ما الذي استهدف في درعا؟
انتظرت حتى استطعت الإلمام بالمشهد بقدر يسمح بالكتابة. وفي البدء، الرحمة لشهدائنا في درعا، والشفاء العاجل للجرحى، والصبر لذويهم. ما جرى اعتداء على الأراضي السورية وقتل لأبرياء آمنين، وهو مرفوض ومدان بكل المقاييس. ومن الضروري التأكيد أن أي حديث عن تنسيق سوري أردني سبق هذه الضربات لا أساس له. وبعد ذلك، لنضع التوتر جانبا قليلا ولنقرأ المشهد بهدوء.
القاعدة الأولى في قراءة أي حدث هي البحث عمن يستفيد منه. العلاقة بين سوريا والأردن منذ التحرير بلغت مستوى غير مسبوق في تاريخ البلدين، فمن المتضرر من هذه العلاقة؟ ومن المستفيد اليوم من توتير الأجواء؟ ومن الذي يعمل على إبقاء المنطقة في حالة توتر دائم؟ الإجابة عن هذه الأسئلة تضع الحدث في سياقه الصحيح.
التصريحات الرسمية الأردنية نفسها نفت وجود تخطيط مسبق لدى الخلية التي اعتدت على الكنيسة، ونفت ارتباطها بأي جهة خارجية. وهذا النفي يضع علامة استفهام كبيرة على مبرر الضربة من أساسه: إن كانت الخلية بلا امتداد خارجي، فما الذي استهدف في درعا؟
القرار في الأردن محكوم بتوازنات عشائرية دقيقة، والاعتداء على الكنيسة أحدث حالة غضب داخلية ضاغطة تطلبت فعلا سريعا يظهر الحزم ويمتص الاحتقان. وهذا تفسير للسياق لا تبرير لما حصل لاحقا. ففي هذه اللحظة تحديدا يبدو أن معلومة ما قدمت إلى صاحب القرار بطريقة مغرضة، استغلت الرغبة في رد عاجل يهدئ الأجواء داخليا، فوجهت الضربة نحو مواقع بعينها بوصفها هدفا جاهزا.
ونفذت الضربة على عجل، دون تحقق كاف من صحة المعلومة، ودون أي تنسيق مع الجانب السوري، خلافا لطبيعة العلاقة ومستوى التواصل الأمني بين البلدين. وما يعزز هذه القراءة أن الأردن تبنى الضربات علنا وعلى كل المستويات قبل أن يتحقق حتى من نتائجها على الأرض، وهو سلوك يدل على أن الهدف كان إرسال رسالة داخلية بقدر ما كان عملا عسكريا.
ما جرى ليس حالة فريدة في تاريخ القرار الأمني والسياسي. فالمؤسسات تضع لنفسها إجراءات للتحقق قبل اتخاذ القرار، وهذه الإجراءات صممت أصلا للحظات الضغط الأقصى، لأن اللحظة الهادئة لا تحتاج إلى قواعد. غير أن الواقع يسير في الاتجاه المعاكس: كلما اشتد الضغط وارتفعت الحاجة إلى إنجاز سريع، بدا صاحب القرار يرى الإجراءات عائقا بدل أن يراها حماية.
الآلية النفسية لهذا الخطأ درسها عالم النفس الحائز على نوبل دانيال كانيمان في كتابه “التفكير السريع والبطيء”، وأستاذ العلاقات الدولية روبرت جيرفيس في كتابه “لماذا تفشل الاستخبارات”، وتسمى التفكير المدفوع بالرغبة. يبدأ العقل من النتيجة التي يحتاجها، ثم يبحث عن المعلومة التي تؤكدها، فتصبح المعلومة الضعيفة كافية إن كانت تناسب الحاجة، وتصبح التحذيرات القوية مزعجة إن كانت تؤجلها. والأخطر أن من يملك المعلومة المغرضة يفهم هذه الحالة جيدا، فيقدم للجهة المضغوطة ما تريد سماعه بالضبط.
في كانون الأول 2009، وبعد ثماني سنوات دون اختراق حقيقي لقيادة تنظيم القاعدة، جاء إلى وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية والمخابرات الأردنية طبيب أردني هو همام البلوي، المعروف بأبي دجانة الخراساني، عارضا الوصول إلى أيمن الظواهري. يوثق الصحفي جوبي واريك في كتابه “العميل الثلاثي” كيف ألغي اختبار كشف الكذب، وألغي تفتيشه عند دخول قاعدة تشابمان في خوست، وتجاهلت تحذيرات ضابطين رأيا في الأمر ما يريب، لأن الوكالة كانت في حاجة ماسة إلى منجز كبير. والنتيجة مقتل سبعة من ضباطها في أسوأ خسارة لها منذ عقود، ومراجعة داخلية أقرت بأن إغراء الهدف أدى إلى تجاوز الإجراءات.
وفي العراق عام 2003، قررت الإدارة الأمريكية الحرب ثم طلبت الأدلة، فصار مصدر واحد غير موثوق كافيا لإثبات وجود مختبرات متنقلة، ووثيقة مزورة كافية لإثبات شراء اليورانيوم، وهمش كل من شكك داخل الأجهزة. وقد وصفت لجنة روب-سيلفرمان الرئاسية عام 2005 الاستخبارات الأمريكية بأنها كانت خاطئة في جميع نتائجها الأساسية تقريبا.
وفي كابل في آب 2021، وبعد مقتل 13 جنديا أمريكيا في تفجير المطار، كانت الحاجة ملحة إلى رد يثبت أن واشنطن ما زالت قادرة. فضربت طائرة مسيرة سيارة بوصفها تحمل انتحاريا من داعش، وقتلت عشرة مدنيين بينهم سبعة أطفال، وتبين أن المستهدف موظف إغاثة. وأقر قائد القيادة المركزية الأمريكية لاحقا بأن ضغط الرد السريع كان عاملا في القرار.
القاسم المشترك في هذه الحالات واحد: الإجراءات كانت موجودة، والتحذيرات موجودة، والكفاءات موجودة، وما غاب هو الاستعداد للتأخر، لأن الحاجة إلى المنجز جعلت الانتظار يبدو ضعفا. وأكثر القرارات كلفة في التاريخ المعاصر لم تنتج عن غياب المعلومة، وإنما عن وجود حاجة أقوى من المعلومة.
ضربة درعا تبدو، في ضوء ما سبق، نتاج لحظة ضغط داخلي جرى توظيفها من طرف ما، أكثر منها قرارا مبنيا على تقدير موقف مكتمل. والإدانة والاستنكار والرفض حق مشروع وواجب، غير أن الانزلاق من الإدانة إلى التحريض يخدم تحديدا من يريد لهذه المنطقة أن تبقى مشتعلة.
والمطلوب اليوم أن يفتح تحقيق جاد في حيثيات ما حصل، وأن تحدد المسؤوليات بوضوح، وأن يتحمل الأردن مسؤوليته الكاملة تجاه ما جرى، فيعتذر لأهالي الشهداء والمصابين، ويعوض المتضررين، ويحاسب من قدم المعلومة المغرضة ومن دفع بالقرار على هذا النحو. وأن يقف الجميع، دولة ومجتمعا، إلى جانب أهالي الشهداء والمصابين. فالحكمة أن نحفظ دماء شهدائنا بموقف واضح وصلب، وأن نحفظ في الوقت ذاته ما بني بين الشعبين من علاقة يراد لها أن تهدم.