علاقة مفاجئة بين ظهور الشيب وخطر الإصابة بالسرطان

المصدر : INDEPENDENT | الأثنين , 29 كانون الأول | : 63

يتكشّف الشيب عندما تتخلص الخلايا الجذعية الصبغية من نفسها بعد تلف حمضها النووي، في آلية وقائية تمنع تحولها إلى خلايا سرطانية. لكن في ظروف معينة، يمكن للخلايا التالفة نفسها أن تنجو وتتكاثر، فتغدو بذوراً لنشوء الميلانوما، ما يجعل الشيب والسرطان وجهين لصراع واحد بين تجديد الأنسجة وتجنب الأورام.

يعد الشيب سمة حتمية للتقدم في العمر، ودليلاً بصرياً على مرور الأعوام وما يصاحبه من تغيرات جسدية. إلا أن أبحاثاً علمية حديثة تكسر هذا التصور المباشر، كاشفة أن تلك الخصلات الفضية التي تظهر على رؤوسنا قد تكون إشارة خارجية دفاعية تعكس آليات الجسم المعقدة في مواجهة السرطان.

فقد كشفت دراسة جديدة على الفئران عن الكيفية المدهشة التي يتعامل بها الجسم مع التلف الخلوي، وهي عملية محورية في كل من الشيخوخة والسرطان. ففي الشيخوخة، يضعف التلف الخلوي وظائف الخلية تدريجاً ويشوش عليها، بينما يمكن للخلايا التالفة أو غير المرممة في السرطان أن تثير نمواً غير طبيعي وتشكل الأورام.

وسلطت هذه النتائج الضوء على صلة مفاجئة بين فقدان الصبغة في الشعر والآليات التي يمكنها إبعاد السرطانات القاتلة.

وتقع الخلايا الجذعية الميلانينية في صميم هذا الاكتشاف، إذ تستقر في أعماق بصيلات الشعر، وتشكل المخزون الذي يمد الجسم بالخلايا الصبغية المنتجة للون والمسؤولة عن لون الشعر والجلد.

وفي الظروف الطبيعية، تقوم هذه الخلايا الجذعية بتجديد الخلايا المنتجة للصبغة عبر دورات متعاقبة من النشاط والسكون وإعادة التكوين، بالتوازي مع الإيقاع الطبيعي لنمو الشعر وتساقطه. ويضمن ذلك تدفقاً ثابتاً من الصبغة، ومن ثم لون شعر حيوي طوال معظم أعوام حياتنا.

لكن خلايانا تتعرض يومياً لاعتداءات تطاول حمضها النووي - المادة الوراثية داخل الخلايا - بفعل الأشعة فوق البنفسجية والمواد الكيماوية وحتى عمليات الأيض الداخلية. ويسهم هذا التلف في كل من الشيخوخة وازدياد خطر الإصابة بالسرطانات، مثل الميلانوما، وهو أحد أنواع سرطان الجلد.

وتظهر هذه الدراسة الجديدة ما يحدث عندما تتعرض الخلايا الجذعية الميلانينية - المتموضعة في بيئتها الداعمة داخل بصيلة الشعر - لتلف في حمضها النووي، ولا سيما نوعاً من التلف يعرف بكسور الشريط المزدوج.

وعند حدوث هذا التلف، قد تمر الخلايا الجذعية الميلانينية بعملية تسمى "التمييز المرتبط بالشيخوخة" seno-differentiation. تعني هذه العملية أن الخلايا الجذعية تنضج نهائياً لتتحول إلى خلايا صبغية، ثم تغادر مخزون الخلايا الجذعية بدلاً من أن تبقى فيه وتتجدد. ومع تقلص هذا المخزون تدريجاً، يقل إنتاج الصبغة شيئاً فشيئاً، فيبدأ الشيب بالظهور في الشعر.

وتخضع هذه العملية الوقائية لتنظيم دقيق عبر مسارات إشارات داخلية تمكن الخلايا من التواصل. ومن خلال استبعاد الخلايا الناضجة من تجمع الخلايا الجذعية، تمنع هذه الآلية تراكم الطفرات الجينية أو التغيرات في الحمض النووي التي قد تشجع على نشوء السرطان وانتشاره لاحقاً.

وبمعنى آخر، تمثل كل شعرة بيضاء انتصاراً صغيراً للتضحية الذاتية داخل الجسد: خلية تختار الانسحاب بدلاً من المجازفة بأن تتحول إلى خلية سرطانية.

مع ذلك، لا تتوقف القصة هنا، فليس كل تلف في الحمض النووي يحفز هذه العملية الوقائية. ففي تجاربهم، عرض الباحثون الخلايا الجذعية الصبغية لدى الفئران لمواد كيماوية مسرطنة قوية إلى جانب الأشعة فوق البنفسجية. ومن اللافت أنه تحت هذه العوامل الضاغطة، وجد أن هذه الخلايا تتجاوز عملية التمييز المرتبط بالشيخوخة بالكامل.

وبدلاً من ذلك، شجعت الإشارات الصادرة من الأنسجة المحيطة الخلايا التالفة على التجدد الذاتي ومواصلة الانقسام، على رغم حملها تلفاً جينياً قائماً. وقد أدى ذلك إلى تهيئة بيئة خلوية خصبة لنشوء الميلانوما.

وأشارت هذه الأبحاث إلى أن مصير الخلايا الجذعية الصبغية يتحدد وفقاً لنوع الضرر الذي تتعرض له، وكذلك الإشارات الجزيئية داخل بيئتها الدقيقة. فعوامل الإجهاد، مثل المواد الكيماوية أو الأشعة فوق البنفسجية، التي تتسبب في تكسر شرائط الحمض النووي، تدفع أيضاً الخلايا الجذعية الصبغية إلى التدمير الذاتي تلقائياً، وهي العملية نفسها التي تؤدي إلى ظهور الشيب.

أما عندما تكون الخلايا الجذعية الصبغية التالفة واقعة تحت تأثير الخلايا السرطانية، فإنها تستمر في البقاء، مشكلة بذوراً يمكن أن ينمو منها سرطان الميلانوما. ويصف العلماء هذه الظاهرة بـ"المصائر المتضادة" antagonistic fates، إذ يمكن لمجموعة الخلايا الجذعية نفسها أن تسلك مسارين مختلفين جذرياً تبعاً للظروف المحيطة.

والأهم من ذلك، تعيد هذه النتائج ربط الشيب والميلانوما، لا بوصفهما حالتين منفصلتين، بل كمصيرين متوازيين في صراع الجسم الدائم للموازنة بين تجديد الأنسجة وتجنب السرطان. فالشيب في حد ذاته ليس درعاً ضد السرطان، بل نتاج ثانوي لعملية وقائية تستبعد الخلايا العالية الخطورة.

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى الجانب الآخر، عندما تفشل آليات الضبط أو يجري تقويضها بفعل المواد المسرطنة، ينفتح الباب أمام تكون الخلايا الخبيثة. وقد يساعد هذا الفهم الجديد في تفسير سبب ازدياد قابلية الإصابة بالسرطان كلما تقدمنا في العمر.

ومن الضروري الإشارة إلى حدود هذه النتائج، إذ يستند جانب كبير من الأدلة الأساسية إلى تجارب على الفئران، مما يعني أننا لا نزال في حاجة إلى أبحاث بشرية لمعرفة ما إذا كانت الخلايا الجذعية الصبغية لدينا تعمل بالطريقة نفسها. كذلك فإن الاختلافات البيولوجية بين الأنواع وتعقيدات أسلوب الحياة والعوامل الوراثية لدى البشر تجعل الصورة المرتبطة بالشعر وأخطار السرطان أكثر تشابكاً.

ومع ذلك، تفتح هذه الاكتشافات آفاقاً واعدة لكل من أبحاث السرطان وعلوم الشيخوخة. ففهم الإشارات التي تدفع الخلايا الجذعية نحو التمايز أو نحو التوسع الخلوي المحفوف بالأخطار قد يتيح مستقبلاً تطوير علاجات تعزز دفاعات الجسم الطبيعية، مما قد يقلل خطر الإصابة بالسرطان مع التقدم في العمر.

كذلك فإن هناك انعكاسات أوسع لهذه النتائج، إذ قد تساعد في تفسير إصابة بعض الأشخاص بالميلانوما على رغم غياب عوامل الخطر الواضحة، ولماذا يقترن السرطان وتنكس الأنسجة معاً في مراحل العمر المتقدمة.

الشيب ليس أمراً مرتبطاً بالمظهر أو بمرور الزمن فحسب، بل بالتطور والتكيف واليقظة الدائمة لحراس أجسادنا الداخليين. وقد تقول لنا تلك الخصلات الفضية شيئاً عميقاً وهو أنه في التنافس بين الشيخوخة والسرطان، قد يكون من المفيد أحياناً التضحية بخلية صبغية واحدة من أجل سلامة الكل.

© The Independent