"أرتميس 2" تذكير بشغفنا الأبدي بأسرار القمر
القمر شاغل الناس ومالئ السماء
السكون، والصفاء: اسمان من بين أسماء أطلقناها على بحار القمر [سهول بازلتية شاسعة وداكنة] تعكس رؤية عامة للقمر بوصفه رفيقاً هادئاً باعثاً على الطمأنينة، لازمنا منذ فجر البشرية. غير أن هذه العلاقة بدأت بالعنف والنار. فوفق النظرية السائدة، تكون القمر قبل نحو 4.5 مليار سنة، حين اصطدم كوكب ضخم يسمى "ثيا"Theia بالأرض في مراحل تشكلها الأولى، فشطر منها قطعة وقذف بها إلى الفضاء، لتستقر على مسافة قريبة بما يكفي لتبقى ضمن مدارنا.
ومنذ ذلك الحين، ونحن ندور أحدنا حول الآخر. وإذ انحسرت حرارة الأرض، وأصبحت صالحة للحياة ثم مأهولة بالسكان، ومع نشوء حضارات شاسعة، ظل البشر يرفعون أبصارهم ويتطلعون نحو السماء. بدا القمر وكأنه خلق ليكون رمزاً، فغدا كذلك.
وهكذا بدأنا ننسج السرديات عنه. القمر بوصفه إلهاً (تحمل مهمة "أرتميس"Artemis اسم إلهة القمر اليونانية، ولكن ثمة نماذج مماثلة في الثقافات كافة تقريباً). والقمر كتقويم (تذهب بعض الفرضيات إلى أن أولى التقاويم استخدمت لتتبع دورات القمر والدورات الشهرية لدى النساء كليهما، ويعزى ذلك جزئياً إلى التوافق المذهل بين الدورتين). والقمر باعتباره رمزاً أدبياً (يجمع بين التغير والثبات معاً، وبين البعد والقرب في آن). كذلك القمر كسبب للجنون (كما يتجلى في كلمة "الجنون [الخبل]" lunacy).
كانت تلك حوارات فاتنة وجميلة، اتسمت دوماً بالرومانسية، ثم أصبحت "رومانسية" بالمعنى الاصطلاحي الفني والأدبي الشامل. ظللنا نتحدث عن القمر وإليه منذ بدأنا الكلام، ولكن القرن الـ19 وحركة "الرومانسية" تحديداً هما اللذان صاغا رؤيتنا المعاصرة للقمر. تجلى ذلك في الفن البصري لدى الشاعر والفنان الإنجليزي ويليام بليك، كما في لوحته المعنونة ("أريد! أريد!" I want! I want!) [تظهر اللوحة طفلاً يضع سلماً طويلاً يصل إلى القمر ويحاول تسلقه، وأسفلها كتب بليك العبارة "أريد! أريد!"]، وعند الرسام البريطاني صامويل بالمر (حيث يطل القمر غامضاً وجليلاً، مطمئناً ومخيفاً في آن)، وكقطعة مركزية صاخبة في لوحة الرسام الهولندي فان غوغ "ليلة مرصعة بالنجوم". وفي الأدب أيضاً، في أعمال الشاعر الإنجليزي جون كيتس، الذي جعل إلهة القمر في قصيدته "إنديميون" تقع في حب بشر، فتكون قريبة وبعيدة في الوقت نفسه. وقد قيل في القمر كلام رومانسي كثير، لدرجة أن بايرون بدأ يسخر من هذا الكلام في قصائده.
طوال القرن الـ19، اعتقدنا أن القمر قد يكون مأهولاً بالبشر، إذ كان من غير المتصور أن يكون حقاً بهذا السكون الذي يبدو عليه (واليوم، تستحضر فرضية الحياة على القمر غالباً من خلال "خدعة القمر الكبرى" عام 1835، حين زعمت إحدى الصحف أن الفلكي جون هيرشل رصد كائنات هجينة تجمع بين البشر والخفافيش على سطحه، بل إن والده، ويليام هيرشل، كان يعتقد فعلاً أنه رصد مدناً هناك). غير أن عمليات الرصد والزيارات التي تلت ذلك لم تزدنا إلا يقيناً بمدى خواء القمر، فهو عالم بلا هواء، وبلا حياة، وبلا صوت.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ربما صاغ القرن الـ19 تصورنا عن القمر، ولكن القرن الـ20 منحنا التكنولوجيا التي مكنتنا من وطئه لا مجرد رؤيته. وإذا كان الأدب غرس فكرة إمكانية السفر إلى هناك، بل والعيش على سطحه أيضاً، فإن سباق الفضاء جعل من تلك الفكرة واقعاً ملموساً.
"بعد مرور 150 عاماً على قصيدة "إنديميون"، بات بإمكاننا أخيراً السعي نحو ردم تلك الفجوة بيننا وبين القمر. في عام 1968، وطأت البشرية القمر أخيراً، إذ صعد الحالم في لوحة بليك السلم وبلغه. ولكن فجأة، حل الصمت من جديد، فبعثة "أبولو 17" عام 1972 كانت المرة الأخيرة التي نصل فيها إليه، ولم نعد نملك حقاً القدرة على العودة. لقد انكشف زيف غطرستنا التكنولوجية، وانفتحت الفجوة من جديد بيننا وبين رفيقنا الدائم، هذا إن كانت قد انغلقت أصلاً.
لكننا الآن نعاود المحاولة، إذ تأمل "ناسا" في أن تكون بعثة "أرتميس 2"، التي انطلقت هذا الأسبوع، بداية لعلاقة جديدة مع القمر. وعلى رغم أننا سنكتفي هذه المرة بالتحليق حوله، فإن وكالة الفضاء الأميركية تطمح للهبوط على سطحه في غضون بضع سنوات، ثم بناء مستوطنات دائمة. إنه سباق فضاء جديد، تحدد معالمه مرة أخرى المتناقضات، فكثيراً ما سار الاستكشاف جنباً إلى جنب مع الاستحواذ، وباتت وكالات الفضاء حول العالم تشعر أخيراً أننا ربما نتمكن من جعل القمر ملكاً لنا. لا أحد يعرف حقاً ما إذا كنا سننجح في ذلك، أو ما إذا كان ينبغي لنا الإقدام عليه من الأساس.
ربما افترضنا أن زيارة القمر ستبدد جانباً من هذا الغموض، مما وصفه كيتس بـ"حل لغز قوس القزح" [أي نزع السحر عن الظواهر عبر تفسيرها علمياً]. أو ربما ظننا أن الغموض سيكون أكبر من قدرتنا على الاحتمال، وأن الاقتراب أكثر من اللازم [كثيراً] سيهلكنا، تماماً كـ"إيكاروس" في نسخته الباردة [في إشارة إلى أسطورة "إيكاروس" الذي احترق حين حلق قريباً من الشمس بجناحين من ريش وشمع، ولكن هنا بصورة معكوسة ببرودة القمر].
ولكن لا هذا ولا ذاك. ربما يكون القمر غير صالح للحياة وأسراره عسيرة الفهم، ولكنهما في الوقت نفسه يرحبان بنا. انظر إلى تلك الصور الغريبة لرواد الفضاء وهم يقفزون على سطحه، فترى عالماً على قدر من الغرابة يبعث الاضطراب فينا [يمزقنا]، ولكنه على قدر من الألفة تكفي لإنقاذنا.
إنه، في حد ذاته، حوار من نوع آخر. نحن نبذل أقصى ما في وسعنا، ببدلات الفضاء والصواريخ الضخمة، لنلتقي به. والقمر بدوره يبذل أقصى ما لديه، في صمته الغامض، ليمنحنا شيئاً في المقابل.
الذئاب تعوي [حين تقع على القمر]، بينما نبني نحن [تكنولوجياتنا وصواريخنا]. ومهمة "أرتميس" سؤال متقد، ملتهب، نصرخ به في وجه ذلك الكيان الذي نخاطبه منذ دهور بعيدة. آن أوان أن نصغي إليه [وأن تبلغه كلماتنا].
© The Independent