كيف تستفيد الجيوش عسكريا من العوالم ثلاثية الأبعاد؟

المصدر : INDEPENDENT | الأثنين , 09 شباط | : 44

لا تستطيع نماذج التعلم الآلي محاكاة البيئات المادية بصورة مباشرة. فهي لا تستطيع التنبؤ بما يحدث عندما تصطدم طائرة مسيرة بعائق تضاريسي معين بسرعة محددة. وأنها أيضاً لا تستطيع التنبؤ بكيفية استجابة رتل مدرع لكمين في منطقة جغرافية معينة، ولا تستطيع محاكاة الآثار المتتالية لضربة على مركز لوجيستي.

أعلنت شركة "غوغل" الأميركية قبل بضعة أيام عن توسيع نطاق الوصول إلى نموذجها التجريبي البحثي "جيني 3"، مما يتيح للمستخدمين إنشاء عوالم ثلاثية الأبعاد والتنقل فيها باستخدام أوامر نصية. وما عرضته الشركة يمثل وفق العلماء نموذجاً عالمياً قادراً على تغيير الحسابات الاستراتيجية للذكاء الاصطناعي الفيزيائي والعسكري.

وبينما نعلم من التقارير المتداولة أن وزارة الدفاع الأميركية استثمرت بصورة كبيرة في نماذج اللغة الضخمة لتحليل المعلومات الاستخبارية ودعم اتخاذ القرارات، فإن النماذج العالمية كتلك التي أطلقتها "غوغل" تمثل أفقاً مختلفاً، وربما أكثر أهمية، إذ يستطيع هذا النوع من الذكاء الاصطناعي التنبؤ بكيفية تطور البيئات المادية وكيف تؤثر الإجراءات على النتائج، وهو ما يعد بالنسبة للتطبيقات الدفاعية في عصر الحرب الإلكترونية أمراً جوهرياً.

يعتمد مشروع "جيني" على نموذج "غوغل ديب مايند" العالمي متعدد الأغراض، وعلى عكس نموذج اللغة الضخم الذي يتنبأ بالرموز في تسلسل، يتنبأ النموذج العالمي بكيفية تغير محاكاة العالم الحقيقي بناء على الإجراءات المتخذة فيه. وبإمكان هذا النظام، عند إدخال نص أو صورة، إنشاء بيئات تفاعلية بمعدلات إطارات عالية، مما يتيح للمستخدمين التنقل فيها في الوقت الفعلي.

لا يقتصر الإنجاز التقني هنا على دقة العرض المرئي فحسب، بل يتعداه إلى ما يبدو أنه استدلال سببي حول الفيزياء، وهكذا يفهم هذا النموذج أن الأجسام تسقط عند إفلاتها، وأن المركبات تتفاعل مع التضاريس، وأن للأفعال عواقب تنتشر في البيئة المحيطة. وتقدم الشركة الأميركية هذا النموذج كخطوة أولى نحو الذكاء الاصطناعي العام، لأن بناء ذكاء عام يتطلب نظاماً قادراً على استيعاب التفاصيل الدقيقة للعالم الحقيقي وتعقيداته.

ودخلت شركة "إنفيديا" الأميركية أيضاً هذا المجال من خلال منصة "كوزموس"، حيث تُدرب نماذج البنية التحتية العالمية على ملايين الساعات من بيانات الفيديو من المركبات والروبوتات ذاتية القيادة. والأهداف هنا متطابقة وهي توليد بيانات اصطناعية تراعي قوانين الفيزياء لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي التي يجب أن تعمل في بيئات مادية.

يعد تطوير الذكاء الاصطناعي الدفاعي الحالي بطيئاً ومكلفاً، ويقيده ضرورة إجراء اختبارات في بيئات واقعية. ويتطلب تطوير الأنظمة ذاتية التشغيل جمع كميات هائلة من بيانات المستشعرات من تضاريس وظروف متنوعة، يتبعها آلاف الساعات من العمل البشري لفرز البيانات وإعدادها.

ولننظر على سبيل المثال إلى كيفية تطوير أوكرانيا لتكتيكاتها في استخدام الطائرات من دون طيار على مر أعوام الصراع. فقد انتقل الجيش الأوكراني من استخدام طائرات مسيرة تجارية مرتجلة إلى أنظمة الرؤية من منظور الشخص الأول، من ثم إلى مسيرات تعمل بالألياف الضوئية ومقاومة للتشويش، وصولاً إلى منصات ذاتية التشغيل مزودة بالذكاء الاصطناعي. نُفذت كل مرحلة بدقة متناهية، وتطلبت شهوراً من التجربة والخطأ على أرض الواقع. وخسرت القوات الأوكرانية ما يقارب من 10 آلاف طائرة مسيرة شهرياً بحلول منتصف عام 2023، بينما كانت تحسن نهجها باستمرار من خلال القتال.

من هنا يمكن لنموذج عالمي دقيق وعالي الدقة كالذي أطلقته "غوغل" أن يقلص هذا التطور من شهور إلى ساعات. فبدلاً من خسارة طائرات مسيرة فعلية لاكتشاف أن إجراء معيناً للحرب الإلكترونية يعطل بروتوكولاً محدداً لتغيير التردد، يمكن محاكاة 10 آلاف حالة مختلفة خلال ليلة واحدة. وبدلاً من انتظار نجاحات نادرة في الواقع العملي للكشف عن أساليب الملاحة الذاتية الناجحة في مواجهة الدفاعات المتطورة، تولد هذه البيانات اصطناعياً وتدرب الأنظمة قبل نشرها.

وبالطبع، تتجاوز التداعيات نطاق الطائرات المسيرة فتحليل مسار العمل، وتحسين الخدمات اللوجيستية، والتنسيق متعدد المجالات أي وظيفة تخطيط تعتمد على التنبؤ بتأثير العمليات العسكرية على ساحة المعركة، تصبح أسرع بكثير عند المحاكاة بدلاً من المراقبة.

وعلى صعيد متصل نجد أن الصين لم تقف مكتوفة الأيدي في هذا المجال، فقد أظهر فريق بحثي في جامعة "شيان التكنولوجية" أخيراً، نظام ذكاء اصطناعي يستخدم خوارزمية "ديب سيك" لتوليد 10 آلاف سيناريو عسكري في 48 ثانية فحسب، وهو إنجاز يتطلب من القادة البشريين وقتاً أطول بكثير. ويستطيع هذا النظام إعادة بناء سيناريوهات محتملة في ساحة المعركة ووضع خطط تفصيلية لتحركات القوات والأحداث التكتيكية.

وطور جيش التحرير الشعبي الصيني أيضاً ما يسميه العلماء "قائد ذكاء اصطناعي محصور"، مدرب على قرارات اتخذها استراتيجيون صينيون بارزون. وقد شارك هذا النظام في مناورات حرب رقمية واسعة النطاق، مع إمكان الوصول الكامل إلى سلطة القيادة العليا لجيش التحرير الشعبي. وقد قامت شركات الدفاع الصينية، مثل شركة "يو-تينيت"، ببناء نماذج ذكاء اصطناعي ذات توجه عسكري، من بينها "تيانغي"، وهو "عقل اتخاذ القرار" السحابي للتخطيط العملياتي، مدرب على قواعد بيانات خاصة تحوي أكثر من مليون وثيقة عسكرية ومئات التيرابايت من الصور العسكرية.

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويشير تقرير صادر عن وزارة الدفاع الأميركية عام 2025، يتناول تطور الجيش الصيني، إلى استمرار بكين في الاستثمار بالذكاء الاصطناعي لأغراض المحاكاة والتدريب العسكري. وبموجب استراتيجية الصين لدمج القطاعين العسكري والمدني، تُنقل التطورات في نماذج العالم التجارية مباشرة إلى التطبيقات العسكرية.

تتميز نماذج التعلم الآلي بقدرتها الفائقة على معالجة اللغة وتحليلها، إضافة إلى عديد من أشكال معالجة اللغة الطبيعية الأخرى، فهي قادرة على تلخيص التقارير، ووضع الخطط العملياتية، ودعم عملية صنع القرار من خلال واجهات اللغة الطبيعية. وقد استثمرت وزارة الدفاع الأميركية في هذه القدرات من خلال مشاريع توفر وصولاً شاملاً على مستوى الوزارة إلى نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية.

لكن نماذج التعلم الآلي لا تستطيع محاكاة البيئات المادية بصورة مباشرة. فهي لا تستطيع التنبؤ بما يحدث عندما تصطدم طائرة مسيرة بعائق تضاريسي معين بسرعة محددة. كما أنها لا تستطيع التنبؤ بكيفية استجابة رتل مدرع لكمين في منطقة جغرافية معينة، ولا تستطيع محاكاة الآثار المتتالية لضربة على مركز لوجيستي.

في المقابل تستطيع النماذج العالمية القيام بكل هذه الأمور، فهي تتعلم تمثيلات من البيانات وتتنبأ بالديناميكيات أي الحركة، والقوة، والعلاقات المكانية. وعندما تواجه مركبة ذاتية القيادة خللاً ما، يولد النموذج العالمي احتمالات متعددة للثانية التالية ويقيم الاستجابات. وفي التطبيقات العسكرية، تتيح هذه القدرة على المحاكاة ميزة حركية هائلة، حيث يتقلص الفارق بين محاكاة الهجوم وتنفيذه عندما تستطيع المحاكاة نمذجة الواقع المادي بدقة. وبذلك فإن الجيش الذي يحقق نماذج عالمية عالية الدقة أولاً يكتسب ميزة سرعة المحاكاة كالقدرة على الاختبار والتكيف والنشر بوتيرة أسرع من قدرة الخصوم على الاستجابة.