“ذاكرة الأشياء” لسامر إسماعيل.. جدلية الحجر واللون تتبع سيرة الوجع السوري
دمشق-سانا
تتزاحم الأواني والأحجار ومفردات الحياة اليومية في لوحة “ذاكرة الأشياء” للتشكيلي السوري سامر إسماعيل، متداخلةً مع خطوط ومسارات لونية تتخللها وتطمس بعض حدودها.
وضمن زاوية “قراءة تشكيلية” الأسبوعية التي تنشرها سانا الثقافية لإضاءة نتاجات الحركة الفنية، نتوقف هذا الأسبوع عند هذا العمل، حيث يرتسم بين المساحة الفاتحة في الأعلى وتراكم الأشكال الداكنة في الأسفل، فضاءٌ بصري يستحضر الأشياء بوصفها حوامل للذاكرة، ويفتح باب التأمل في ما تختزنه من آثار الحياة الاجتماعية وتحولاتها.
تكشف المعاينة البصرية للعمل عن بنيان هندسي محكم يعتمد تنظيماً رأسياً، حيث تتجلى في الجزء العلوي خطوط بيضاء ممتدة تشبه بوابات زمنية أو قطرات مطر كثيفة تخترق عناصر اللوحة، وينساب من هذا الفضاء العلوي تيار سائل يمتزج فيه الأزرق والرمادي والأبيض، ليتحول منتصف اللوحة إلى ما يشبه شلالاً روحياً جارفاً يصهر الأواني والجرار المتناثرة، ما يمنح التكوين طابعاً حركياً مستمراً يحرم المادة من ثباتها ويحيلها إلى أثر حسي خالص.
تنتشر العناصر في فضاء العمل بتكوينات مستوحاة من البيئة المحلية، حيث يلاحظ المتلقي وجود أحجار بيضوية وأوانٍ فخارية مستدعاة مباشرةً من الذاكرة الجمعية، وفي أسفل اللوحة، تتراكم الأشكال الداكنة والرمادية بطريقة تحاكي أرشفة الماضي، لتشكل ذكريات منسية تترسب في قاع الوعي الإنساني.
وتتداخل هذه المفردات مع تكوين في الجانب الأيسر يشبه بقايا منحوتة قديمة، لتعبر اللوحة عن عدم ثبات المادة وتحولها إلى أثر حسي.
يوضح الفنان سامر إسماعيل في تصريح لـ سانا، أنه بدأ العمل على اللوحة قبل نحو خمس سنوات، متخذاً من الطاولة رمزاً اجتماعياً يجمع الأسرة والأقارب والأصدقاء، قبل أن تتغير دلالتها في ظل الظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة.
ويستعيد الفنان تحول هذا الرمز بقوله: “تارةً أصبحت هذه الطاولة فارغة أو ربما غارقة في الدم”، مشيراً إلى المناخ الموحش والحزين الذي تتخذه في أسفل اللوحة، حيث يقبع طير وحيد.
ويبين إسماعيل أنه حاول التعبير عن حميمية مفقودة، منفذاً العمل بطبقات لونية متدرجة ومتناغمة، ويرى في ذاكرة الأشياء وسيلة لأنسنة الأشياء ومنحها سياقات بصرية تعبّر عن حالة المجتمع.
ومن هنا، تكتسب الطاولة دلالة تتجاوز وظيفتها اليومية، فهي تستحضر مكاناً كان يجمع الناس، وتكشف في الوقت ذاته ما أصاب تفاصيل الحياة المشتركة من تغير وغياب.
يُعد الفنان التشكيلي سامر إسماعيل واحداً من الأصوات البارزة في الحركة الفنية السورية المعاصرة، وهو خريج كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق (قسم التصوير) عام 1988، وعضو في اتحاد الفنانين التشكيليين السوريين، وشارك في العديد من المعارض الفردية والمشاركات الجماعية داخل البلاد وخارجها، وتتميز تجربته بـالبحث المستمر في جماليات اللون والخط، والتركيز على مفردات البيئة المحلية والذاكرة الشعبية، محولاً عناصر الواقع اليومي إلى تكوينات بصرية تعبر عن هواجس الإنسان وتحولات المجتمع.