فنون التلميع السياسي: وثائقي "ميلانيا" نموذجا
وثائقي "ميلانيا" من إنتاج "أمازون" يعد بكشف أسرار السيدة الأولى قبيل تنصيب ترمب، لكنه يكرس موجة أعمال تجميلية تبدو أقرب لإعلانات طويلة، إذ يهيمن الأبطال على السرد وتغيب الموضوعية، في صناعة تستثمر الفضول أكثر من الحقيقة.
"ها نحن نعود من جديد"، تردد ميلانيا ترمب بنبرة عذبة في المشهد الافتتاحي للإعلان الترويجي لوثائقي جديد هي بطلته من إنتاج "أمازون". اللقطة مأخوذة من مراسم تنصيب زوجها دونالد ترمب لولايته الثانية، إذ تطل من تحت قبعتها السوداء العريضة التي تحولت إلى مادة للسخرية على الإنترنت.
غير أن الجملة لا تبدو مجرد تعليق عابر، بل تعبير دقيق عما سيخالج كثيراً من المشاهدين: عودة جديدة لفيلم مصقول بعناية، مبالغ في إنتاجه، يتقمص هيئة الوثائقي الجاد، ويعد بكشف غير مسبوق لأسرار من عالم شخصية غامضة، لكنه لا يقدم سوى ومضات منتقاة بعناية، ولقطات متكررة خلفية للمشاهير وهم يستقلون سيارات الأجرة (أو في هذه الحالة، مشاهد لأحذية السيدة الأولى المدببة وهي تصعد وتهبط من طائرة الرئاسة).
"شاهدوا التاريخ وهو يصنع"، تظهر عبارات مكتوبة بخط أبيض وحروف كبيرة صارخة فوق خلفية سوداء، فيما يعلن شعار آخر: "20 يوماً لتصبح السيدة الأولى للولايات المتحدة". وبصراحة، إذا كان هذا أقصى ما توصل إليه صناع الفيلم لإثارة الفضول وتسويق عملهم - امرأة شغلت المنصب سابقاً تعود لتشغله مرة أخرى! - مما يوحي بأننا أمام عمل يستنزف الفكرة حتى آخرها.
صحيح أنه ليس من المفروض أن تكشف الإعلانات الترويجية أوراقها دفعة واحدة، بل إن تكتفي بدور "المقبلات" قبل الطبق الرئيس، ومع ذلك، يصعب أن يمنحك الإعلان شعوراً بأن الفيلم سيكشف شيئاً فعلياً على العالم الداخلي لـميلانيا ترمب. اللحظة الوحيدة التي تحمل قدراً ضئيلاً من الدلالة تأتي حين يسألها ترمب إن كانت تابعت أحد خطاباته، فتجيبه ببرود: "لا، سأشاهده في الأخبار"، قبل أن يُقطع المشهد فوراً والانتقال إلى صورة دعائية لامعة مصقولة.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وكما هو متوقع ربما، انقسم التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي على أسس حزبية واضحة، إذ عبر سياسيون وشخصيات نافذة محسوبة على الجمهوريين وحركة "ماغا" عن "حماستهم الشديدة" لرؤية العمل "المذهل" في صورته النهائية.
فيما نظر منتقدو ترمب إلى المشروع بعين أكثر تشككاً. "حرفياً، لا يستطيع الناس شراء الطعام، و(السيدة الأولى) تصنع فيلماً"، كتبت روندا إيلين فوكس، المديرة السابقة لمشاركة النساء في حملة جو بايدن، بينما ذهب أحد مستخدمي منصة "إكس" المجهولين إلى السخرية، متوقعاً أن يكون العمل "أول فيلم في التاريخ لا يبيع تذكرة واحدة".
غير أنه من الممكن اعتبار فيلم "ميلانيا" Melania، في جوهره، عرضاً جانبياً لعدوى أوسع تضرب صناعة الترفيه. نحن نعيش اليوم زمن الوثائقيات التجميلية، إذ يدرك النجوم والرياضيون والشخصيات السياسية على حد سواء القيمة الدعائية (والمادية) لأفلام ومسلسلات تعد بكشف "الذات الحقيقية" للمشاهير من دون أقنعة ولا فلاتر. وتعي منصات البث التدفقي جيداً أن هذا النوع من الأعمال يشكل عامل جذب جماهيرياً كبيراً (يكفي الإشارة إلى وثائقي "بيكهام" Beckham على "نتفليكس"، الذي حقق رقماً قياسياً بلغ 3.8 مليون مشاهدة في بريطانيا خلال الأسبوع الأول لطرحه).
لكن، على رغم كل مقدمات "الوصول الكامل بلا محظورات"، تكون النتيجة في النهاية دائماً عملاً يبدو أقرب إلى إعلان طويل، يلوح بلحظة كشف كبرى لا تأتي أبداً. ويصعب تجاهل الإحساس بأن بطل الوثائقي هو من يمسك فعلياً بزمام السرد، وليس صانع الفيلم، فيما تصبح الموضوعية هدفاً شبه مستحيل حين يحمل ذلك البطل نفسه صفة المنتج التنفيذي.
شهدنا هذا السيناريو يتكرر مراراً خلال الأعوام الأخيرة. فعائلة بيكهام أعقبت السلسلة التي تمحورت حول ديفيد بعمل آخر على "نتفليكس" هذا الخريف مخصص لـفيكتوريا، وكان بالمحصلة أقل كشفاً من سابقه، إذ رصدت مراجعة صحيفة "اندبندنت" امتلاءه بـ"عبارات تحفيزية جاهزة وخطابات لا تنتهي (للمرأة سيدة الأعمال)"، فيما ذهبت "غارديان" أبعد من ذلك واصفة إياه بأنه "لا يحمل من الحميمية أكثر مما تحمله سندويشة من محل للمأكولات الخفيفة الجاهزة".
المنصة نفسها قدمت أخيراً عملاً يتمحور حول سايمون كاول، ولم يكن أكثر سخاء فيما يكشفه، متجنباً طرح أسئلة أعمق حول إرثه في صناعة الموسيقى. أما الترويج الأولي لسلسلة "تلفزيون الواقع" الخاصة بـميغان ماركل فاستند بقوة إلى وعد إظهار الدوقة "الحقيقية"، لكنه في النهاية قدم صورة منقحة بعناية (مع الإشارة إلى أن "ميغان، مع الحب" With Love, Meghan هو برنامج أسلوب حياة وليس تحقيقاً صادماً، إذ كانت ميغان خاضت تجربة المكاشفة الكاملة سابقاً في مقابلتها مع أوبرا وينفري وفي وثائقي "هاري وميغان" Harry & Meghan).
وفي معظم الحالات، ما تغفله هذه الأفلام والمسلسلات يقول أكثر بكثير مما تعرضه فعلياً. يكفي النظر إلى الطريقة السلسة التي تجاوز بها وثائقي بيكهام أي نقاش لدور ديفيد آنذاك كسفير لكأس العالم في قطر، أو الغياب التام لأي إشارة إلى الخلافات العائلية المتداولة مع الابن الأكبر بروكلين في عمل "فيكتوريا بيكهام".
وعندما يتعلق الأمر بوثائقي "ميلانيا"، فإن بعض التفاصيل الأكثر دلالة تبقى بعيدة من الشاشة. فبحسب ما نقلته "وول ستريت جورنال"، دفعت "أمازون" نحو 40 مليون دولار للحصول على حقوق عرض الفيلم بعد أسابيع قليلة فقط من عشاء جمع ميلانيا وزوجها في قصر مارالاغو الذي يملكه ترمب بـجيف بيزوس وخطيبته آنذاك لورين سانشيز، وهو توقيت يكشف كثيراً عن الطريقة التي يحرص بها رجل الأعمال على توطيد علاقته بالإدارة الحالية (مع تأكيد متحدث باسم "أمازون" أن الصفقة جاءت ببساطة "لأننا نعتقد أن الجمهور سيحب العمل"). أما حصول السيدة ترمب على ما يقارب 70 في المئة من هذا المبلغ، فيقدم بدوره دلالة إضافية على الكيفية التي تختار توظيف منصتها بها.
واللافت أيضاً أن الفيلم من إخراج بريت راتنر، المخرج الذي وجهت إليه اتهامات بالاغتصاب والاعتداء الجنسي في ذروة حركة "مي تو" #MeToo عام 2017 (وهي اتهامات دأب على نفيها بشدة). يمثل فيلم "ميلانيا" عودة راتنر إلى صناعة السينما، واختيار آل ترمب لهذا المخرج يكشف كثيراً عن استعداد عالم "ماغا" لاحتضان الشخصيات التي تعرضت "للإلغاء" من دون تردد، ومدى ضعف اكتراثه بحركات مثل "مي تو".
ولا شك أن شخصية ميلانيا تثير الفضول، فهي السيدة الأولى التي تميل إلى اختيار زينة عيد الميلاد بأسلوب في غاية الجرأة والتجريب، وبدت دائماً منفصلة عن الطموحات السياسية لزوجها (خلال وقت سابق من هذا العام، ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" أنها كانت حاضرة في "أقل من 14 يوماً" من أصل الأيام الـ108 الأولى من ولاية ترمب الثانية).
لكن فيلماً دعائياً من هذا النوع لن يكون بالتأكيد الوسيلة لاختراق الدرع الخارجي. من المرجح أن يضطر صانعو الأفلام للانتظار حتى انتهاء ولاية زوجها الثانية قبل أن يجرؤ أي منهم على محاولة فهم هذا اللغز، ويظل كل ما يعرض علينا خلال الوقت الحالي مجرد إدارة محضة للظهور.
© The Independent