الوقود يربك حسابات الفيدرالي الأمريكي.. والتضخم يعقد قرار الفائدة ‏

المصدر : سانا | الأربعاء , 14 تشرين الأول | : 23

واشنطن-سانا‏

أعاد تسارع التضخم في الولايات المتحدة، مدفوعاً بارتفاع أسعار الوقود، الضغوط ‏السعرية إلى واجهة المشهد الاقتصادي، واضعاً مجلس الاحتياطي الفيدرالي أمام ‏معادلة صعبة تجمع بين احتواء التضخم وتجنب تشديد السياسة النقدية على نحو قد ‏يزيد الضغوط على سوق العمل، وذلك مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي المقررة ‏في تشرين الثاني المقبل، وسط تصاعد مخاوف الأمريكيين من ارتفاع تكاليف ‏المعيشة.‏

وأظهرت بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي، الصادرة اليوم الأربعاء، ارتفاع ‏مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 0.6 بالمئة في أيلول الماضي، مقارنة بـ0.4 بالمئة ‏في آب، بينما صعد معدل التضخم السنوي إلى 3.7 بالمئة، مقابل 3.4 بالمئة في ‏الشهر السابق.‏

وجاءت الزيادة الشهرية متوافقة مع متوسط توقعات الاقتصاديين الذين شملهم ‏استطلاع بلومبرغ، لكنها تعكس تسارع وتيرة ارتفاع الأسعار بفعل زيادة تكاليف ‏الطاقة، ما أعاد تسليط الضوء على صعوبة الموازنة بين استمرار الضغوط التضخمية ‏ومؤشرات ضعف سوق العمل.‏

وبرز البنزين بوصفه العامل الأوضح وراء تسارع التضخم، إذ ارتفع مؤشر أسعاره ‏بنسبة 9.1 بالمئة خلال أيلول، مساهماً بأكثر من نصف الزيادة الشهرية في مؤشر ‏أسعار المستهلكين العام، وفق بيانات مكتب إحصاءات العمل. ‏

واقتربت أسعار البنزين في محطات البيع من 4.50 دولارات للغالون في أواخر ‏الشهر، لتبلغ أعلى مستوياتها خلال أربعة أشهر، بحسب المعلومات الواردة في ‏التغطيات الاقتصادية الأمريكية.‏

ووفق معطيات السوق، تتجاوز أهمية هذا الارتفاع فاتورة الوقود المباشرة للأسر، إذ ‏يمكن لزيادة تكاليف الطاقة أن تنتقل إلى أسعار النقل والإنتاج والتوزيع، ما يوسع ‏أثرها في قطاعات أخرى إذا استمرت لفترة طويلة، بينما يتوقف في المقابل مدى ‏انتقال هذه التكاليف إلى المستهلكين على قدرة الشركات على امتصاصها، وعلى ‏تطور الطلب والأسعار في الأشهر المقبلة.‏

وفي محاولة لاحتواء ارتفاع تكاليف الوقود قبيل انتخابات التجديد النصفي، أعلن ‏الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتفاقاً لتوريد الديزل الروسي إلى الولايات المتحدة ‏والأسواق العالمية، غير أن الأثر الفعلي لهذه الخطوة في الأسعار يبقى مرتبطاً بحجم ‏الإمدادات وتوقيت وصولها.‏

وفي المقابل، سجل مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي، الذي يستثني الغذاء والطاقة، ‏زيادة شهرية قدرها 0.3 بالمئة للشهر الثاني على التوالي، لكن استقرار الزيادة ‏الشهرية لم يمنع ارتفاع المعدل السنوي للتضخم الأساسي إلى 2.6 بالمئة، مقارنة ‏بـ2.4 بالمئة في آب، وفق البيانات التي تناولتها رويترز اليوم.‏

وتكشف هذه الأرقام عن تباين مهم في مسار الأسعار، فالقفزة في الوقود تفسر جانباً ‏كبيراً من تسارع المؤشر العام، لكن ارتفاع التضخم الأساسي سنوياً يشير إلى أن ‏الضغوط السعرية لا يمكن اختزالها بالكامل في أسعار البنزين. ويعتمد تقييم ‏الاحتياطي الفيدرالي على مجموعة أوسع من المؤشرات، بينها مقياس نفقات ‏الاستهلاك الشخصي الذي يستهدف البنك المركزي إبقاء تضخمه عند نحو 2 بالمئة.‏

وتزداد صعوبة القرار مع تباطؤ التوظيف، إذ أضاف الاقتصاد الأمريكي 29 ألف ‏وظيفة غير زراعية في أيلول، بأقل من المتوقع، بينما ارتفع معدل البطالة إلى 4.2 ‏بالمئة. ‏

ويحد هذا الأداء من سهولة اللجوء إلى رفع الفائدة، لأن تشديد شروط الاقتراض قد ‏يضغط على الاستثمار والإنفاق والتوظيف، حتى لو كان ضرورياً لكبح التضخم.‏

وكان رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك جون ويليامز قد قال، وفق ما نقلت ‏بلومبرغ: إن رفع الفائدة مرة أخرى خلال العام قد يكون مناسباً، لكنه لا يرى في ‏الوقت الراهن ضرورة لافتراض زيادات إضافية في عام 2027. ‏

وربط ويليامز توقعاته بانحسار آثار الرسوم الجمركية وأسعار الطاقة، مع استمرار ‏المؤشرات التي تدعم تراجع التضخم الأساسي.‏

لكن بيانات أيلول أعادت احتمال رفع الفائدة في الاجتماع المقرر يومي 27 و28 ‏تشرين الأول إلى حسابات الأسواق، وأفادت رويترز بأن المتعاملين رفعوا تقديراتهم ‏لاحتمال زيادة جديدة خلال الشهر إلى نحو 47 بالمئة، مقارنة بنحو 20 بالمئة قبل ‏صدور البيانات، بالتزامن مع ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية وتراجع العقود ‏الآجلة للأسهم.‏

ولا تعني هذه التطورات أن قرار الرفع أصبح محسوماً، إذ سيوازن الفيدرالي بين ‏استمرار الضغوط السعرية ومؤشرات سوق العمل، فضلاً عن تقديره لما إذا كانت ‏زيادة الطاقة مؤقتة أم ستغذي التضخم على نطاق أوسع.

وتزداد أهمية هذه الموازنة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني، ‏حين تصبح كلفة المعيشة عاملاً حاضراً بقوة في تقييم الناخبين للأداء الاقتصادي.‏

وبذلك، لا تتمثل المعضلة الاقتصادية الأمريكية في ارتفاع التضخم وحده، بل في ‏تحديد مدى الحاجة إلى تشديد نقدي جديد لمواجهته، مقابل مخاطر إضعاف النشاط ‏الاقتصادي وسوق العمل، وسيكون تطور أسعار الطاقة، إلى جانب مسار التضخم ‏الأساسي والتوظيف، عاملاً حاسماً في تحديد توجهات الاحتياطي الفيدرالي خلال ‏المرحلة المقبلة.‏