في أقصى شبوة اليمنية .. متحف يكتب ما لم يكتب

المصدر : INDEPENDENT | الأحد , 19 نيسان | : 26

متحف محلي في الطلح بشبوة يوثق تراثاً مهدداً بالاندثار عبر مبادرة فردية جمعت أكثر من 150 قطعة، في ظل غياب مؤسسي ليحفظ ذاكرة المكان ويعيد إحياء تفاصيل الحياة التقليدية.

في أقصى الامتداد الجغرافي لمحافظة شبوة جنوب اليمن، حيث تتكئ القرى على جوانب الجبل وتغيب المؤسسات، بدأت حكاية مختلفة في مديرية الطلح النائية، لم تولد كمشروع واضح المعالم، بل كفكرة تحاول إنقاذ ما تبقى من ذاكرة المكان قبل أن تتلاشى.

تدريجاً، تحولت الفكرة إلى متحف بسيط، لا يقوم على عرض قطع قديمة بقدر ما يسعى إلى حفظ ما تبقى من إرث مهدد بالنسيان. هنا، لا تعرض الأشياء بوصفها مقتنيات جامدة، بل كحكايات متجسدة في سيوف معلقة، ودلال قهوة صامتة، وأقمشة احتفظت برائحة زمن مضى.

أكثر من 150 قطعة جمعت، لا عبر موازنات رسمية، بل بدافع جماعي يحاول منع اختفاء التفاصيل الصغيرة التي تصنع هوية المكان.

وراء هذه المبادرة يقف عيضة آل عبدالعزيز، شاب لم ينتظر مؤسسة لتؤدي دورها، بل بدأ من نقطة القلق نفسها. الفكرة، كما يروي، لم تكن مشروعاً بقدر ما كانت خوفاً حقيقياً من ضياع هذا الكنز التراثي بصمت، ومن تحول ذاكرة المكان إلى فراغ.

لم تكن هناك خطة مكتملة، بل خطوة أولى بدأت بزيارة معرض تراثي خارج المنطقة، أشعلت السؤال، ثم دفعته إلى الفعل. ومن هناك، بدأ جمع القطع من بيوت الأهالي، قطعة تلو أخرى، كمن يعيد ترتيب ذاكرة مبعثرة.

لا تتوفر بيانات دقيقة عن حجم ما فقد من التراث في اليمن، لكن المشهد في المناطق النائية يقول الكثير. في الطلح لا توجد مؤسسات ثقافية، ولا مراكز حفظ، ولا أرشيف يوثق ما كان، مما جعل كل شيء قابلاً للضياع لولا مبادرات فردية كهذه.

ويقول القائمون على المتحف إن كثيراً من المقتنيات كانت ستبقى في دائرة النسيان أو تتآكل مع الزمن، في غياب أية جهة تتولى حمايتها، وبينما يعرض جزء منها اليوم خلف واجهات بسيطة، يبقى الجزء الأكبر خارج السرد، مجهول المصير.

لا يقتصر المتحف على عرض الأدوات، بل يحاول إعادة بناء نمط حياة كامل، من الزوامل الشعرية التي كانت تملأ ليالي الأفراح، إلى طقوس الزواج التي تبدأ بمسير طويل وتنتهي باحتفال جماعي، وصولاً إلى الرقصات الشعبية التي اختفى بعضها مع تغير الزمن.

حتى العمارة، بحصونها الشاهقة المبنية من مواد محلية، تقف شاهداً على مهارة قديمة، لكنها في الوقت نفسه مهددة بفعل الإهمال وعوامل التعرية.

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

عيضة آل عبدالعزيز، أحد أكثر الشباب حماسة واهتماماً بالتراث والثقافة الشعبية في مديرية الطلح، كان صاحب المبادرة في تأسيس هذا المتحف، بالتعاون مع نخبة من أبناء المديرية.

ويقول إن الفكرة بدأت حين زار معرضاً تراثياً خارج المنطقة، مما دفعه للتفكير في إنشاء متحف في مديرية الطلح، قبل أن تتحول الفكرة إلى واقع عبر استعارة القطع من أبناء المديرية بدعم وثقة منهم.

ويضيف أن الإعداد للمعرض استغرق وقتاً طويلاً لجمع أكثر من 150 قطعة أثرية، تشمل السيوف والرماح والجنابي والبنادق القديمة، إلى جانب الأدوات المنزلية والأقمشة ودلال القهوة وأدوات الحياة اليومية، فضلاً عن عرض القهوة بالطريقة التقليدية.

ويشير إلى أن نجاح المتحف يعود لتلاحم أبناء المديرية، وأسهم في خلق حراك ثقافي لفت الانتباه داخل المحافظة وخارجها.

في اليمن تراث غني بالعادات والتقاليد والطقوس، لكنه نادراً ما يجد من يوثقه، خصوصاً في ظل ضعف الاهتمام الحكومي. في المقابل، قدمت قبيلة آل بلعبيد في مديرية الطلح بمحافظة شبوة مبادرة لافتة عبر افتتاح متحف يحفظ تراثها وثقافتها الشعبية، ويعيد إحياء جزء من تاريخها.

تقع الطلح في الجزء الشمالي الشرقي من محافظة شبوة، وتجاورها حضرموت، فوق مرتفع جبلي أشبه بهضبة منبسطة تطل على أودية من جهاتها الأربع. تختزن تضاريسها تاريخاً غير مكتوب، من حصون قديمة ونقوش حميرية وكهوف صامتة تشير إلى عمق حضاري لا يجد من يرويه.

وبحكم موقعها، يتمتع المكان بمناظر طبيعية خلابة، خصوصاً في مواسم الأمطار، كما تنتشر فيه الحيوانات البرية مثل الوعول والغزلان والوبران، ويعتمد السكان على الزراعة والرعي وتربية المواشي والنحل.

لكن هذا الجمال ذاته كان سبباً في عزلته، فبعيداً من مراكز القرار تتراجع الأولويات، ويصبح التراث ترفاً مؤجلاً.