لماذا أصرت "ناسا" على إرسال البشر بدلا من الروبوتات إلى القمر؟
الاستراتيجية المعدلة لـ"ناسا" تركز بصورة أكبر على المهام الروبوتية التمهيدية لوضع الأسس لوجود بشري مستدام. وتتوقع "ناسا" وفقاً لمواقع علمية أميركية بارزة، "وتيرة ثابتة من عمليات الهبوط الروبوتية قرب القطب الجنوبي، ربما شهرياً، بدءاً من عام 2027، وذلك لجمع بيانات حول درجات الحرارة القصوى وخصائص التربة وتحديات الاتصالات".
وفق خطط "ناسا" الجديدة، ستبقى الوجهة النهائية لأرتيميس هي القطب الجنوبي للقمر. وهي منطقة يعتقد أنها تحوي جليداً مائياً مخزناً في "فوهات مظللة بصورة دائمة"، ويعد هذا الماء مورداً بالغ الأهمية لاستكشاف الإنسان للقمر في المستقبل.
بالنسبة إلى "ناسا"، حُسم النزاع سريعاً بخصوص وضع البشر على متن رحلة "أرتيميس 2" التاريخية التي انطلقت إلى القمر بنجاح قبل أيام قليلة، وعلى متنها طاقم بشري بالكامل مكون من أربعة رواد فضاء، ثلاثة أميركيين والرابع كندي. وبذلك أكدت الوكالة، التي تسير بخطة واثقة تحت قيادة رائد الأعمال والملياردير الأميركي جاريد إيزاكمان، أن دور البشر سيأتي أولاً في كثير من مراحل "أرتيميس" نحو القمر. في المقابل، تركت الروبوتات لإنجاز المهمة الأخطر وهي تنفيذ هبوطات استكشافية عدة في منطقة الهبوط المتوقعة، وهي البقاع الوعرة جداً في القطب الجنوبي المتجمد على سطح القمر. وبذلك تكون مهمة الروبوتات ضمن "أرتيميس" هي "وضع الأسس لوجود بشري مستدام على ذلك الكوكب".
لسبب محدد أصرت "ناسا" على إرسال البشر إلى القمر بدلاً من الروبوتات الذكية. وفي "أرتيميس 2" اختارت "ناسا" أن يكون روادها الأربعة من البشر، وذلك لأن على الطاقم أن يوفر لعلماء الفلك على الأرض "سياقاً إدراكياً بالغ الأهمية لا يمكن محاكاته باستخدام أجهزة الاستشعار الروبوتية"، وفقاً لأرييل دويتش وهو عالم الكواكب في مركز أبحاث أميس التابع لـ"ناسا" في كاليفورنيا، وعضو الفريق العلمي الذي يساعد في تخطيط عمليات رصد مهمة "أرتيميس 2".
لذلك تدرب رواد "أرتيميس 2" كثيراً على تدوين ملاحظاتهم البصرية ووصف القمر بدقة "حتى يشعروا بالثقة في قدرتهم على الحديث عنه، مع إدراكهم أنهم يتحدثون عن خصائص بالغة الأهمية لعلماء القمر بعد عودتهم إلى الأرض". كذلك تضمنت الاستعدادات لمهمة "أرتيميس 2" دورة مكثفة للرواد الأربعة في "أساسات القمر" مصممة لبناء المفردات ومهارات الرصد اللازمة لوصف القمر من مداره.
وفي هذا السياق، نوهت الصحافية شارميلا كوثونور إلى ما صرح به أميت كشاتريا المدير المساعد لوكالة "ناسا" في كلمته خلال مؤتمر علوم القمر والكواكب خلال الإثنين الـ16 من مارس (آذار) الماضي، والتي أكد خلالها أن مهمة "أرتيميس 2" ما زالت تسير وفق الخطة الموضوعة لإطلاقها خلال الأول من أبريل (نيسان) الجاري، وأن المهمة في حال نجاحها سترسل رواد فضاء إلى أبعد نقطة وصل إليها البشر من الأرض، متجاوزة بذلك الرقم القياسي للمسافة الذي حققته "أبولو 13" عام 1970.
وأضاف كشاتريا "ستحمل المهمة التي تستغرق نحو 10 أيام القائد ريد وايزمان والطيار فيكتور غلوفر ومتخصصي المهمة كريستينا كوتش وجيريمي هانسن في مسار حول الجانب البعيد من القمر. وعند أقرب نقطة سيبدو القمر لهم بحجم كرة سلة ممسوكة على بعد ذراع. ومن تلك النقطة، سيوثق رواد الفضاء معالم سطحية مختلفة، بما في ذلك مناطق يعتقد العلماء أنها لم تر من قبل".
وبذلك تمثل ملاحظات الطاقم وأوصافهم الشفهية "مجموعة البيانات العلمية الضخمة لهذه المهمة". وأضاف كشاتريا "وبصفتهم بشراً، يوفر الطاقم سياقاً إدراكياً بالغ الأهمية لا يمكن محاكاته باستخدام أجهزة الاستشعار الروبوتية".
وبناء على ذلك وضع برنامج الرحلة الصارم للغاية أمام رواد الفضاء، إذ قد يقضي طاقم "أرتيميس 2" ما يصل إلى ست ساعات في إجراء عمليات الرصد، باستخدام كاميرات نيكون المحمولة، وتسجيل الأوصاف الشفهية ورسم الرسومات التوضيحية وإضافة التعليقات على الأجهزة اللوحية. وبينما يتميز عدد من الأهداف القمرية بحجمه الكبير أو سهولة تحديده، يهتم العلماء بصورة خاصة بالاختلافات الدقيقة في اللون والإضاءة والتضاريس، وهي سمات يمكن للإدراك البشري رصدها بطرق قد تغفلها الأجهزة وحدها، وفق دويتش.
في المجتمع العلمي الأميركي، هناك مجموعة كبيرة من العلماء والمراقبين الذين يريدون لـ"ناسا" الذهاب سريعاً إلى ما بعد "أرتيميس 2"، إذ تسعى "ناسا" إلى مسار أكثر واقعية للعودة إلى القمر. وذلك وفقاً لما جاء على مواقع علمية أميركية بارزة ضمن أخبار الفضاء الأميركي، وتحديداً عبر مقالة بقلم الصحافية شارميلا كوثونور نُشرت خلال الـ18 من مارس الماضي خلال فترة التجهيز النفسي والعلمي لرواد الفضاء المشاركين في "أرتيميس 2". وكتبت كوثونور حينها "الأمر الأكثر إثارة هو أننا نعود إلى هذا المسار الصحيح، ونعود إلى التفكير في الشكل الذي قد يبدو عليه استكشاف الإنسان الحديث للقمر". وأضافت الكاتبة في السياق ذاته وقبل انطلاق "أرتيميس 2" بأسابيع قليلة "بينما تستعد وكالة ’ناسا‘ لإرسال رواد فضاء إلى القمر للمرة الأولى منذ أكثر من نصف قرن، تراجع الوكالة خططها طويلة الأمد لهذا القمر". وأضافت "الأمر الأكثر إثارة هو أننا نعود إلى هذا المسار، نعود إلى التفكير في صورة استكشاف الإنسان للقمر".
من الواضح أن شارميلا تمثل جانباً من المجتمع العلمي الأميركي الذي رحب كثيراً بفكرة الحفاظ على وجود العنصر البشري في رحلات الفضاء، إذ عدها كثر بمثابة أخبار سارة للغاية. أما عن حديثها المتكرر عن العودة إلى "ناسا" الواقعية والتفكير الصحيح في صورة استكشاف الإنسان للقمر، فتستخدم الصحافية كلمات ومصطلحات دقيقة للغاية تشير بكل وضوح إلى فكرة تغيير وجهة الفضاء الأميركي والعالمي التجاري عن مسار غزو النجوم التقليدي، الذي ركز دائماً على تحقيق الربح المادي. وشارميلا كوثونور، كما وصفتها مواقع علمية أميركية، صحافية مستقلة متخصصة في شؤون الفضاء تقيم في الهند. نشرت أعمالها في مجلات علمية مرموقة مثل "ساينتفك أميركان" و"ساينس" و"أسترونومي" و"لايف ساينس" وغيرها. وتحمل شارميلا شهادة الماجستير في الصحافة من جامعة نورث إيسترن في بوسطن.
لكن كون "ناسا" استبعدت الروبوتات من هذه المهمة الافتتاحية المهمة ضمن "أرتيميس 2" التي من المخطط لها أن تمتد لأعوام مقبلة وربما لعقود من الزمن، وذلك على غرار رحلات "أبولو" التاريخية، فإن هذا لا يعني أن جميع رحلات "أرتيميس" ستكون خالية من الروبوتات التي قد تأخذ مكان البشر في كثير من المهام. كذلك تجدر الإشارة هنا إلى أنه من المعلوم أن بعض شركات الفضاء الأميركية الخاصة أعلنت سابقاً نيتها وضع روبوتات بدل البشر على متن رحلات مأهولة "آلياً" إلى كواكب قريبة من الأرض، من أهمها القمر والمريخ.
لتوجيه هذا الجهد البشري طورت "ناسا" أطلساً قمرياً تفاعلياً لمساعدة الطاقم على تتبع الأهداف ذات الأولوية بناءً على ظروف الإضاءة والرؤية أثناء التحليق. وقال دويتش في هذا السياق، إنه "سيجري تحميل خطة المراقبة النهائية بعد الإطلاق بمجرد تأكيد المسار الدقيق للمركبة الفضائية"، إذ تضمنت الاستعدادات لمهمة "أرتيميس 2" ثلاثة أعوام من التدريب المتجذر في تقنيات عصر "أبولو" ولا سيما الجيولوجيا الميدانية، إلى جانب دورة مكثفة في "أساسات القمر" مصممة لبناء المفردات ومهارات الرصد اللازمة لوصف القمر من مداره، بحسب سيندي إيفانز من مركز جونسون للفضاء التابع لـ"ناسا" في هيوستن، والتي قادت برنامج التدريب الجيولوجي للطاقم.
وأضافت إيفانز "لقد تدربنا كثيراً على ملاحظاتهم البصرية ووصفهم للقمر، حتى يشعروا بالثقة في قدرتهم على الحديث عنه، مع إدراكهم أنهم يتحدثون عن خصائص بالغة الأهمية لعلماء القمر على الأرض".
كان ينظر إلى مهمة "أرتيميس 2" حتى وقت قريب على أنها تمهيد لهبوط مأهول على سطح القمر في عام 2028. ولكن في أواخر فبراير (شباط) الماضي، صرح مدير وكالة "ناسا" جاريد إيزاكمان بأن "هذا الإنجاز سينتقل من ’أرتيميس 3‘ كما كان مخططاً له في الأصل إلى ’أرتيميس 4‘، التي باتت الآن في وضع يؤهلها لتكون أول هبوط مأهول على سطح القمر منذ عصر أبولو".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفق خطط "ناسا" الجديدة، ستبقى الوجهة النهائية لـ"أرتيميس" هي القطب الجنوبي للقمر. وهي منطقة يعتقد أنها تحوي جليداً مائياً مخزناً في "فوهات مظللة بصورة دائمة"، ويعد هذا الماء مورداً بالغ الأهمية لاستكشاف الإنسان للقمر في المستقبل. لكن التضاريس هناك أكثر وعورة بكثير من المواقع الاستوائية الملساء نسبياً التي زارتها "ناسا" خلال برنامج أبولو، إذ تتميز المنطقة بمنحدرات شديدة وجبال وعرة وظروف إضاءة قاسية.
وقال كشاتريا "الهدف الأساس لنا هو الوصول إلى القطب الجنوبي". وأضاف "أعتقد أننا ما زلنا متفقين على أن هذا هو المكان المناسب للذهاب إليه. وسنبقي أنظارنا هناك". ولجعل هذا الهدف أكثر قابلية للتحقيق، "تعمل ’ناسا‘ على توسيع نطاق مواصفات الأداء لمهام الهبوط المبكرة ضمن برنامج "أرتيميس" بأكبر قدر ممكن من الطرق الآمنة، إذ تتيح هذه التغييرات مرونة أكبر في مدارات المركبات الفضائية وتصميم المهام مع مراعاة قدرات وقيود الأنظمة الحالية، مع منح الشركاء الصناعيين مزيداً من الحرية لاقتراح مسارات أسرع للمضي قدماً". وأضاف كشاتريا "لكننا لم نتخل بعد عن القطب الجنوبي ولا أعتقد أننا سنفعل، لأنني أرى أنه مكان لا بد لنا من الوصول إليه. علينا أن نتحدى أنفسنا، وأن نذهب إلى مكان لم نطأه من قبل".
ونظراً إلى اختيار هذه المنطقة الوعرة تحديداً وإصرار "ناسا" على أن تكون مكان هبوط "أرتيميس"، فإن الاستراتيجية المعدلة لـ"ناسا" تركز بصورة أكبر على المهام الروبوتية التمهيدية لوضع الأسس لوجود بشري مستدام. وتتوقع "ناسا" وفقاً لمواقع علمية أميركية بارزة، "وتيرة ثابتة من عمليات الهبوط الروبوتية قرب القطب الجنوبي، ربما شهرياً، بدءاً من عام 2027 لجمع بيانات حول درجات الحرارة القصوى وخصائص التربة وتحديات الاتصالات". وسوف تساعد هذه البيانات في تقليل الأخطار التي تواجه الطواقم المستقبلية، و"ستمنحنا فرصة حقيقية لإنشاء قاعدة قمرية في الموقع المناسب"، بحسب كشاتريا. وأضاف "لن نكتفي بوضع قبة زجاجية سحرية يعيش فيها الجميع وتنمو فيها النباتات وتوجد فيها أشياء مذهلة، لأننا نعلم أن هذا غير واقعي".
يأتي هذا التحول المهم في استراتيجية "ناسا" وسط تأخيرات في مشروع صاروخ "ستارشيب" الضخم التابع لشركة "سبيس أكس"، والذي اختارته "ناسا" ليكون أول مركبة هبوط مأهولة على سطح القمر ضمن برنامج "أرتيميس". وفي التصميم الأصلي، أكدت شارميلا أن "برنامج ’أرتيميس 3‘ يعتمد على إنجاز مراحل معقدة عدة لم يقم ’ستارشيب‘ بإنجازها بعد". وتشمل هذه المراحل نقل وتخزين كميات كبيرة من الوقود فائق التبريد في الفضاء، إضافة إلى نحو 12 رحلة للتزود بالوقود في مدار الأرض قبل أن تتمكن المركبة من التوجه إلى القمر.