في جامعة حلب.. طلاب يدرسون التجربة .. ولا يعيشونها _ محمد العمر

المصدر : سناك سوري | الأحد , 19 نيسان | : 31

في جامعة حلب، لا يحتاج الطالب إلى آلة زمن ليعود سنوات إلى الوراء، يكفي أن يدخل مخبراً عملياً في إحدى كليّاتها.

في كلية العلوم مثلاً، عبوات بلاستيكية بيضاء وبضع محاليل كيميائية مصطفّة أمام مقعد التدريس، وخلفها مقاعد خشبية متراصة، في مشهد أقرب إلى مختبر مدرسي منه إلى مخبر جامعي. وعلى الطرف الآخر، في بعض كليات الهندسة، تُستخدم حواسيب قديمة تستغرق وقتاً طويلاً للإقلاع، في وقت أصبحت فيه الأجهزة المحمولة جزءاً أساسياً من التعليم التقني في جامعات كثيرة حول العالم.

كل كلية تحتاج إلى نحو 150 جهازاً متخصصاً في كل كلية هندسة أو علوم، ومواد كيميائية وبلاستيكية وأدوات قياس بمخزون يكفي لـ 3 سنوات على الأقل مع تحديث سنوي،

“كأنك تسافر إلى الماضي”، يصف طارق، طالب السنة الرابعة في قسم الهندسة التقنية هذا الواقع بسخرية مريرة. ويقول إن الفجوة تكبر يوماً بعد آخر بين ما يتلقاه طلاب جامعته من تعليم عملي، وما ينجزه طلاب في جامعات أخرى داخل مخابرهم، من روبوتات وبرامج ونماذج متقدمة في الذكاء الاصطناعي.

يضيف طارق أن مخابر الكلية “لا تضم تجهيزات حديثة قادرة على إجراء تجارب متطورة، ومنح الطالب فرصة اختبار المواد النظرية التي يدرسها وتطبيق ما تعلّمه على أرض الواقع”. ومع هذا النقص، يتحوّل العملي إلى شرح نظري داخل المخابر نفسها، التي تفتقر إلى المواد اللازمة لإجراء التجارب، سواءً “الحساسات” أو “الشرائح الرقمية” أو أجهزة القياس، وحتى “الروبوتات”.

بين النظري وسوق العمل.. طلبة يقترحون حلولاً على الجامعة

وبحسب طارق، فإن تجارب “الميكاترونيكس والروبوتات” تُختزل غالباً إلى معادلات مكتوبة وشرح نظري، من دون تطبيق فعلي، بسبب غياب المعدّات اللازمة. ويضيف أن “التجارب التي تُجرى في المخابر لا تقدّم فائدة ملموسة غير التعريف بالأساسيات، ويمكن اختصارها بجلستين والدخول بتجارب أعمق”.

في هذا الواقع، تبقى أجهزة الحاسوب الشخصية الوسيلة الوحيدة التي تمنح بعض الطلاب مساحة محدودة للتطبيق، كما يقول، لكنها لا تعوّض ضعف الخبرة العملية التي يفترض أن تقدمها الكلية، ولا الفجوة بين عدد المواد العملية في المنهاج وبين ما يختبره الطالب فعلياً داخل المخبر.

لا يتوقف أثر النقص في جامعة حلب عند ضعف المخابر، بل يمتد إلى قاعات الامتحانات أيضاً. تقول نور حسن، البالغة من العمر 21 عاماً، وهي طالبة في كلية الهندسة المعلوماتية، إن عدداً من المواد الدراسية في الكلية يتطلب اختباراً عملياً على الحاسوب، لكن تعطل بعض الأجهزة يدفع الإدارة أحياناً إلى إجراء الامتحانات بشكل ورقي.

هذا الحل، كما تقول نور، لا يبدو منطقياً في مواد يُفترض أن تُختبر على الكمبيوتر أساساً، ما يضع الطلاب أمام عبء إضافي يتمثل في امتلاك حاسوب شخصي لتقديم الامتحان. وتضيف لـ سناك سوري: “إذا الطالب ما معو لابتوب بيتأجل فحصو لموعد فئة تانية، واللي معو لابتوب بيقدم مع فئته”.

في كلية الاتصالات، التابعة لكلية الهندسة الكهربائية والإلكترونية، لا يبدو الواقع بعيداً كثيراً عن ذلك. تقول زينب، البالغة من العمر 24 عاماً، إن التجارب العلمية في بعض المقررات تقتصر على “توصيل الدارات”، بينما يُجرى الامتحان على الورق.

وتضيف أنها درست مادة البرمجة في السنة الثانية “عبر الشرح النظري، من دون أن تجرّب ما تدرسه على الكمبيوتر، كما أن الامتحان كان نظرياً”. وحتى في السنوات اللاحقة، تقول زينب، بقي وجود الحاسوب ضرورياً في مواد مثل “الماتلاب” و”نظم التشغيل”، “رغم أن الامتحان ظلّ ورقياً”.

في كلية الهندسة الزراعية، تبدو الصورة أكثر تبايناً. تصف أليسار حلاق، طالبة السنة الخامسة، تجربتها الدراسية بأنها “جيدة من الناحية العملية” في بعض المواد، إذ تتوفر مخابر كافية وأدوات تتيح للطلاب دراسة نماذج نباتية بشكل مباشر، كما في مادة النباتات، التي توفّر فيها الكلية عينات من النباتات الطبية ونباتات الزينة كنماذج للتطبيق العملي.

لكن هذا الجانب لا ينسحب على جميع المواد. فبحسب أليسار، تظل تجارب مثل “التقليم” و”التطعيم” محصورة في الشرح النظري عبر شاشة الإسقاط، من دون أن تتاح للطالب فرصة ممارستها فعلياً، ليبقى دوره مقتصراً على متابعة مراحل التجربة واستنتاج نتائجها من بعيد.

تقدم في التصنيف وتراجع في التواصل.. مفارقة جامعة اللاذقية!

أما ريان، البالغة من العمر 22 عاماً، وهي طالبة في السنة الثالثة في الكلية نفسها، فترى أن المخابر تفتقر إلى تجهيزات مناسبة ومريحة للطلاب، “ابتداءً من الكراسي، وصولاً إلى المواد المستخدمة في التجارب”، والتي تصفها بأنها “قليلة وقديمة جداً”، ما يؤدي في بعض الأحيان إلى فشل التجربة نفسها.

وتضيف أن بعض التجارب تحتاج إلى “كاشفات كيميائية” لا تتوفر دائماً في مخابر الكلية، فيما تمنع الإدارة الطلاب من شراء المواد اللازمة على نفقتهم الخاصة لإجراء التجارب عملياً، ما يجعل جزءاً من التعليم التطبيقي معلقاً على ما هو متاح، لا على ما تفرضه الحاجة العلمية.

في كلية الهندسة المعمارية، لا تتوقف الاختبارات عند الامتحانات الفصلية. فالطلاب يخضعون أيضاً لاختبارات عملية خلال العام تُعرف باسم “الإسكيز”، وهي اختبارات تعتمد على الرسم والتصميم، وتتطلب ساعات طويلة من الجلوس والعمل المتواصل.

يقول فهد، البالغ من العمر 23 عاماً، وهو طالب في الكلية، إن “مشكلة نقص المراسم في الكلية قديمة ومستمرة”، مضيفاً أن الكراسي المتوفرة لا توفر للطالب راحة كافية خلال فترات الرسم الطويلة التي يفرضها الاختبار.

ويضيف أن الأمر يبدو أحياناً وكأنه “مسألة حظ”، فهناك “كراسٍ مريحة وأخرى قديمة وغير مناسبة، ولا يعرف الطالب أين سيقع نصيبه”.

لكن مشكلة كلية العمارة لا تتوقف عند المراسم أو الكراسي فقط. فبحسب فهد، لم يعد مقبولاً اليوم أن يتخرج مهندس معماري من دون إتقان برامج تصميم عالمية مثل “3D Max”، في حين تكتفي الكلية بتعليم الطلاب الرسم ثنائي الأبعاد عبر برنامج “AutoCAD”.

هذا النقص يدفع كثيراً من الطلاب إلى اللجوء إلى الدورات الخاصة لتعلّم البرامج التي يحتاجها سوق العمل فعلياً، رغم كلفتها المرتفعة، في محاولة لتعويض ما لا يوفّره المنهاج الجامعي.

يرى أستاذ الهندسة الميكانيكية في جامعة حلب، باسل عيشة، أن ضعف التجهيزات المخبرية ينعكس مباشرة على مستوى المعرفة العملية لدى الطلاب، ويؤثر سلباً في خبرتهم، ما يفرض على كثير منهم تعويض هذه الفجوة لاحقاً عبر الانخراط في العمل الميداني أكثر من المكتبي.

ويوضح عيشة أن عدداً كبيراً من المقررات الهندسية لا يمكن فهمه على نحو كافٍ من دون تجارب عملية، مثل “المحركات والضواغط وغيرها من المعدات الهندسية”، إضافة إلى “علم الموائع” الذي يحتاج، بحسب قوله، إلى تجارب مخبرية وأجهزة قياس مستخدمة في الحياة العملية، ولا يمكن في هذه الحالة الاستعاضة عن التجربة بالدروس النظرية البحتة.

ويضيف أن وجود أي جهاز مخبري متطور داخل الكلية لا يمثل مجرد أداة تعليمية، بل يشكّل “قيمة علمية مضافة” تساهم في تطوير المعرفة العلمية والعملية لدى الطالب معاً.

هذا الأثر لا يتوقف عند سنوات الدراسة فقط، بل يمتد إلى ما بعد التخرج أيضاً. فبحسب علاء بيازيد، باحث الدكتوراه في فيزياء الكم في ألمانيا، يمسّ غياب البيئة التطبيقية المناسبة جوهر التخصص نفسه، لأنه يؤدي إلى تخريج طلاب “يحملون شهادات دون كفاءة عملية حقيقية”.

ويقول بيازيد إن “الشهادات السورية تحظى بثقة أكاديمية نظرية في الخارج، لكن الخريج يصطدم بفجوة تطبيقية تسبب له التردد عند مواجهة أول تحدٍ عملي، لأنه ببساطة لم يلمس أجهزة حقيقية”.

ويشير إلى أن هذا الحرج يكون أقل وضوحاً في تخصصات مثل البرمجة، التي يمكن تعويض جزء من نقصها عبر الحاسوب الشخصي، لكنه يصل أحياناً إلى درجة “الخطورة” في العلوم الأساسية مثل الفيزياء والكيمياء، حيث لا يمكن فصل المعرفة عن التجربة المخبرية المباشرة.

وفي مقارنة مع النموذج الألماني، يوضح بيازيد أن الطالب هناك يُدفع باكراً نحو الورشات والشركات والتدريب العملي قبل التخرج، بينما “ينفصل اللقب الأكاديمي عن الواقع المهني” في الحالة السورية، في ظل فجوة مستمرة بين ما يُدرَّس داخل الجامعة وما يحتاجه سوق العمل خارجها.

لقاء مفتوح بين الطلبة وإدارة جامعة اللاذقية .. وورشة للقراءة السريعة في دمشق

ويحذّر بيازيد من اختزال جودة التعليم الجامعي في تصنيفات الجامعات، معتبراً أنها لا تعكس بالضرورة واقع العملية التعليمية داخل القاعات والمخابر.

ويقول إن “تصنيف الجامعات ليس مؤشراً حقيقياً، فقد يرتفع تصنيف جامعة ما بسبب نشاط بحثي مكثف لباحث أو اثنين فقط، وهذا يعكس نشاطاً فردياً لا جودة تعليم أو بنية أكاديمية متكاملة”.

وبحسب بيازيد، فإن ضعف التجهيزات المخبرية لا يظهر دائماً في الأرقام أو المؤشرات العامة، لكنه يترك أثراً عميقاً في “المُخرج التعليمي” نفسه، أي في نوعية الخريج الذي تخرجه الجامعة، حتى وإن بدا ذلك أقل وضوحاً في التصنيفات الرسمية.

في ظل هذا الواقع، يرى الأستاذ الجامعي أن معالجة المشكلة في الجامعات السورية تتطلب أكثر من تحديث جزئي أو حلول إسعافية، بل تحتاج إلى إصلاح اقتصادي وإداري أوسع، يتيح تمويل البحث العلمي، ويحدّ من الفساد، ويضمن وصول الكفاءات إلى مواقع التأثير داخل المؤسسات الأكاديمية.

وإلى حين إصلاح هذه البنية المتعثرة، ينصح بيازيد الطلاب بمحاولة تقليل الفجوة بجهود فردية، من خلال التوجّه إلى التعلّم الذاتي، وإتقان مهارات مثل البرمجة وتقنيات الذكاء الاصطناعي، والاستفادة من المبادرات والجاليات الأكاديمية السورية في الخارج، بوصفها واحدة من المساحات القليلة المتاحة لتعويض ما لا توفره البيئة الجامعية محلياً.

خطط التطوير 

ضمن جدول زمني، تطرح جامعة حلب، بحسب رئيسها، محمد أسامة رعدون، خطة لتحديث المعدات المخبرية عبر إدخال أجهزة حديثة تواكب التطور التقني والعلمي في المجالات الهندسية والطبيعية، وتطوير البنية التحتية من خلال إعادة تأهيل المختبرات القائمة وتوسيع بعضها لتشمل مختبرات متخصصة (مثل مختبرات الذكاء الصناعي، الطبية، الطاقة المتجددة، النانوتكنولوجية). وتقديم برامج تدريب عملي من خلال تنظيم ورش عمل ودورات تدريبية للطلاب والهيئة التدريسية على استخدام الأجهزة الحديثة وإجراءات السلامة، وتعزيز البحث العلمي التطبيقي من توفير البيئة المناسبة لإجراء مشاريع تخرج المتقدمة والأبحاث العلمية التشاركية بين الكليات والمراكز البحثية. 

وفقاً لحديث “رعدون” لـ سناك سوري، تبدأ المرحلة الأولى خلال العام الحالي بصيانة وتحديث مختبرات كلية الهندسة الميكانيكية والكهربائية والعلوم الأساسية، تليها مرحلة ثانية خلال عامي 2027 و 2028 تتضمن تجهيز مختبرات متخصصة في الهندسة المدنية والكمبيوتر والعلوم الطبية الأساسية، وصولاً إلى المرحلة الثالثة اعتباراً من 2029 والتي تهدف إلى إنشاء مختبرات ذكية متقدمة قادرة على دعم أبحاث علمية تنافسية دولياً.

وتواجه جامعة حلب، بحسب رعدون، تحديات كبيرة في في تأمين أجهزة حديثة أو مواد للتجارب، في مقدمتها الأوضاع الاقتصادية والتمويلية في ظل ارتفاع تكلفة الأجهزة والمستلزمات المخبرية بشكل كبير، وصعوبة الاستيراد سواءً بسبب العقوبات أو قلة النقد الأجنبي، إضافة إلى الجمود الإداري مثل طول الإجراءات الروتينية للاستيراد والمناقصات تعطّل وصول الأجهزة في الوقت المناسب، فضلاً عن وصول بعض الأجهزة بقطعٍ ناقصة أو صعوبة الحصول على قطع غيار ومواد الاستهلاك الضرورية لها. 

من جانب آخر، فإن جامعة حلب تتواصل، بحسب رئيسها، مع عدة جهات دولية وعربية ومنظمات محلية لتقديم دعم للمختبرات بما يشمل الجمعيات العلمية الدولية في مجالات الهندسة والعلوم، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي undp ومؤسسات أوروبية للتعاون العلمي، ومؤسسات صناعية وشركات كبرى مهتمة بالشراكة الأكاديمية. 

قنابل واحتجاز عميد الكلية.. احتجاج صامت ضد اعتداء مسلح في جامعة دمشق

ويقدّر رعدون أن كل كلية تحتاج إلى نحو 150 جهازاً متخصصاً في كل كلية هندسة أو علوم، ومواد كيميائية وبلاستيكية وأدوات قياس بمخزون يكفي لـ 3 سنوات على الأقل مع تحديث سنوي، إضافة للحاجة إلى ترقية سنوية لمختبرات الحاسوب والبرمجيات بنسبة لا تقل عن 20% من الأجهزة والبرمجيات لمواكبة أحدث تقنيات المحاكاة والبرمجة. 

في انتظار أن تجد هذه الخطط طريقها إلى التنفيذ، يبحث الطالب السوري عن حلول لتعويض ما ينقصه من خبرة عملية، قبل أن يسقط في أول اختبار عملي خارج ورق الامتحانات وأسوار الجامعة، هناك حيث يبدو الاختبار حقيقياً في سوق العمل.

هذه المادة هي نتاج ورشة صحفية مشتركة لشبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MiCT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة.