تناقض في تقديرات عوائد النفط.. هل يعول عليه في تعافي الاقتصاد السوري؟

المصدر : سناك سوري | الخميس , 22 كانون الثاني | : 29

في وقت تطرح فيه الحكومة تصورات متفائلة حول الدور الذي يمكن أن يلعبه قطاع النفط في تمويل مرحلة التعافي الاقتصادي، يقدم خبراء في الطاقة والاقتصاد قراءات أكثر تحفظاً، تستند إلى معطيات تقنية وتاريخية تشكك في قدرة الحقول السورية على تحقيق تلك العوائد.

حيث قال رئيس هيئة الاستثمار السورية، طلال الهلالي، إن الدخل المتوقع من الحقول النفطية بعد استعادتها لا يقل عن 20 مليار دولار سنوياً، معتبراً أن هذا الرقم يشكّل ركيزة أساسية لما وصفه بـ“المرحلة النوعية” التي تمر بها البلاد، والمتمثلة في التطوير الاقتصادي والتنمية وجذب الاستثمارات.

وأضاف الهلالي في تصريحات نقلتها صحيفة الثورة السورية الحكومية، أن هذه الإيرادات ستتيح توجيه رؤوس الأموال نحو إعادة بناء البنية التحتية وفق أولويات متعددة، تشمل التطوير العقاري، وإعادة إطلاق مشاريع في قطاعات الزراعة والإسكان والسياحة والطاقة، إلى جانب التركيز على الاقتصاد الريعي كمرحلة تأسيسية.

في المقابل، قدم الخبير الاقتصادي محمد صالح الفتيح، في مقابلة سابقة مع “سناك سوري”، تقييماً مختلفاً لطبيعة قطاع النفط السوري وجدواه الاقتصادية، مشيراً إلى أن هذا القطاع كان يعاني من اختلالات بنيوية حتى قبل اندلاع الحرب.

وأوضح الفتيح أن إنتاج سوريا النفطي قبل عام 2011 بلغ نحو 380 ألف برميل يومياً، كان معظمها يوجه لتغذية المصافي المحلية، فيما لم يكن المتبقي كافياً لتغطية الطلب الداخلي، ما دفع الحكومات المتعاقبة إلى استيراد المازوت بشكل دائم.

وبيّن أن خصائص النفط الخام السوري، من حيث الكثافة والتركيب، لا تسمح بإنتاج متوازن من المشتقات النفطية، إذ يؤدي ذلك إلى فائض في بعض المنتجات مقابل نقص في أخرى، ولا سيما المازوت، ما جعل الاستيراد خياراً دائماً حتى في سنوات الإنتاج المرتفع.

وأضاف أن النفط لم يكن مورداً مالياً صافياً، إذ كان أكثر من 80% من الإنتاج يُستهلك داخلياً، فيما استخدمت عائدات جزء من الصادرات لتمويل استيراد المازوت، الأمر الذي حد من الفائدة الاقتصادية الفعلية للقطاع.

وحول تأثير الحرب، أشار الفتيح إلى أن أكثر من 90% من الحقول النفطية تعرّضت لأضرار مباشرة أو غير مباشرة، ما أفقدها القدرة على العودة إلى مستويات الإنتاج السابقة، ولفت إلى أن تقديرات ما قبل عام 2011 كانت تتوقع تحول سوريا إلى بلد مستورد للنفط بحلول عام 2015، مع اقتراب النضوب الكامل بحلول عام 2020، غير أن تراجع الإنتاج خلال سنوات الحرب أبقى كميات من النفط في باطن الأرض يصعب استخراجها حالياً.

كما أوضح أن معظم الحقول السورية دخلت مراحل متقدمة من الاستنزاف، حيث يعتمد الاستخراج في مراحله الأولى على ضغط الغاز الطبيعي المصاحب للنفط، وهو ما يجعل الكلفة منخفضة نسبياً، لكن مع تراجع هذا الضغط يصبح اللجوء إلى تقنيات الاستخراج الثانوي، مثل ضخ المياه أو الغازات، أمراً ضرورياً، وهي تقنيات مرتفعة الكلفة.

وأشار إلى أن بعض هذه الأساليب بدأ يُستخدم منذ تسعينيات القرن الماضي في حقول كبرى مثل حقل العمر، الذي كان يُعدّ الأكبر في سوريا، وبلغ إنتاجه قبل الحرب نحو 80 ألف برميل يومياً.

وختم الفتيح بالقول إن الكلفة العالية للاستخراج في المراحل المتقدمة تجعل إنتاج النفط في سوريا غير مجدٍ اقتصادياً في الوقت الراهن، محذّراً من بناء سياسات طاقة على توقعات متفائلة لا تأخذ بالاعتبار الواقع التقني للحقول، وما يفرضه من قيود على حجم الإنتاج والعوائد المحتملة.