من تموز الماضي، من أن استمرار العمليات الإسرائيلية داخل سوريا قد يأتي بنتائج عكسية ويضر بإسرائيل نفسها، داعياً إلى وقفها.
في المقابل، أبدت القيادة السورية، بعد سقوط النظام البائد في الثامن من كانون الأول 2024، استعداداً لمعالجة الملفات الأمنية والخلافات مع إسرائيل عبر الحوار والوسائل الدبلوماسية، بما يفضي إلى ترتيبات تضمن الاستقرار وتمنع التصعيد، من دون المساس بسيادة سوريا أو القبول بفرض وقائع عسكرية داخل أراضيها.
ويبرز هنا التباين بين استعداد دمشق لبحث القضايا العالقة في مقابل استمرار التوغلات الإسرائيلية وتوسيع الوجود العسكري، وتكشف التطورات أن التوغلات الإسرائيلية باتت تحمل أبعاداً تتجاوز الميدان السوري؛ فهي تمثل، من جهة، انتهاكاً للسيادة السورية يثير إدانات ومخاوف دولية،ومن جهة أخرى، أحد الملفات الحاضرة في السجال السياسي الإسرائيلي حول إدارة الأمن وتوقيت القرارات العسكرية وأهدافها.
ومع اقتراب الانتخابات، يتداخل النقاش بشأن وجود إسرائيل في سوريا واعتداءاتها المتكررة، مع الخلاف الداخلي حول أداء الحكومة الأمني.
ومع تمسك دمشق بالحوار ضمن إطار يحفظ السيادة ووحدة الأراضي السورية، بات احترام الحدود ووقف التوغلات والالتزام بالتفاهمات الدولية عناصر أساسية لأي مسار يهدف إلى الحد من التصعيد وتحقيق الاستقرار.