مصريون يفتشون في أرشيف السينما عن الوزراء الجدد
تزامناً مع انشغال الرأي العام في مصر بالسير الذاتية للوزراء في التشكيل الحكومي الجديد، يبدو الأرشيف السينمائي حاضراً بأعمال تنوعت صورة الوزير فيها من الفساد إلى الأمانة، ومن المحنة إلى المرح، ولكن غلبت الطريقة الهزلية التي ظهر بها وزراء الحكومة، ربما لأن الرسائل السياسية الحادة عادة ما تضمن تمريراً رقابياً أسرع حينما تغلف بالفكاهة والمبالغة والسخرية.
لا شك أن أرشيف السينما المصرية هو ديوان شعبي للملفات المجتمعية والسياسية، تأريخ درامي للقضايا الشاغلة ومرجع لا ينضب لقصص ومواقف تعيد نفسها بصورة أو بأخرى مع مرور الأيام والأعوام، إذ إن كل ما يحدث تقريباً هذه الأيام يجد الجمهور أن له معادلاً سينمائياً شبيهاً يمكن العودة إليه بسهولة لفلسفة الموقف واختصاره وتحليله وتفسيره، ولهذا فمع كل تشكيل وزاري جديد ينشغل الرأي العام بالتعليق على اختيارات الوزراء، ويفندون سيرهم الذاتية ومواقفهم السابقة ومؤهلاتهم، بل ويتندرون على أسمائهم، وهو ما حدث هذه الأيام حينما استدعى الفنان حسن الرداد بصورة ساخرة موقفاً من فيلم أحمد زكي الشهير "معالي الوزير" للتعليق على تطابق اسمه مع اسم وزير العمل حسن رداد، إذ عرف "رأفت رستم" الذي جسد شخصيته أحمد زكي بـ"وزير تشابه الأسماء" لأنه دخل الوزارة بالمصادفة، وهي قصة كان لها سند في أرض الواقع، وحدثت في خمسينيات القرن الماضي.
الفيلم لم تغب عنه روح السخرية، ولم يكتف باستعراض الترتيبات التي تحكم هذا العالم في فترة من الفترات، بل جسد هرم النفاق وكيف ينمو في مستويات أقل من خلال تجسيد شخصية مدير مكتب الوزير الذي كان له دور رئيس في ذلك المشهد، وحمل الفيلم لمحات تعبر عن كيفية إدارة اللعبة، حيث الشرفاء يصارعون الفاسدين وما يدور في الكواليس يبدو صادماً ويعمل الجميع على إخفائه.
الفيلم الذي أنتج عام 2002 يعتبر من أشهر الأعمال التي تناولت لعبة الحقائب الوزارية، وكيف يمكن لسهو كهذا أن يغير بنية مؤسسة ما، فهذا الوزير الذي جاء بالخطأ كان مفترضاً أن يغادر مع أول تعديل وزاري، ولكنه استغل اضطرار الحكومة للاحتفاظ به تجنباً للحرج، وبرع في النفاق واستغل البيروقراطية ليستمر طويلاً في هذا المنصب، لكنه في المقابل حصد اضطراباً في الشخصية وضلالات وتجرداً من كل القيم، لهذا فقد لاقت تدوينة الفنان حسن الرداد صدى كبيراً وتفاعلاً يثبت أن القصص السياسية في السينما المصرية، لا سيما في عالم الوزراء، تلقى اهتماماً من المواطنين الذين يحفظون كثيراً من مشاهد هذا العمل عن ظهر قلب.
كان لأحمد زكي أيضاً مواجهة لافتة في عالم الوزراء من خلال فيلم "ضد الحكومة" (1992)، إذ يعتبر فيلماً تراجيدياً يتمتع بشعبية كبيرة حتى اليوم، وفيه ينقلب حال المحامي الانتهازي المستغل لثغرات القانون بعد حادثة اصطدام حافلة مدرسة بقطار، ليضع على عاتقه أن يمثل وزيري النقل والتربية والتعليم في قفص الاتهام وسط مقاومة كبار رجال السلطة الفاسدين، الذين يسعون طوال الأحداث إلى لصق تهمة الإهمال بالعمال والموظفين الصغار لتجنيب الوزيرين هذا الموقف.
الفيلم كتبه وجيه أبو ذكري وبشير الديك وأخرجه عاطف الطيب، بينما "معالي الوزير" أخرجه سمير سيف وكتبه وحيد حامد، حيث لم يكتف حامد هنا بنظرة هامشية إلى الوزراء وإنما غاص في حياة البطل الذي لم يتورع عن قتل مساعده الشخصي في النهاية خوفاً من فضح أسراره الشائنة، كذلك كان الوزير شخصية رئيسة في فيلمه المأخوذ عن رواية إحسان عبدالقدوس "الراقصة والسياسي"، فمن خلال شخصية الوزير "عبدالحميد رأفت" (صلاح قابيل) وعلاقته براقصة (نبيلة عبيد) تتداخل الخيانات الزوجية مع الفساد السياسي في مشاهدة شديدة الذكاء والجرأة.
وحيد حامد الكاتب السينمائي الراحل كان معروفاً باهتمامه بهذا النوع من القضايا واقتحامه عالم المسؤولين على أعلى المستويات، إذ صاغ شخصيات كثير من الوزراء في أفلامه الجماهيرية، فعبارة "لازم تعرفوا إن الحكومة ما لهاش دراع علشان يتلوي" التي جاءت على لسان وزير الداخلية في فيلم "الإرهاب والكباب" إخراج شريف عرفة من أكثر العبارات شهرة في عالم الميم والكوميكس، إذ جسد الدور الفنان كمال الشناوي، واعتمد العمل ككل على المفارقات الهزلية التي تجعل الوزير يأتي مع قوة أمنية مسلحة وكبيرة ليطوق مجمع التحرير الحكومي بوسط العاصمة، بعدما تحول مواطن بسيط إلى "إرهابي" من وجهة نظر الحكومة، لتحل الأزمة بوجبة كباب فيما الوزير الذي كان يبدو قوي الشكيمة يبدو مرتبكاً وعصبياً أمام سيل من المواقف الغريبة.
بعد هذا الفيلم بأربعة أعوام، ومن بطولة عادل إمام وإخراج شريف عرفة أيضاً، قدم وحيد حامد شخصيتي وزيري الصحة والداخلية في فيلم "النوم في العسل"، الذي دارت أحداثه حول ظاهرة غريبة تضرب المجتمع وهي إصابة الرجال بالعجز الجنسي، وبعد الإنكار يتيقن الجميع فتحدث حال استنفار على أكثر من مستوى، ومن أبرز المسؤولين الذين يحاولون التصدي لتفسير المشكلة وتحليلها وزير الصحة، الذي قدم دوره نظيم شعراوي، ويعتبر مشهده الشهير خلال استجواب الحكومة في مجلس الشعب حول الكارثة من أبرز المشاهد الطريفة بالعمل، فيما واصل الفنان أحمد بدير الحفاظ على صرامة وجدية وزير الداخلية بأداء متزن، لكن صياغة الحوار نفسها كانت تبعث على الابتسام.
تعتبر الناقدة السينمائية ماجدة خير الله أن الكاتب وحيد حامد وأعماله في هذا الصدد سوف يظلان مضرباً للأمثال، مشيرة إلى أنه كان يمتلك جرأة كبيرة في الطرح، فقد "قدم الراحل شخصيات الوزراء بكل ما فيها من إدانة وفساد، وغاص في دهاليز تلك المؤسسات، حيث كان يعبر عن وقائع بصورة أو بأخرى، في مقابل أعمال لصناع غيره تظهر فيها شخصية الوزير وكأنه تمثال متكلم، والحقيقة أن شخصية الوزير في (الإرهاب والكباب) كانت واقعية جداً على رغم المبالغة في الأداء الانفعالي، حيث اعتمدت على خطاب تهديد ووعيد باستخدام العنف المفرط، لكن نظراً إلى هزلية الطلب الذي يطلقه المحتجزون يتحول الأمر إلى مشاهد ساخرة، وهكذا فالكوميديا والسخرية لديه في هذه النوعية من الأعمال عادة ما تكونان ضروريتين لتمرير العمل رقابياً وحتى مجتمعياً".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
اللافت أن عادل إمام أيضاً ضمن أكثر من ارتبط اسمهم بعالم الوزراء السينمائي، إذ قدم مع وحيد حامد في "طيور الظلام" دور الناصح الأمين للوزير الفاسد "رشدي الخيال" (جميل راتب)، وتضمن العمل الجاد مشاهد شديدة الهزلية للوزير الذي حاول الحفاظ على تفوقه السياسي بشتى الطرق، وجسد عادل إمام في فيلمه الكوميدي "التجربة الدنماركية" (2003) من تأليف يوسف معاطي وإخراج علي إدريس، دور وزير للشباب والرياضة لديه أربعة أبناء في عمر الشباب يحاول أن يربيهم بحزم ويهتم بصحتهم البدنية من دون أن يخلو الأمر من استغلال النفوذ والاحتماء بالمنصب، وتتغير حياة العائلة بعد اضطرارها إلى استضافة فتاة دنماركية في المنزل، حيث يحاول الوزير الحفاظ على القواعد المنزلية ولكنه يجد نفسه معجباً أيضاً بالشابة الجميلة، وتظهر في العمل شخصية رئيس الوزراء كذلك.
هذا التوجه في تناول حياة رجال الحكومة وممثليها الكبار من منظور ساخر ويحمل كثيراً من الانتقاد كان بالفعل أمراً معتاداً في السينما منذ الثمانينيات وحتى 10 أعوام تقريباً من الألفية الثالثة، إذ تعددت التجارب التي لم تخش الاقتراب من هذه المناصب، في حين يضعف هذا الخط حالياً في الدراما المصرية بصورة عامة، بعدما باتت القصص الاجتماعية هي الأكثر حضوراً في المشهد بسبب قربها من الجماهير، والملاحظ أيضاً أن الكوميديا كانت طاغية على مداخل التناول لقصص الوزراء على شاشة السينما المصرية، فمرة أخرى يظهر عادل إمام في فيلمه "الواد محروس بتاع الوزير"، حيث يعمل المجند البسيط بمكتب الوزير الفاسد ابن قريته قبل أن تتعقد الأمور ويتجاوز الموظف الصغير المسؤول ذا النفوذ، كذلك ظهرت شخصية وزير الداخلية بطريقة مرحة في مسلسل عادل إمام الشهير "صاحب السعادة"، وجسد الدور الفنان خالد زكي.
بصورة عامة ترى أستاذة الإعلام سهير عثمان أن اعتماد الخط الساخر في بعض القضايا يكون أسرع في الوصول، وبخاصة لدى الشعب المصري لأنه بطبيعته يحب التهكم، ولكنها مع ذلك ترفض فكرة التعميم لأنها ترى أن الأفلام التي تناولت عالم الوزراء في مصر بصورة ساخرة كانت لها طبيعة خاصة فرضت ذلك.
وتابعت "هناك أفلام شديدة الجدية تعاملت مع هذا الملف بصورة مختلفة تماماً، ولكن بعض القصص الأخرى كان الخطاب الساخر هو الأكثر مواءمة، والحقيقة أن الظهور المتوازن لشخصيات المسؤولين رفيعي المستوى في الدراما بصورة عامة بات قليلاً جداً بل ونادر الحدوث، فحقبة ما قبل ثورة يناير (كانون الثاني) شهدت تناولاً أكثر تنوعاً لهذه الفئة، فيما بات كثير من الأعمال يحمل توجهاً يجعل الظهور الشديد المثالية هو السائد، مقابل التخوف من استعراض النماذج الواقعية".
وتضرب أستاذة الإعلام مثلاً لذلك، إذ ظهر محمد ممدوح بشخصية وزير التضامن المثالي جداً في مسلسل "كارثة طبيعية" الذي عرض أخيراً، ولكنه غادر منصبه مباشرة قبل أن يساعد البطل في محنته، وهي لفتة تشبه تماماً ما حدث مع أحمد زكي بطل فيلم "أربعة في مهمة رسمية"، فبعدما تعاطف معه الوزير وكاد ينقذه من أزمته غادر المنصب، في إشارة إلى أن المنصب هو القوة الوحيدة التي تحرك أي إجراء وليس اللوائح والقوانين.
محاولة اقتحام ملفات مثل طريقة تشكيل الحكومة، وما يحدث في الغرفة المغلقة، والنبش في ما هو مسكوت عنه في بعض الأوقات، لا تصلح معها سوى الطريقة الكوميدية أو الساخرة ليبدو الوضع ظاهرياً ينتمي إلى عالم متخيل، بينما هو في صميمه ينتقد بشدة السلبيات ويعرّي الفساد، وفي الوقت نفسه يحافظ على حدود الجرأة المسموح بها رقابياً، مثلما حدث في فيلم "الوزير جاي" (1986) الذي يكشف نمطاً كان قد شاع في كثير من الهيئات الحكومية يتعلق بترتيب الأوضاع وجعلها مثالية ولكن بصورة موقتة فقط حتى تمر زيارة المسؤول الكبير على خير، بينما يعود الإهمال والفساد مجدداً بمجرد مغادرته.
والقصة تدور حول مواطن يحاول إنهاء بعض الإجراءات ويشهد بالمصادفة مجموعة من الإجراءات العبثية التي يقوم بها مسؤولو وموظفو إحدى الهيئات الحكومية، وفي حين يتعرض لروتين قاتل وعذاب إداري بلا منطق يجد أن هؤلاء يبذلون جهدهم لإظهار المؤسسة على أكمل وجه خلال زيارة الوزير المرتقبة سعياً إلى نيل ترقية، فحضور الوزير هنا يجلب معه كل طرق النفاق كونه رمز السلطة بالنسبة إليهم، ومن هنا يبدأون في تأليف أغانٍ للترحيب به، ويصل بهم الأمل لاتخاذ قرار باستئجار مجموعة من الممثلين ليمثلوا أدوار مواطنين راضين عن الخدمة ومستوى المؤسسة أمام الوزير.
المؤكد أن ظهور الشخصيات الوزارية بصورة موضوعية أو حتى بصورة عميقة كمحور في الأحداث بات شحيحاً جداً، إذ يعتبر فيلم "تيمور وشفيقة" (2007) من أكثر الأعمال العالقة في الذاكرة، وقد قدم قبل نحو 20 عاماً، معتمداً أيضاً على الخط الكوميدي لقصته التي تتحدث عن وزيرة شابة تفاجأ بحبيبها يعين رئيساً لفريق الحرس الخاص بها، وفي حين يبدو الدافع من اختيار كفاءة شابة مثلها لهذا المنصب خلال التشكيل الحكومي هو إبراز التوجه العام بتمكين النساء ومنحهن فرصاً عادلة، فإنه تم انتقاد الفيلم واتهامه بنسف تلك الفكرة لأنه يروج لفشل الوزيرة في تأسيس حياة عاطفية واجتماعية ناجحة على رغم كونها امرأة ناجحة بمنصب حكومي رفيع، وحفل العمل الذي قامت ببطولته منى زكي مع أحمد السقا بعشرات اللقطات الطريفة بين البطلين وأسرتيهما، لا سيما أنهما يسكنان في البناية نفسها.