قاموس التعاسة الرقمية... كيف كشفت كلمات 2025 بؤس الإنترنت؟
تعكس كلمات العام 2025 في القواميس الكبرى تحولاً لافتاً في لغتنا، إذ باتت تلتقط بؤسنا الرقمي ونفورنا المتزايد من الإنترنت، لا ما نعيشه في العالم الحقيقي. فبدلاً من توصيف تحولات اجتماعية ملموسة، صارت الكلمات مرآة لتعاسة جماعية تولدها منصات مصمّمة لإثارة الغضب، واستنزاف المعنى، من دون أن تقدم مخرجاً أو بديلاً.
كلمة العام 2025 في قاموس أكسفورد هي "استدراج الغضب" rage bait. وفي قاموس ماكواري هي "المحتوى الرديء للذكاء الاصطناعي" AI slop. أما قاموس كامبريدج فاختار "وهم الألفة الاجتماعية" parasocial [تصف علاقة نفسية أحادية الاتجاه، يشعر فيها المتابع بأنه يعرف شخصية إعلامية مشهورة، أو مؤثراً، أو حتى شخصية خيالية، معرفة حميمة، في حين أن تلك الشخصية لا تعرف بوجوده أصلاً. وتخلق هذه العلاقة وهماً بالألفة والقرب، تغذيه منصات التواصل الاجتماعي، وقد تفضي إلى مشاعر ارتباط وولاء، بل أحياناً إلى هوس]. في حين كانت كلمة العام في موقع Dictionary.com هي "6-7".
هناك خطبٌ ما، أليس كذلك؟ خطب عميق إلى حد أنه يخلّف أثراً لزجاً، أشبه بتلوثٍ ناجم عن كائن رخوي، يمتد حتى إلى الكلمات التي نستخدمها. الإنترنت معطل. ولا نكاد نتحدث إلا عن ذلك.
هذه هي الكلمات التي نملكها للقيام بذلك. ليس لدينا سوى معجمٍ آخذ في الاتساع من الكلمات التي تصف بؤسنا. وهي تمتد من السلبية الصريحة في شكل "استدراج الغضب"، أي المحتوى المصمَّم خصيصاً لإثارة غضب الناس؛ مروراً بـ"وهم الألفة الاجتماعية" (أي ارتباطنا المتخيَّل بالمشاهير وبأشخاص آخرين يعيشون في هواتفنا)، و"المحتوى الرديء للذكاء الاصطناعي" (المحتوى الوهمي المنخفض الجودة الذي تنتجه تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي)؛ وصولاً إلى انعدام المعنى الكامل، مثل "6-7" [هو ميم على الإنترنت وعبارة عامية منتشرة على الشبكة، لا تحمل معنى ثابتاً أو حرفياً. ويُستخدم أساساً كنكتة داخلية وإشارة اجتماعية بين أبناء جيل ألفا وجيل زد للتعبير عن فهم مشترك لثقافة الإنترنت].
لم يكن الأمر دائماً على هذا النحو. فطوال العقد الماضي، حين ترسّخ تقليد "كلمة العام"، لم تكن الكلمات المختارة تميل إلى أن يكون لها الكثير مما يتصل بالإنترنت. ثم، خلال الجزء الأول من هذا العقد الذي أصيب بعدوى كورونا، أصيبت كلماتنا بعدواه أيضاً. لكن الآن، يبدو أن أحدث كلماتنا وأكثرها أهمية لا تتناول سوى مدى تعاستنا من الإنترنت.
فكلمة قاموس أكسفورد للعام الماضي، على سبيل المثال، كانت "تعفّن الدماغ"، وفي عام 2022 كانت "وضع غوبلن" [مصطلح يعبّر عن حالة من اللامبالاة والفوضى المتعمّدة والتخلّي عن المعايير الاجتماعية]. لكن خلال عقد 2010 كانت الكلمات تدور في معظمها حول أشياء حقيقية كانت تحدث فعلاً: "حالة طوارئ مناخية" (2019) و"زلزال الشباب" youthquake (2017). قد تكون جذورها على الإنترنت، لكنها كانت تزهر في العالم الحقيقي.
كلمات عقدنا الحالي خالية من أي جوهر للحياة الواقعية؛ فهي لا تصف ما نعيشه بقدر ما تعبّر إما عن نفورنا من الجلوس أمام الشاشة، أو عن مقدار الضيق الذي يسببه لنا ذلك.
ويبدو أن ذلك يعكس تعاسة أوسع في العالم الحقيقي. فالناس لطالما اشتكوا من الإنترنت، بطبيعة الحال، وقد أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تسريع هذا التذمّر وتضخيمه. غير أن السنوات الأخيرة أفرزت منصات تواصل اجتماعي تبدو مصمَّمة بدقة لإغضابنا. ويمكن تقديم تفسير عام يشرح كيف تعزز الخوارزميات الخلاف، وكيف يغمرنا تدفّق المحتوى بجرعات سريعة من الدوبامين. لكن في صميم هذا التحليل حقيقة أكثر قسوة: الوجود على الإنترنت لم يعد ممتعاً كما كان.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هذا الإنترنت يفقد حيويته، فيما تطلق أستراليا حظراً طال انتظاره، والمثار حوله جدل واسع، على وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون السادسة عشرة. والانتقادات كثيرة: أنه لن ينجح على النحو الصحيح، وأن حظر شيء ما قد لا يكون أفضل طريقة لمعالجة أي مشكلات، حتى لو نجح. لكن قلّة فقط ستنكر وجود مشكلة تحتاج إلى حل.
غالباً ما توصف علاقتنا بإنترنت اليوم بأنها إدمانية، وهو توصيف دقيق بلا شك، لكنه لا يشرح الصورة كاملة. في السابق، كان الإنترنت يُعدّ شيئاً قد يسبب الإدمان، لكنه في الوقت نفسه مفيد ومغذٍّ، كنوع من الطعام. ولهذا تقوم توصيات وقت الشاشة المعتمدة اليوم على تشبيه غذائي، يقوم على فكرة الجرعات والاعتدال. أما اليوم، فننظر إليه بوصفه إدماناً فارغاً لا متعة فيه، يشبه التعلّق بآلات القمار في الكازينو من دون فرصة حقيقية للفوز.
ومع ذلك، فإن الرغبة في الهروب من ذلك الكازينو اللامع والمربك، والابتعاد عن الإنترنت، تتحقق ــ على نحوٍ مفارق ــ عبر ثقافة الإنترنت نفسها. إذ تعجّ منصة "إكس"، بمنشورات لأشخاص يبحثون عن طرق لـ "جعل حياتهم أفضل قدر الإمكان" بعيداً من الإنترنت. "اترك هاتفك"، كتب أحدهم، وهي عبارة قرأتها على شاشة هاتفي في طريق الذهاب إلى العمل.
وهذه، بلا شك، هي العلاقة نفسها مع الإنترنت التي تعكسها هذه الكلمات الجديدة، مثل "استدراج الغضب". فهي كلمات تصف بؤسنا الذاتي، لكنها، في قيامها بذلك، لا تنتشلنا منه، بل تكتفي بأن تمنحنا فهماً أدقّ للحزن الذي يحيط بنا. يمكن للكلمات أن تعمل كخرائط، تساعدنا على فهم تضاريس أفكارنا ومفاهيمنا بصورة أفضل؛ غير أن هذه الكلمات الجديدة لا ترشدنا إلى المخرج، بل تكتفي بتقديم صورة أعلى دقة لتعاسة شاملة.
وقد يكون "استدراج الغضب" أوضح مثال على ذلك. فإذا اشتكيتَ من أننا جعلنا كلمة سلبية كهذه شائعة في لغتنا، فقد يقال لك إن هذا بالضبط ما يفترض بها أن تفعله: أن تثير الغضب. فمصطلح "استدراج الغضب" يثير الغضب بدوره، ويدخلنا في دائرة مغلقة تقودنا نزولاً، إلى الجحيم.
© The Independent