لماذا نكره أصواتنا المسجلة؟... العلة في الهواء
يعمل هذا التنافر على زعزعة إحساسه بذاته، لا سيما بالنسبة إلى المغنين وإلى مقدمي البرامج أو الأشخاص الذين يعتمدون بصورة كبيرة على أصواتهم، مثل المعلمين والمدربين والممثلين، فعبارة "هذا لا يشبه صوتي" قد تشكل أحياناً أزمة وجودية.
عندما قررت إنتاج البودكاست الخاص بي منذ سنوات، وقف صوتي عائقاً بيني وبين ما أريد القيام به، فلم أشعر بالراحة معه حتى بعد تجارب قليلة، وكأنه شخصية منفصلة لا أعرفها، وتساءلت في سري كيف سيراه الآخرون؟ هل سينزعجون منه؟ هل سيظهر بصورة نافرة؟ إلى أن وصل الأمر إلى حد كرهه وعدم الرغبة في سماعه بأي تسجيل.
لكن الرغبة كانت أشد من هذا العائق، فبحثت وتقصيت عن السبب وكيف يمكن التقرب منه وتطويره، لأكتشف بعد تجارب عدة فاشلة وناجحة شيئاً مختلفاً من الحكم الصادر بحقه، إلا أن المفاجأة كانت أثناء البحث أن هذا النفور هو عام ويصيب الجميع عند سماعهم لأصواتهم في التسجيلات.
فلماذا نكره أصواتنا في التسجيلات الصوتية؟ وما الأسرار التي تقف خلف هذا النفور؟
إن التفسير الشائع اليوم هو أننا نسمع أصواتنا أثناء الكلام، فنستقبل الصوت من خلال انتقاله عبر الهواء، إضافة إلى انتقاله داخلياً عبر العظام. وينتج انتقال الصوت عبر العظام ترددات منخفضة غنية لا يتضمنها الصوت المنقول عبر الهواء، لذا عندما تسمع صوتك المسجل من دون هذه الترددات، يبدو أعلى وأكثر اختلافاً. وعن هذا تقول سيلك بولمان، وهي عالمة نفس في جامعة إسيكس، "أعتقد أن أصواتنا تبدو أعلى مما نظن أنه يجب أن تكون عليه، وتجعلنا نشعر بالحرج لأنها لا تلبي توقعاتنا الداخلية، فصوتنا يلعب دوراً كبيراً في تشكيل هويتنا، وأعتقد أنه لا أحد يحب أن يدرك أنه ليس الشخص الذي يعتقد أنه هو".
ويطلق الباحثون على هذا اسم عدم التطابق السمعي، إذ يحتفظ دماغنا بصورة ذهنية لما يبدو عليه صوتنا، وعندما لا تتطابق تلك الصورة مع التسجيل، يصاب نظامنا بالارتباك، لذا فقد يشعر هذا التناقض المرء بأزمة هوية، ويعمل هذا التنافر على زعزعة إحساسه بذاته، لا سيما بالنسبة إلى المغنين وإلى مقدمي البرامج أو الأشخاص الذين يعتمدون بصورة كبيرة على أصواتهم مثل المعلمين والمدربين والممثلين، فعبارة "هذا لا يشبه صوتي" قد تشكل أحياناً أزمة وجودية.
وتشير الأبحاث الحديثة إلى أن كره صوتك المسجل لا يتعلق دائماً بالنبرة نفسها، بل يتعلق بانفصال أعمق، ما يعبر عنه صوتك في مقابل ما تتمنى أن يعبر عنه، ويصف المتحدثون والمغنون أصواتهم باستخدام استعارات مثل الفضاء أو الملمس أو الحرية. لتكشف هذه الاستعارات عن مدى ارتباط صوتنا بالجسد والهوية، ومدى الإزعاج الذي نشعر به عندما لا يتوافق مع إحساسنا الداخلي بذواتنا. وبهذا المعنى، يصبح صوتنا بمثابة مرآة، وفي بعض الأحيان، يعكس شيئاً لسنا مستعدين لرؤيته.
وعن هذا يقول نيل بهات، أستاذ مساعد في طب الأذن والأنف والحنجرة في كلية الطب بجامعة واشنطن، "بصفتي جراحاً متخصصاً في علاج المرضى الذين يعانون مشكلات في الصوت، أقوم بتسجيل أصوات مرضاي بصورة روتينية. فبالنسبة إلي، تعد هذه التسجيلات قيمة للغاية، إذ تمكنني من تتبع التغيرات الطفيفة في أصواتهم من زيارة لأخرى، وتساعدني في التأكد مما إذا كانت الجراحة أو العلاج الصوتي قد أدى إلى تحسن، لكنني أفاجأ بمدى صعوبة هذه الجلسات على مرضاي، إذ يشعر كثير منهم بعدم الارتياح بصورة واضحة عند سماع أصواتهم مسجلة. ويتساءلون بألم، هل يبدو صوتي هكذا حقاً؟". ويتابع "يصبح بعضهم مضطربين لدرجة أنهم يرفضون تماماً الاستماع إلى التسجيل، ناهيك بالخوض في التغييرات الدقيقة التي أريد تسليط الضوء عليها".
في عام 2013 طلبت دراسة من المشاركين تقييم جاذبية عينات صوتية مسجلة مختلفة، وعندما مزج صوتهم سراً مع هذه العينات، أعطى المشاركون تقييمات أعلى بكثير لصوتهم عندما لم يتعرفوا عليه. وفي سلسلة من الدراسات المبكرة التي نشرت قبل سنوات من وفرة التقارير، التي تقدم تفسير تردد الصوت والتوقع. خلص عالما النفس الراحلان فيل هولزمان وكلايد راوزي عام 1966 إلى أن مواجهة الصوت لا تنشأ فقط من اختلاف التردد المتوقع، بل من كشف مذهل يحدث عند إدراك كل ما ينقله صوتنا. فهو لا يبدو مختلفاً عما نتوقعه فحسب، بل يكشف من خلال ما يسمى "الإشارات غير اللغوية" جوانب من شخصيتنا لا يمكننا إدراكها بالكامل إلا عند سماعها من تسجيل. وتشمل هذه الجوانب مستوى قلقنا وترددنا وحزننا وغضبنا، وما إلى ذلك. وبحسب قولهم، فإن "الاضطراب والتجربة الدفاعية هما رد فعل على مواجهة مفاجئة مع الصفات التعبيرية في الصوت التي لم يكن الشخص ينوي التعبير عنها، التي لم يكن يدرك حتى تلك اللحظة أنه قد عبر عنها".
ويؤيد دراسات هولزمان وراوزي، عالم الأعصاب في جامعة ماكجيل مارك بيل، وهو متخصص في التواصل العاطفي فيقول "عندما نسمع صوتنا المنفرد، غير المرتبط بسلوكنا، قد نمر بعملية تقييم تلقائية لصوتنا، كما نفعل عادة مع أصوات الآخرين. لذا أعتقد أننا نقارن انطباعاتنا عن الصوت بكيفية تقييم الآخرين لنا اجتماعياً، مما يدفع كثيرين إلى الشعور بالضيق أو عدم الرضا عن طريقة كلامهم، لأن الانطباعات التي تتشكل لا تتوافق مع السمات الاجتماعية التي يرغبون في إظهارها".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن هناك سر يربط بين كراهية الصوت في التسجيلات وبين طريقة التنفس الخاطئة، فعندما يكون تنفسنا غير فعال، غالباً ما يكون صوتنا من أوائل الأشياء التي تتأثر، إذ يعتقد كثيرون أن إجهاد الصوت ناتج من كثرة الكلام، لكن عادات التنفس السيئة قد تجعل الكلام أكثر إرهاقاً مما ينبغي. ويتساءل كثيرون عما إذا كان التنفس الفموي يؤثر في الكلام، وهنا تشير الأبحاث إلى أنه قد يؤثر، فالتنفس الفموي المعتاد يغير الوضع الطبيعي للسان والشفتين والفك، مما يؤثر في كل من إنتاج الكلام وجودة الصوت مع مرور الوقت.
لذا فعندما نتحدث من مستوى صدرنا وفمنا أي سطحياً، فنحن ننتج صوتاً ضعيفاً وحاداً، أي قليل الرنين، وكذلك متقطعاً أو غير مستقر، ومع السرعة في الكلام يفقد صوتنا عمقه ويبدو ضعيفاً وطفولياً، وأحياناً كثيرة مزعجاً وغير مفهوم. بينما لو كنا نتحدث من بطننا وهو الشكل الاحترافي، فإن الصوت الذي يخرج سيكون عميقاً ورناناً من الأساس، وهو الصوت الذي يترك أثراً ويميز متبع هذا التنفس، ويجعل صاحبه قادراً أكثر على الإقناع والتحدث بثقة أكبر. وهذه التقنيات يجري تعليمها في دورات خاصة للصوت، وهي قادرة على تغيير سمة أصواتنا من صوت تائه وفارغ لا معنى له، إلى صوت لديه حضور وبصمة تميزه عن الآخرين، وتجعل صاحبه مفتخراً به ويحبه.